كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عن يامن جفال وأترابه

عن يامن جفال وأترابه

تاريخ النشر: 2022-03-13 | 08:41

نهاد أبو غوش
نهاد أبو غوش

في السادس من آذار الجاري انضم الطفل يامن نافز جفال (15) سنة من أبو ديس- القدس لقافلة طويلة، بل طويلة جدا، من شهداء الشعب الفلسطيني، وبالتحديد لقائمة الشهداء الأطفال ضحايا عمليات القتل والإعدام الميداني التي تنفذها سلطات الاحتلال خارج نطاق القانون فتعطي لكل جندي، ولكل مستوطن، حق إطلاق النار على الفلسطيني وقتله لمجرد الاشتباه به، هذه الجريمة المستمرة تكررت خلال السنوات الست الماضية لأكثر من 200 مرة، وكان نصيب منطقة أبو ديس والعيزرية وحدها نحو عشر حالات ما زالت جثامين بعضهم محتجزة في الثلاجات.

عائلة جفال المناضلة، التي قضى أفرادها عشرات السنين من عمرهم في السجون والمعتقلات والمطاردات، استقبلت خبر فلذة كبدها بكل شجاعة وصبر واحتساب، مقرونة بالفخر والاعتزاز مع ألم لا يمكن إخفاؤه. ولعل ما يخفف من وطأته مؤقتا مشاطرة عشرات الآلاف من المواطنين الذين تقاطروا من كل أرجاء الوطن في أحزان العائلة، عبر المشاركة في الجنازة وواجب العزاء. نافز جفال والد الشهيد بدا في ذروة التماسك والصلابة، وقال أن فلسطين تستحق منا الكثير، واقتبس مقولة ل"سيد المقاومة" وكأنه يعزي من يستمعون إليه: أصبحت قادرا على النظر في عيون أهالي الشهداء. لكن كل هذا الصمود والتحمل لا يخفي حقيقة أن ألم الفقدان سوف يرافق عائلة الشهيد ومعارفه طوال العمر، وهو ألم يتمدد ويتسع مع مرور الوقت. أترابه سوف يكبرون ويتاح لهم أن يتعلموا ويبنوا عائلات جديدة بينما سيظل هو فتى صغيرا مبتسما من خلال صورة في إطار أو على الجدران.

 ولكن مهلا ... كل هذا المجد والفخار يجب ألا يحجب عن أنظارنا للحظة حقيقة ما جرى، وهو أن دولة تمتلك ترسانة نووية، ومدججة بأحدث أنواع الأسلحة الدقيقة والذكية القادرة على إصابة أهدافها على بعد آلاف الأميال، هذه الدولة تقتل الأطفال بموجب تعليمات إطلاق النار المعممة على جميع وحدات جيش الاحتلال وشرطته وأجهزته الأمنية، وهذه التعليمات المخالفة لمثيلتها في كل جيوش العالم، تحظى بغطاء من الحكومة والسلطتين التشريعية والقضائية في دولة إسرائيل. هذا ليس كلاما ملقى على عواهنه، بل تتوفر عدة شواهد تؤكد على جريمة الإعدام الميداني ويعرفها كثيرون من أهالي المنطقة.

فقد تلقى مجموعة من أهالي أبو ديس من ذوي الفتية والشبان المشاركين في الفعاليات الاحتجاجية، والتي هي غالبا إلقاء حجارة على الدوريات وإشعال إطارات، تهديدات صريحة بالقتل إذا لم يتوقفوا عن هذه النشاطات، الشاهد الثاني أن الصغير يامن تلقى رصاصتين في رأسه وهذا غير ممكن إلا بواسطة قناص محترف، أما الدليل الثالث فهي المصيدة التي ينصبها جيش الاحتلال في منطقة "الجبل" لاستدراج الفتية والشبان إلى الموقع المناسب للقناص، حيث تكون أقل حركة لأي كائن حي مرئية عبر الكاميرات وتحت السيطرة المطلقة للوحدة العسكرية المرابطة في الجبل مقر محافظة القدس قبل الاجتياح، لكن الجنود والقناصة ينتظرون وصول الضحية حتى يصبح في دائرة "المهداف" ويصبح قنصه أسهل، وكأنهم يتسلّون ويزجون وقتهم في لعبة أليكترونية.

من المؤكد أن القوة العسكرية لجيش الاحتلال كان يمكنها السيطرة على أي شخص يقترب منها واعتقاله حيا، سواء كان مسلحا بحجر أو بأداة حادة أو بأي سلاح آخر، على الأقل كان يمكنهم إطلاق طلقة تحذيرية أو إصابته بصورة غير قاتلة ومن ثم اعتقاله، ولكن تكرار عمليات القتل بهذه الطريقة عشرات المرات، من دون أن يُحاسَب او يُساءَل مقترفوها، يؤكد أن القتل هو هدف بحد ذاته وليس وسيلة اضطرارية لمنع الخطر، المرة الوحيدة التي جرى فيها محاكمة جندي على عملية قتل لا ضرورة لها كانت حالة الجندي ازاريا الذي أجهز على الشهيد عبد الفتاح الشريف وهو جريح ملقى على الأرض من مسافة الصفر في آذار 2016، ولتلافي الحرج، اضطر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي حينذاك غادي ايزنكوت إلى فتح تحقيق حرصا على سمعة جيشه، لكن القاتل لم يلبث في السجن سوى تسعة أشهر معززا ومحاطا بهالة البطولة والإعجاب من قبل قادة وجمهور اليمين الإسرائيلي. حالة اخرى هي الشهيد عمر أسعد والتي لم يجر التحقيق في ملابساتها إلا لأن الشهيد يحمل الجنسية الأميركية ووسط مطالبات أميركية بالتحقيق في ظروف استشهاده.

تعليمات إطلاق النار في إسرائيل لا مكان لها في أية دولة تحترم القانون والمؤسسات، بل هي تعليمات للقتل مستوحاة من شرائع القرون الغابرة وفق القاعدة التي تقول " من قام لقتلك بادر أنت إلى قتله"، وهو مبدأ أقرب إلى سلوك العصابات منه إلى دولة حديثة، وعلى الرغم من كل ما نعرفه عن هذه الدولة وممارساتها وجرائمها، فهي في زمن اضطراب المعايير، والكيل بمكيالين " أعظم إنجاز سياسي في القرن العشرين" كما وصفها الرئيس الأميركي بايدن، وهي "منارة وسط بحر هائج، والمكان الوحيد للديمقراطية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط" بحسب أنجيلا ميركل التي جاءت تصريحاتها متزامنة مع تقرير منظمة العفو الدولية عن بناء نظام الأبارتهايد ضد الفلسطينيين.

في مواجهة الدعاية الإسرائيلية التي تزعم أننا نفرح لاستشهاد اطفالنا، علينا أن نظهر الحقائق كما هي، بما في ذلك حزننا وألمنا ومشاعرنا إلى جانب مشاعر الغضب والقهر والسخط التي تتراكم وتعتمل في الصدور ولا بد لها أن تنفجر في قادم الأيام، يامن تفتّح وعيه على مشهد اجتياحات الجيش لبلدته ومداهمات منزله والاعتقالات المتكررة لأبناء عائلته وجيرانه، مثلما جرى قبله مع الشهيد نسيم ابو رومي والمئات من أطفال فلسطين، كل عملية قتل من هذا النوع هي استثمار إسرائيلي مؤكد في بناء جيل جديد من الفدائيين.

خاتمة: الرصاصات التي أزهقت روح يامن أصابت أيضا أرواحا أخرى، منها  "ريان" شقيق يامن التوأم الذي يعاني من متلازمة (داون) وهو لم يدرك بعد ما الذي حصل ولن يرى توأمه بعد اليوم إلا صورة معلقة على جدار.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط