كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عن ظاهرة منصور عبّاس المزدوجة...

عن ظاهرة منصور عبّاس المزدوجة...

تاريخ النشر: 2021-04-25 | 08:14

حازم صاغية
حازم صاغية

شهدت الدولة العبريّة، بعد انتخاباتها الرابعة والأخيرة، سابقةً رمزُها هو النائب العربيّ منصور عبّاس. التقدير هذا يبقى صحيحاً بغضّ النظر عمّا إذا كان بنيامين نتانياهو سينجح في تشكيل حكومة جديدة أم أنّ الإسرائيليّين سوف يتوجّهون إلى انتخابات خامسة. ذاك أنّ عبّاس أبدى الاستعداد لتأمين الدعم والغطاء لحكومة جديدة من اليمين الصهيونيّ يرأسها زعيم «ليكود». «فايننشال تايمز» لم تتردّد في وصفه بـ«صانع الملوك» في إسرائيل. عربيّاً، تراوح الأمر بين مستغرَب ومستهجَن.

لأسباب غير الأسباب التي تُذكر عادةً فإنّ الرجل لا يستحقّ التعاطف، لكنّ إدانته على الطريقة القديمة (خائن إلخ...) لا تُقنع الذين يريدون أن يفهموا ماذا يجري بين السكّان العرب في الداخل. ذاك أنّ مواقف أربعة نوّاب مُنتخبين يترأّس عبّاس كتلتهم البرلمانيّة لا يختصرها الشتم والتخوين. إنّها، مرّة أخرى، أداة قديمة في فهم واقع جديد ومعقّد.

عبّاس من مواليد 1974، أي أنّه لا ينتمي إلى الأجيال التي عاشت الحقبة الناصريّة ومن بعدها المقاومة الفلسطينيّة وانعكاسهما الحماسيّ على عرب 1948. وهو بالطبع لم يعرف الحقبة الأبكر حين كان الكثيرون من كوادر المجتمع الثقافيّة أو النقابيّة يدورون في فلك الماركسيّة والتنظيمات الشيوعيّة. لقد فتح عينيه على الشأن العامّ مع مؤتمري مدريد وأوسلو، عامي 1991 و1993، حين بدا، ولو من حيث المبدأ، أنّ السلام ممكن بين دولة إسرائيل، وخُمسُ سكّانها عرب، والفلسطينيّين والعرب خارجها. انهيار ذاك الاحتمال، باغتيال اسحق رابين ثمّ الانتفاضة الثانية، لم يكن انعكاسه على عرب 1948 حدثاً سعيداً.

تلك التطوّرات ترافقت مع وجهة كونيّة تغلّبُ القطاعيّ على الإجماليّ، وتجزئةَ القضايا على توحيدها، كما تحضّ على توكيد هويّات الجماعات، الدينيّة والقوميّة، والمطالبة بحقوقها بوصفها كذلك.

باقي نوّاب الكتلة تتوزّع أعمارهم بين 1956 لأكبر نوّابها سنّاً، مازن غانم، و1972 لسعيد الكرّومي، وفي الوسط يقع وليد طه المولود في 1968. إذاً، المعدّل الوسطيّ لأعمار الأربعة 53،5 عاماً. عبّاس درس طبّ الأسنان. الكرّومي درس الفيزياء. طه درس العلوم السياسيّة. الثلاثة تخرّجوا، بطبيعة الحال، من جامعات إسرائيليّة.

وعلى عكس تيّارات الإسلام السياسيّ في معظم العالم العربيّ التي اتّجهت إلى مزيد من الراديكاليّة في ما خصّ الصراع مع إسرائيل، تحكّمت بمنصور عبّاس ومؤيّديه نزعة اندماجيّة سهّلتها تلك البراغماتيّة الرخيصة التي تتيحها تنظيمات الإسلام السياسيّ. ربّما زاد في ذلك أنّ العرب الإسرائيليّين لا يلقون من العرب الذين يخاصمون إسرائيل سوى المقاطعة. وعبّاس يعرف، من دون شكّ، أنّ حركة «حماس» في غزّة، وقبل أن تتأسّس بصفتها هذه، تعاونت مع الإسرائيليّين ضدّاً على منظّمة التحرير، وكان «المُجمّع الإسلاميّ» الذي أنشأه الشيخ أحمد ياسين من ثمار التعاون هذا. أمّا السلطة الوطنيّة في رام الله فلا تستطيع أن تتجاهل التنسيق الأمنيّ مع الأمن الإسرائيليّ. فإذا كان هذا جائزاً لمن تحتلّهم إسرائيل على نحو أو آخر، فلماذا لا يجوز مثله لمواطنين إسرائيليّين؟

منصور عبّاس ورفاقه كانوا انشقّوا، منذ 1995، عن الإخوان المسلمين بسبب الموقف من اتّفاق أوسلو، ومن ثمّ تفرّعت الحركة الإسلاميّة في إسرائيل إلى جناح «شماليّ» عارض الاتّفاق بقيادة الشيخ رائد صلاح، وآخر «جنوبيّ» قاده الشيخ عبد الله نمر درويش وأيّد الاتّفاق. الأوّلون رفضوا العمل في المؤسّسات السياسيّة الإسرائيليّة بما في ذلك الترشّح للكنيست، أمّا الأخيرون، وفي عدادهم عبّاس، فدعوا إليه وشاركوا، منذ 1996، في الانتخابات.

إذاً السعي إلى الاندماج ليس جديداً على هذه البيئة التي ترى أنّ سياسات الانكفاء والعزلة لم تؤدّ سابقاً إلى أيّ شيء، وأنّها لن تؤدّي في وقت لاحق إلى شيء. أمّا المطلوب من خلال الاندماج فالحصول على خدمات أكثر للمدن والقرى العربيّة، وانتزاع دور للدولة أكبر وأكثر جدّيّة وأقلّ سينيكيّة في الحدّ من انتشار الجريمة المنظّمة التي تفتك بالمجتمع العربيّ. فـ«نحن»، كما قال عبّاس في أحد خطاباته الأخيرة، «لا نريد أن نكون على الهامش ولا نرضى أن نكون خارج الدائرة، إمّا أن نكون مواطنين كاملي المواطنة والحقوق، وطنيّة كانت أو قوميّة أو دينيّة أو مدنيّة، أو أن الخيارات الأخرى توضع على الطاولة».

والحال أنّ الاندماج بهذا المعنى ليس المشكلة، خصوصاً أنّ نصفه متحقّق بفعل الأمر الواقع، أمّا النصف الذي يراد إنجازه فهو المساواة ونيل حقوق للمواطنين العرب هم محرومون منها. إنّه، إذا ما وضعنا جانباً الخطابيّات القديمة، مكسب كبير.

المشكلة، في المقابل، أنّ الدعوة إلى الاندماج يواكبها الانزياح الإسرائيليّ المتعاظم إلى اليمين وإلى مزيد من التشنّج حيال حقوق العرب. قانون «يهوديّة دولة إسرائيل» الذي صدر في صيف 2018 يقول ذلك. الانتخابات الأربع الأخيرة وتوزّع الأصوات فيها يؤكّده.

لهذا يبدو من المبرّر أن نشكّ في أنّ عبّاس إنّما ينوي أوّلاً الاندماج في اليمين الإسرائيليّ الأقصى، لا سيّما منه الفصيل الدينيّ الذي تجمعه به نفس المواقف من المرأة والمثليّين والتقاليد. ونعلم أنّ تحويل الأخلاقيّ إلى سياسيّ، والسياسيّ إلى أخلاقيّ، احتراف إسلامويّ وانتهازيّ عريق يبلغ مداه مع كلّ انسداد يصيب السياسيّ والأخلاقيّ معاً. لهذا فإنّ القلق الذي تثيره اندماجيّة عبّاس قد لا يكون أقلّ من القلق الذي تثيره انفصاليّة العدميّين. فلنراقب إذاً هذا الجديد، كائناً ما كان، بعين جديدة!

عن الشرق الأوسط اللندنية

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط