كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عودة إلى "صالون هدى" مرة أخرى

عودة إلى "صالون هدى" مرة أخرى

تاريخ النشر: 2022-03-12 | 08:43

هذه المرة أعود إلى فيلم "صالون هدى" لأقول حول ظاهرة الرجم الفيسبوكي والحضور الإعلامي جملة من النقاط لم أتوقف عندها في المقال السابق، إذ إنني تابعت الكثير مما نشر حول الفيلم، تأييدا ومعارضة، وأحمد لوزارة الثقافة الفلسطينية التي علقت على الموضوع تعليقا عاما وعابرا، ولم تمنحه الكثير من اللغة الإنشائية البائسة كما فعل بيان اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين.

ومن خلال متابعتي تلك في الأيام الماضية أحبّ أن ألفت النظر إلى النقاط الآتية:
أولا: لا أكره شيئا كرهي لعبارة "إن المخرج يبحث عن الشهرة"، إنها عبارة جدا سيئة، وقد عانيت منها شخصيا كثيرا، وعانى منها كل من يحاول "نبش عش الدبابير"، لقد قيلت عن مفكرين كبار وأدباء عظام، قيلت عن نجيب محفوظ وعن حيدر حيدر، وعن مشايخ نبشوا في تاريخ الفقه وأتوا بفتاوى واجتهادات صادمة، فقالوا: هذا الشيخ يبحث عن الشهرة، إنها عبارة جدا مزعجة، وليست نقدية نهائيا، إنما هي نوع من التشويه والتشويش وحجب للعمل وفكرته. أظن أن هاني أبو أسعد لا يحتاج إلى مزيد من الشهرة، ولا منال عوض، فقد حققا كثيرا من الشهرة بأفلام وأعمال كثيرة سابقة.
ثانيا: أثار الفيلم كثيرا من ذكريات الماضي لدى كثير من الكاتبات الفلسطينيات تحديدا، أولئك الكاتبات اللواتي كنّ "طفلات" أيام الانتفاضة الأولى أو الثانية وكن يعشن (فوبيا) الإسقاط أو يسترقن السمع عنه من محيطهنّ الاجتماعي، فيعشش داخلهن الخوف. في الانتفاضة الأولى كنت فتى صغير السن لم أتجاوز الخامس عشرة من العمر، سمعت بحبوب العقم التي قد توضع في خزانات ماء مدارس البنات، وسمعت عن إسقاط الفتيات في محلات الملابس، كان الناس حذرين من هذه النقطة، إلى الآن أحذر بناتي ألا يقمن بتجربة الملابس في المحلات التي يشترين منها. لا أحد مضمون، والشك هو القاعدة الذهبية التي نسير عليها، لأننا ما زلنا معرضين إلى إمكانية الأسقاط في أية لحظة، فالاحتلال لن يكف عنا يده، ما دام محتلا، وما دام أن هناك من يخدمه ومن يستفيد منه. هذا الاحتلال لا يعرف الراحة ولا يفهم معنى الاستسلام.

لقد نجح الفيلم- من وجهة نظري- في إثارة هذه المخاوف في عقول الكاتبات اللواتي كتبن عن الفيلم، وأعاد التذكير بأنه لا بد من أن نحرص أكثر وأكثر ونقول لنسائنا وفتياتنا ثمة "شر" ينتظركنّ "هناك" فكنّ على حذر، هل من حلّ؟ فلتفكر النساء مثلا ألا تذهب إحداهن منفردة إلى الصالون، فلترافقها زميلتها أو صديقتها أو ألا تشرب شيئا أو تستقدم العاملة إلى البيت أو ما شابه من هذه الحلول، إن كنا لا نثق بالصالون وصاحبته.

لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال التعميم؛ بمعنى أن كل صالون تجميل هو وكر دعارة أو وكر عمالة وإسقاط، ثمة شيء مدمر هنا لهذه المهنة ولهذه الصالونات ولأصحابها الذين يعتاشون من ورائها. على الناس أن تثق أيضا بمن تتعامل معهم. لو وقع الناس فريسة لفكرة الفيلم ستضطر هذه الصالونات للإقفال. أعتقد أن صالونات التجميل عانت من ذلك أيام الانتفاضة الأولى، فصالون صاحبته سيئة يدمر سمعة مئات الصالونات ذوات الإدارة الجيدة والملتزمة والوطنية. أرجو ألا يكون الفيلم ساهم في تردي أوضاع تلك الصالونات الاقتصادية أكثر مما هي متدهورة أصلا بفعل الحالة الاقتصادية التي تعمُّنا نحن الفلسطينيين، بل والعالم أجمع.

ثالثا: بعض الذين كتبوا عن الفيلم، أصبحوا يفهمون بالنقد السينمائي فوصفوا الفيلم بأنه "ضعيف فنيا"، إن أمثال هؤلاء الذين لا يعرفون ألف باء العمل السينمائي أصبحوا نقادا سينمائيين، إنها كارثة كتابة، وكارثة تفكير، وكارثة تعامل وتلقٍ، الفن له أهله الذين يحكمون عليه كالدين والأدب والعلم سواء بسواء، فلو كان ضعيفا فنيا فإنه سيموت، ولكنني أعتقد كمشاهد ما يعنيني هو: أن الفيلم استطاع أن يجعلني أتابعه دون أن ألتفت إلى أي شي آخرـ وهذا نجاح للفيلم دون أن أكون معنيا بالضعف الفني أو القوة السينمائية. يا ليتهم اكتفوا بالقول إن الفيلم لم يعجبنا، أو انتقدوا أفكاره، أما صنعة الفن السينمائي فليتركوها لمن هم قادرون عليها.
رابعا: كثير ممن كتبوا عن الفيلم أيضا ووصفوه بأنه فيلم "سكس" لا يفهمون ماذا يعني "فيلم سكس" إطلاقا، وإنما لديهم أفكار مغلوطة عن كل شيء، أفكار مغلوطة عن "الجنس" وصنعته في الفن، وعن أفلام "البورنو" وصنعتها وأهدافها، ولم يدركوا الفارق بين النوعين، كما لم يدركوا أنه ومنذ زمن بعيد والجنس حاضر في الفكر الإنساني، قبل الأفلام العربية والأجنبية التي لم ينتقدها أحد، لقد بحثت القضية نقديا ومن أهم من بحثها  الدكتور غالي شكري في كتابه "أزمة الجنس في القصة العربية". هذا أيضا نوع من الخلط المفاهيمي المقصود فيه التشويه والتعمية ومحاربة الفن بادعاء المثالية التي أسميها المثالية الزائفة.

لا بد من أن تتطور أفكارنا في النظر إلى موضوع الجنس، هنا تكمن مشكلة هؤلاء الواصفين الفيلم بالإباحية المفرطة، ولم يعرفوا أن الحياة كلها خلقت ومحركها الأساسي هو الجنس، لستم مصدقين، حسنا فلتتأملوا قصة الخلق الأولى، واقرؤوها من أي مصدر شئتم ستجدون الجنس حاضرا فيها من لحظة وجود حواء، إلى الأكل من الشجرة، إلى النزول إلى الأرض، إلى الأساطير وعالم الآلهة المتعددة، والأديان، وحياة الناس اليومية، يكفي أن نتأمل أننا نتزوج، والزواج جنس منظم، وننجب أطفالا وهم ثمار عمليات جنسية، ونربيهم لنزوج بناتنا ليمارسنَ الجنس- ونحن نعلم- بطريقة مقبولة وشرعية، وكذلك أبناؤنا الذكور نعدهم ونحتفل بهم استعدادا لممارسة الجنس أيضا.

هذا استطراد ضروري توضيحا لأصحاب العقول القاصرة في خوفهم من الجنس وطرحه في الأعمال الفنية، شعرا ونثرا وسينما ولوحة فنية، ويطرح سؤالا مهما: لماذا نرى في كشف الأعضاء الجنسية عيباً، بينما لا نرى أن كشف المرأة لشعرها ولجزء من صدرها ورجليها إلى ما فوق الركبة عيبا، وكل ذلك لا يقل إثارة عن الأعضاء، بل إنها أكثر شهوة من رؤية فرج أو قضيب، رحم الله علي بن أبي طالب الذي قال: "تطلب المرأة لأقبح ما فيها" قاصدا الفرج، محل البول والدم؟ وكما تطلب المرأة لأقبح ما فيها، يطلب الرجل لأقبح ما فيه، فليس في الأعضاء الجنسية أي ميزة تختص بها لتختبئ، فغيرها أكثر شهوة منها. وهذه بالتأكيد ليست دعوة للتعري، وإنما لمساءلة العقل الساذج والمنطق الأعوج.

لماذا لا يثور أولئك المشاهدون بسبب لباس الراقصات العربيات في الرقص الشعبي والشرقي وكل أجسامهن أمام المشاهدين ولم تغط الراقصات إلا الفرج والنهدين والعجيزة، ولا نمنع الفيلم العربي ونظل نشاهده مع أولادنا وبناتنا في جو من المتعة والتقبل؟ لماذا نرى النساء على الشواطئ بالمايوه ولا نثور ولا نقول إن ذلك المشهد عري فاضح، ونتقبله في الأفلام والرحلات إلى البحر، ومعنا أبناؤنا وبناتنا؟

أغرب ما سمعته حول مشهد العري في فيلم "صالون هدى" أن المشهد لم يتم تغطيته بشيء من "غباش". لماذا يضببون المشهد؟ وأي جريمة في فضحه إلى هذا الحد الواضح جدا؟ إنها مسالة الأفكار التي لا تستقيم ولا يقوم لها أساس من صحة أو فلسفة متسقة.

خامسا: لم ينل الفيلم حقه من المشاهدة لأنه يستحق المشاهدة، بل تمت مشاهدته للرجم والشتائم، وكأن الناس وجدت "مأتما" ستشبع فيه لطما، علما أن الفيلم عرض لأول مرة في شهر ديسمبر الماضي 2021م، ضمن فعاليات مهرجان البحر الأحمر الدولي السينمائي. وتأجلت "الهوشة" حوله ثلاثة أشهر، فمن يتحكم بتلك العمليات؟ ومن يقود تلك "الترندات"؟ ومن تلك الجهة التي تقود أبناء الفيسبوك ليرجموا عملا ما؟ وما هو الهدف؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي لنا أن نطرحها ونذهب في التفتيش عن إجاباتها التي ربما ستكون صادمة لنا جميعا، ويا ليتنا عملنا بالحكمة التي تقول "وفي الترك راحة"، أو كما يقول مثلنا الفلسطيني العميق في دلالته: "إذا بدك تهريه، اسكت وخليه" فهناك بدائل كثيرة، والصمت عنه لو كانوا يعقلون أفضل إن كان الفيلم مزعجا ولا يستحق كما يدّعون، فكم من عمل فني وأدبي عظيم مات لأنه لم يتم الاحتفال به الاحتفال المطلوب الذي يستحقه. وأنا هنا لا أطالب بالكف عن حضور الفيلم وإنما بالكف عن شتم طاقمه، ومن لم يعجبه شيء فليمر صامتا، ولا يدعي العلم والمعرفة، ليصبح كل واحد فينا "أبو العُرّيف"، ورحم الله امرَأً عرف قدر نفسه، فوقف عند قدرها وحدها، ولنعط الخبز لخبازه، وإن أكله كله، فهو الأولى به، أما نحن فلنا ما نشاهده وما نتحصّل عليه من متعة في تلك المشاهدة، وتأكدوا أنه لن يبقى خالدا إلا الأعمال التي تستحق البقاء والخلود، وهذا لن يحكم عليه "علماء مواقع التواصل الاجتماعي ونقاده" إنما الزمن كفيل بذلك. فلنترك الأمر يمر بسلاسة كأشياء كثيرة مرت ولم نمنحها ما تستحقه من التفات واهتمام.

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط