كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عن تعليم اللغة والأدب والفكر وتوفيق الحكيم

عن تعليم اللغة والأدب والفكر وتوفيق الحكيم

تاريخ النشر: 2021-08-21 | 16:11

تحسين يقين
تحسين يقين

تعيدني كلمات طلبة الثانوية العامة في حفلات تخريجهم الى مسألة تعليم اللغة والأدب والفكر؛ فبعد 12 عاما من التعليم، يجد الخريج، حتى ولو كان متفوقا، صعوبة في التعبير عن نفسه في هذا اليوم، فيختار الحل السهل، ألا وهو الاقتباس من أقول أخرى، أو الطلب من آخرين للكتابة نيابة عنه.

12 عاما من تعليم اللغة، والنتيجة كما نرى. ولعل الوضع خلال الجامعة وبعدها، حتى في الدراسات العليا، ليس ورديا. والآن، يظهر لي توفيق الحكيم ربما طفلا، في بداية القرن العشرين؛ فمن أحاديثه عن اللغة والأدب، يمكن تصور الحال قبل قرن، كذلك استحضار ما كتبه الحكيم منذ العشرينات حتى رحيله في الثمانينيات.

 بالرغم من قراءتي مجمل أعمال توفيق الحكيم، وبما فيها كتابه "زهرة العمر"، إلا أنني أجد نفسي أعيد قراءة الكتاب ثانية، بعد القراءة الأولى التي كانت قبل 29 عاما. إنه التاريخ الشخصي لكل منا تجاه ما سمع وقرأ وشاهد أيضا، وتلك أسرار خلود الروائع، أنها تبقى متجددة وتجددنا.

وسأختار رسالته الى إلى صديقه الفرنسي (أندريه) من الكتاب نفسه، والذي هو أصلا رسائل بعثها الحكيم لصديقه، ولم يكن في باله أن تنشر يوما، لولا أنه، أي الحكيم حين رآها في فرنسا، حيث كان أندريه قد احتفظ بها، وجد أن هناك ضرورة لترجمتها ونشرها لقراء العربية، حيث أن الكاتب بعد سنوات اكتشف كلماته من جديد.

مضى على نشر "زهرة العمر" 77 عاما، فما الذي تغير فعلا في العمق التربوي والثقافي طبعا واللغوي عربيا؟ نقرأ في الرسالة "إن أولئك الذين علمونا اللغة العربية، في المدارس الابتدائية والثانوية، كانوا يجهلون لا معنى اللغة العربية وحدها، بل معنى اللغة على الإطلاق... إنك لن تجد مستنيراً في مصر لا يقول لك إن اللغة العربية- للأسف- قاصرة عن التعبير في شتى ضروب العلوم والفلسفة والتفكير العالي، بل منهم من يقول إنها ليست لغة تفكير، إنما هي لغة بهرج وتنميق. لماذا؟ ... السبب بسيط: هو أن النماذج التي وضعت في أيدينا - ونحن صغار- للبلاغة في اللغة العربية، كانت كتبا غثة المعنى متكلفة المبنى، لو كتب بها شخص اليوم لأثار سخرية الناس...نعم... إنهم يعلموننا في المدرسة لغة إذا استعملناها في الحياة ضحك منّا الناس".

لقد تجاوز توفيق الحكيم مسألة التعبير التي ركزت عليها، إلى أمر يخص التكوين الفكري ويؤسس له:

على أنك إذا أردت أن تعرف حقاً جلال اللغة العربية في بساطتها وسيرها قُدًماً نحو الغرض: فاقرأها عند الفلاسفة والمؤرخين العرب... أولئك عندهم حقيقة ما يقولون، فهم لا يضيعون أوقاتهم وأوقاتنا في العبث اللفظي والطلاء السطحي، إنما هم يحدثوننا في شؤون فكرية واجتماعية ودينية في لغة سهلة مستقيمة، لا لعب فيها ولا لهو ولا ادعاء... إني لأدهش كيف أن مؤلفين مثل (ابن خلدون) و"الطبري" و"ابن رشد" و"الغزالي" لم يعرضوا علينا قط في دراستنا للأدب العربي في المدارس؟... كيف نعرف لغة دون أن نطالع فلاسفتها ومؤرخيها؟ ... ولو عرضت علينا صفحة واحدة مع شرحها، لكل فيلسوف بارز، ومؤرخ مشهور من فلاسفة العرب ومؤرخيهم، لتغيّر رأي أكثر المستنيرين عندنا في اللغة العربية، وقدرتها على التعبير عن أدق الأفكار وأعلاها وأعمقها وأنبلها ... أوّ ليس بهذه اللغة نقل "ابن رشد" و"ابن سينا" أعمق آراء فلاسفة الإغريق إلى أوروبا المتعطشة للمعرفة؟ ... أنتم معشر الفرنسيين فعلتم ذلك في تدريس الأدب الفرنسي.

في العربية كاتب متعدد النواحي، له باع طويلة في الجد والهزل، هو "الجاحظ" .. هذا أيضاً لم نقرأ له سطراً في المدارس... كل كاتب عربي بسيط الأسلوب نافع لنا في الحياة يقصونه عنا إقصاء بحجة أنه غير بليغ، ويأتون إلينا بالكاتب الذي لا ينفع في حياتنا إلا نموذجاً لإثارة السخرية."

كنت طالبا كملايين الطلاب العرب، ومعلما للغة العربية مثل الكثيرين، لذلك، ربما يحسن بنا دوما تذكر أنفسنا صغارا وكبارا، ترى ما الذي يحدث فعلا؟ وما المطلوب؟ لقد كتبت وغيري من قبل، فما الذي سنضيفه فعلا؟

 البدء سيكون بم بقي لدينا من تذوق وفكر بعد هذا السنوات؟ وكيف كنا نتلقى النصوص في دروس اللغة العربية وغيرها؟ ماذا أحببنا؟ هي ذكريات جميلة على أية حال.

أمران تتقن المدرسة التقليدية القيام بهما: تعليم الطلبة نسخ النصوص وحفظها! ويبدأ هذان الأمران في رياض الأطفال، التي تبدأ عملية ممنهجة في شغل الطفل ابن 4 سنوات بكتابة الحروف والكلمات، وتحفيظهم النصوص!

وفي المجمل لم يعبر الطفل عن نفسه وطفولته في الروضة قبل المدرسة، ولا خلالها خصوصا في السنوات الأولى؛ حيث ينشغل الطفل بالواجبات: النسخ والحفظ!

فحين نطلب منه التعبير عن مشاعره بأسلوبنا سيكون كلامه معادا مكررا لا حياة فيه ولا يجذبنا، إلا من يحب صناعة البشر على مقاسه، بينما حين نشجعه هو أن يعبر بحرية عما يحس سنرى انطلاق لسانه وتحرره، فيغدو كلامه حيويا ممتعا صادقا، لأنه يعبر عن تجربة إنسانية فريدة.

سيكون تعبيره من داخله لا من سطحه، سطحه الذي يقلد به سطوح آخرين مسطحي التفكير والمشاعر، من الجاهزين والمنمقين لغة شعرا وخطابة وعبارات المجاملة، من النمطيين المنمطين لصغارهم وفق ما يهوون.

كذلك، حين نريد أن نعلمهم الإبداع، كوسيلة ننهض باللغة بها، ونزيد من فعاليتها وحضورها وأثرها، لا يجب أن نختار لهم مواضيعنا نحن، لأنها لن تكون جذابة لهم، بل ستثير مللهم ومعاناتهم، من خلال تشجيعنا لهم بأن يعيدوا إنتاج الماضي.

ليس الماضي هو العيب، لأنه كان حاضرا وحيويا ضمن سياقات وقته، لكن السياقات الآن مختلفة، فلا بدّ من مراعاة الزمن والمحيط الثقافي والإنساني الذي يحيا فيه الطفل. ولم يعود من السهولة أن نعيد إنتاج الفكر الماضوي والشعور الماضوي بذات الطريقة، لأن ذلك سيجعل الإنسان ابنا للماضي لا للحاضر.

منطلق الحديث السابق هو منطلق فكري-فلسفي، ينتقد أسلوب إعادة إنتاج الماضي، بما يرسخ تجليات الطاعة، التي تتطلبها نظم الحكم التقليدية.  وهي نوع من الميل للمركزية التاريخية الكلاسيكية، وانحياز لها ولاستحقاقاتها، كبديل مفترض للمعاصرة والحداثة المتهمة من قبل التربويين المحافظين ودعاة السلفية الثقافية والفكرية بالتناقض الثقافي مع الهوية القومية والدينية والأخلاقية.

شعوريا، وفكريا، نختار نصوصا تلائم المرحلة التي نحن بصدد تعليمها. أما حين نريد التعرض لتعليم الطلبة شيئا من التراث، فعلينا التأكد والتأكيد، بأن الطلبة سيدركون أن هذا النص هو مخرج لمرحلة اجتماعية وثقافية معينة، وقد وضع للتعرف على ظواهر معينة، بمعنى أنه ليس النموذج، وأنه نص يحمل وجهة نظر مؤلفه، نتعرف عليها لا لكي تصير وجهة نظرنا كذلك. من تلك النصوص مثلا ما علاقة للمرأة والرجل وعلاقاتهما معا، والتي أصبحت من الماضي الذي هو جزء من هويتنا وتراثنا، لكن ليس جزءا من وعينا وقناعاتنا وفكرنا وشعورنا المعاصر.

لم تعد ذائقتنا اللغوية والأدبية الجديدة تستهوي أسلوب القدماء، والذي نحبه وندرسه، ضمن سياقات ذلك الماضي المشرق؛ حيث أننا حين نريد أن نعبر عن أنفسنا، لن نستطيع التعبير إلا بلغتنا الآن، بأسلوب حياتنا، لا أسلوب حياة القدماء الذين نجحوا حين عبروا عن زمانهم، حتى أننا رأينا كيف كان يجدد بعضهم، فيلام، لكن سرعان ما يلحق بهم القوم.

فحين يبدأ الطالب/ة بالتفكير الذاتي نستطيع ملاحظة الإبداع والحيوية، ينطلق اللسان بما هو ليس جاهزا، كما ينطلق الشعور بما هو صادق، لا ما هو متكلف لإرضاء الآخرين.

وأخيرا أترك لتوفيق الحكيم بعرض وجهة نظره عن تعليم الشعر:

"حتى الشعر وهو مفخرة اللغة العربية، الشعر الذي كان يجب أن ترى فيه نفوسنا المتفتحة أول لون من ألوان الفن... ماذا انتخبوا لنا منه؟ ... قصائد المواعظ والحكم...هنالك حقاً نوع من الموعظة والحكمة يعرف الشاعر الحق كيف يلبسها ثوبا من الصور الحسية والذهنية، ترفعها إلى مرتبة الفن العالي... كما فعل "أبو العلاء" و "المتنبي" و"النابغة الذبياني" في بعض قصائدهم، ولكن الفرز والتمييز والتخير في هذا الباب يحتاج إلى حاسة فنية لا يملكها القائمون بهذا العمل...حتى الشعر الموسيقي والشعر التصويري الذي عرضوا علينا بعض نماذجه – في أعمال "البحتري" و "ابن الرومي" على الأخص - لم يكن من خير آثارهما... إنما الشعر الحق ..هو الارتفاع بالناس على سحب لا تبلغ، والرحيل بهم إلى عوالم لا تنظر.. هو أن يريهم من خلال كلماته البسيطة ووسائله البادية أشياء لم تكن بادية ولا طافية، في محيط ضمائرهم الواعية، هو بالاختصار ذلك السحر الذي يوسع ذاتية الناس، فيرون أبعد مما ترى عيونهم، ويسمعون أكثر مما تسمع آذانهم، ويعون أعمق مما تعي عقولهم ...".

لعل هناك من يصغي، يقرأ ويتأمل وبتذكر طفولته، ويعيد النظر في اللغة، هل نريدها صراخا أم فكرا؟ إنها المفتاح والمفتتح، لعلنا نحيا بها وتحيا بنا.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط