كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عواصف الربيع العربي تهب على واشنطن بعد عشر سنوات!

عواصف الربيع العربي تهب على واشنطن بعد عشر سنوات!

تاريخ النشر: 2021-01-10 | 15:37

عبد المحسن سلامة
عبد المحسن سلامة

انتابني شعور متناقض وأنا أتابع أحداث اقتحام مبنى الكونجرس الأمريكي، واحتلاله، ونهبه، وسلبه، وتعطيل جلساته مساء الأربعاء الماضي، فها هى أمريكا تكتوى ربما «بشظية واحدة» من شظايا الربيع العربي الذى هب على المنطقة فى مثل هذه الأيام من نحو 10 أعوام، وأدى إلى تخريب المنشآت العامة والخاصة، وحرق المتاحف والأقسام والمراكز، واقتحام السجون، وتعطيل البلاد والعباد فترات امتدت إلى شهور وسنوات، ولاتزال بعض الدول تعانى حتى الآن من آثاره، وهى الدول التى «غرقت» في وحل هذه العواصف، ولم تخرج منها حتى الآن مثل ليبيا وسوريا واليمن.

مصدر الشعور بالتناقض يرجع إلى رفض كل أشكال العنف والتخريب والتدمير فى أى من دول العالم المختلفة، الولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها، لكنه فى الوقت نفسه ربما تكون الحسنة الوحيدة لتلك الأحداث هو أن يشعر الأمريكيون آلآم الشعوب الأخرى التى لاتزال ترزخ تحت نيران الفوضى والخراب والتدمير، فى وقت كانت فيه إدارات أمريكية سابقة تؤيد أعمال الفوضى الخلاقة فى دول المنطقة العربية وتغازلها، وحتى الإدارة الأمريكية الحالية رغم تحسن موقفها فإنها تكتفى بموقف «المتفرج» على مشاهد «البؤس» فى تلك الدول التى لاتزال غارقة فى «مستنقع الفوضى» حتى الآن.

ربما يكون ما حدث من همجية، وفوضى، وأعمال تخريب فى العاصمة الأمريكية واشنطن ، واحتلال مبنى الكونجرس «جرس تنبيه» للإدارة الأمريكية الجديدة لوقف «التشجيع الأمريكى» لاعمال الفوضى فى الدول الأخرى تحت أى مسمى وتغيير ذلك إلى دعم حلول الدولة الوطنية فى الدول التى لاتزال غارقة فى الفوضى والعنف.

> لم تختلف مشاهد اقتحام الكونجرس وسرقة مقتنياته عن تلك المشاهد التى اجتاحت الكثير من الدول العربية

لقد اضطرت عمدة واشنطن ميوريل باوزير إلى فرض حظر تجول فى العاصمة، وقالت فى تغريدة عبر « تويتر »: «طلبت فرض حظر تجول على مستوى المدينة فى مقاطعة كولومبيا بدءا من الساعة 6 مساء يوم الأربعاء 6 يناير حتى الساعة 6 صباح يوم الخميس».

لم ينته حظر التجول إلا بعد وصول تعزيزات أمنية مكثفة إلى محيط مبنى الكونجرس ووقوع صدامات عنيفة مع المتظاهرين أدت إلى مقتل 4 متظاهرين بالرصاص فى الأحداث الدموية قبل أن تتمكن القوات الأمنية من إخلاء مبنى الكونجرس ، وإنهاء حالة الفوضى والانفلات فى الشوارع المحيطة بمبنى الكونجرس .

لم تستطع واشنطن بمفردها السيطرة على الأحداث وإنما استعانت بالولايات الأخرى، وقدم حاكم ولاية ميريلاند لاري هوجان الدعم إلى واشنطن، بعد أن تلقى مكالمة مفاجئة من وزير الجيش الأمريكي «رايان مكارثي» الذي استنجد به طالبا قدوم أفراد الحرس الوطني فى ميريلاند فى أقرب وقت ممكن.

استجاب حاكم ميريلاند وأرسل تعزيزات من قوات الحرس الوطني وقوات الشرطة لمساعدة القوات الأمنية فى واشنطن ليستكملوا الانتشار حول مبنى الكونجرس، وتوفير الأمن فى العاصمة الأمريكية التي شهدت أسوأ ليلة فى تاريخها على الإطلاق، ومن المقرر أن تستمر تلك القوات حتى نهاية الشهر الجاري لحين انتهاء إجراءات تنصيب الرئيس المنتخب جو بايدن .

عاشت واشنطن تجربة مريرة ألقت بظلالها الكئيبة على دول العالم المختلفة ووقع حلفاء أمريكا وخصومها بين الصدمة والحزن والتنديد، ووصفوا ما حدث بأنه مشاهد صادمة فى واشنطن وأن هذه المشاهد أثارت قلقا وخوفا كبيرين لدى معظم المراقبين.

هذه المشاهد والأحداث طرحت العديد من التساؤلات حول إخفاق الأجهزة الأمنية في حماية «الكونجرس» مما أدى إلى وقوع 4 قتلى وإصابة 14 شرطياً واعتقال العشرات.

الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن وصف ما حدث بأنه «أسوأ الأيام في تاريخ أمريكا، وأنه اعتداء على التاريخ، وعلى أهم المقدسات، وعلى إرادة الشعب»، بل إنه وصف الذين اقتحموا الكونجرس بانهم «غوغائيون وإرهابيون محليون».

شعر «بايدن» بالألم بعد أن أصابت النيران أصابع يديه فأطلق سهامه النافذة تجاه المحتجين ووصفهم بالغوغائية والإرهاب.

بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع تلك الأوصاف التي أطلقها بايدن على المتظاهرين والمحتجين، إلا أنه يجب أن تظل تلك التجرية فى الوعي الجمعي للرئيس الأمريكي المنتخب، ولكل زعماء وقادة امريكا قبل التسرع فى إصدار التصريحات التى تشجع على أعمال الفوضى والانفلات فى الدول الأخرى.

صحيح تخلصت واشنطن من آلامها بسرعة، وأقر الكونجرس فوز بايدن رسمياً ليصبح الرئيس الـ 46 للولايات المتحدة الأمريكية، لكن كانت الفاتورة هذه المرة غالية الثمن بعد مقتل وإصابة واعتقال العشرات، والأخطر اهتزاز صورة الديمقراطية الأمريكية التى كانت تحاول تصديرها باعتبارها النموذج والحلم لباقى دول العالم.

منذ عشر سنوات مضت اندلعت ما عرف بثورات الربيع العربى، والذى انطلق فى البداية من تونس فى 17 ديسمبر 2010 ثم هبت الرياح الساخنة بعد ذلك على مصر فى 25 يناير 2011، وبعدها ليبيا وسوريا واليمن، ثم بعد ذلك الجزائر، ولبنان، والسودان.

نجحت مصر وتونس والجزائر، وربما السودان في عبور النفق المظلم، بينما لاتزال ليبيا وسوريا واليمن ولبنان تلعق جراحها، وتراوح مكانها في وقت تقف فيه الدول الكبرى ومن بينها الولايات المتحدة الامريكية «متفرجة»، وربما متورطة في عدم الرغبة الجادة لإنهاء مأساة شعوب تلك الدول، تاركة إياها نهباً «للغوغائيين» و«الإرهابيين» بحسب تعبير بايدن على مقتحمي الكونجرس.

عشر سنوات كاملة أدت إلى إخفاقات بالجملة في العديد من الدول نتيجة ما لحق بها من أضرار اقتصادية وأمنية وسياسية.

تونس التي اندلعت منها الشرارة الأولى لاتزال حتى الآن تعيش فوق صفيح ساخن بسبب الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد منذ سنوات وأدت إلى تأزم الوضع المعيشي والاجتماعي فى حين تشهد الطبقة السياسية انقسامات حادة منذ انتخابات 2019 في ظل أوضاع اقتصادية صعبة ومؤلمة وارتفاع نسبة البطالة إلى أكثر من 15%.

نفس الحال فى الجزائر والسودان ولبنان، وإن كان وضع تلك الدول أفضل كثيراً من الدول التى لاتزال غارقة فى توابع ثورات الربيع العربى مثل ليبيا وسوريا واليمن.

كان المخطط يستهدف إدخال الدول العربية جميعها من المحيط إلى الخليج، إلى نفق الفوضى والاقتتال الأهلي والعنف، غير أن قيام ثورة 30 يونيو 2013 فى مصر أوقف المخطط الشرير وأعاد رسم خريطة المنطقة من جديدة.

نجحت ثورة 30 يونيو 2013 فى مصر فى إزاحة الإخوان وداعميها من المشهد، بعد أن شهدت البلاد موجة عنيفة من الفوضى والانفلات، وصل إلى حد الاقتتال الأهلي فى الشوارع، وإسالة الكثير من الدماء.

أعادت ثورة 30 يونيه رسم المشهد ليس فى مصر وحدها من جديد، لكنها نجحت فى وقف موجات العنف والفوضى فى المنطقة كلها، وتحملت مصر وحدها عبء مقاومة الإرهاب نيابة عن دول العالم العربي، ودول العالم، ونجحت في كسر شوكة الإرهاب والإرهابيين.

نجاح ثورة 30 يونيو انعكس بالإيجاب على الدولة المصرية التي حققت نجاحات اقتصادية وأمنية وسياسية هائلة في فترة زمنية قصيرة.

كان التحدي الأول هو تثبيت استقرار الدولة، وكسر شوكة الإرهاب، وعادت الدولة المصرية أقوى مما كانت، وتراجعت العمليات الإرهابية إلى أدنى مستوياتها بعد تجفيف منابعها، والضربات الموجعة التي نالتها خلال الفترة الماضية.

انعكس استقرار الدولة على استكمال مؤسساتها التشريعية والنيابية والدستورية، ولأن الاقتصاد يرتبط دائما بالاستقرار، فقد دارت عجلة الاقتصاد ال مصر ى، ونجح برنامج الإصلاح الاقتصادي، وانخفضت معدلات البطالة، ونال الاقتصاد ال مصر ى ثقة، المؤسسات الاقتصادية الدولية، وحافظ على تصنيفه الائتماني، ورغم جائحة كورونا «اللعينة» فقد كان الاقتصاد ال مصر ى من ضمن أفضل اقتصادات عالمية حققت نموا إيجابيا خلال الجائحة بعد الصين.

هذه النجاحات وغيرها أعادت تغيير المشهد من جديد في المنطقة العربية لتنتقل من حالة «السيولة» و«الفوضى» إلى مرحلة «التئام الجراح» ومحاولة التخلص من آثار الفوضى والإرهاب التي كانت تستعد لاجتياح المنطقة بكاملها.

يبقى بعد ذلك أن يكون هناك دور إيجابي ملموس للإدارة الأمريكية الجديدة في دعم مؤسسات الدول الوطنية، وعدم التدخل في شئونها، ومساعدة الدول التي لاتزال غارقة في بحور الفوضى مثل ليبيا وسوريا واليمن ولبنان، على التعافي السريع خلال المرحلة المقبلة بعد أن اكتوت أمريكا بنيران الفوضى واضطرارها إلى اللجوء إلى حظر التجول والتدخل العنيف قبل أن تعود الحياة إلى طبيعتها من جديد.

عن الأهرام

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط