كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عودة روسيا قطبا مضادا في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها

عودة روسيا قطبا مضادا في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها

تاريخ النشر: 2022-03-19 | 11:28

وجدي جودة
وجدي جودة

لم يعد العالم هو نفسه بعد أن عادت روسيا قطبا مضادا مهددا للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، وربما تشكل قطبا جاذبا للكثير من الدول "المستحمَرة" والمستغلَة والتابعة، للخروج من فلك الولايات المتحدة، فضلا على أن تكون ملاذا للشعوب المقهورة والمضطهدة في العالم بأسره.

إن عودة روسيا الواثقة نحو إجبار الغرب على احترامها وسماع صوتها في القضايا والصراعات الساخنة على الساحة الدولية، قد يقود إلى شق طريق ملموس أمام عودة هيبتها الجدية، في مواجهة الغرب الرأسمالي المتوحش والجشع.

حاولت الولايات المتحدة تطويق ومحاصرة روسيا وإبعادها عن فضاء أوروبا من خلال عملائها، وحشدها لقوات ومعدات حلف الناتو، بهدف تحويلها من موقع المتحدي إلى موقع التخلف والخضوع والتبعية، وربما قد يعني هذا مقدمة لاحتلال روسيا، لكنه وهم سقط مع الزمن، حين حققت روسيا الإنجازات الكبرى والنوعية، على صعيد صناعة الأسلحة وإعادة بناء قوة الجيش الروسي، وأنعشت الاقتصاد الذي يوفر مقومات الصمود أمام الغرب، خاصة بفضل قوتها الهائلة في سوق النفط والغاز والمعادن والحبوب، فكل هذا أعاد الاعتبار للدولة الروسية وهيبتها العالمية التي تلاشت في عهد الرئيس الروسي بوريس يلتسن.

من الواضح أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد تيقظ مبكرا لأطماع ونوايا الولايات المتحدة وحلفائها الكبار والصغار، وهذا ما عبر عنه منذ العام 2007 في مؤتمر ميونخ للأمن، حين انتقد علانية السياسات الأمريكية وإستراتيجية حلف الناتو، عبر خلق قواعد عسكرية مدججة بالسلاح، لاستهداف روسيا ومحيطها المباشر، بهدف تفكيكها كما فُكِكَ الاتحاد السوفييتي عام 1991، مؤكدا عدم قبوله المساس بوحدة أراضيه ورفضه لتموضع قوات وأدوات حلف الناتو داخل الفضاء السوفييتي السابق.

مع بدء العملية الروسية في أوكرانيا بفي الرابع والعشرين من الشهر المنصرم، انتهى الزمن الذي لم يعد فيه هناك من يقول للولايات المتحدة: لا، الأمر الذي ينطوي على جعل روسيا ليست دولة متحدة وحسب، وإنما قطبا مهددا للولايات المتحدة ومصالحها في منطقة أوروبا والعالم بأسره، فضلا عن الضعف النسبي للولايات المتحدة بعد تراجعها وانسحابها من ورطة العراق وأفغانستان، وتخليها المضطرد عن حلفائها في الخليج العربي، وسحبها صواريخ (باتريوت) من الأراضي السعودية.

بذلك يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أعاد صناعة التاريخ بوقف استباحة الأراضي الأوكرانية، وكبح جماح حلف الناتو بقيادة أمريكا التي ورطت ألعوبتها الرئيس الأوكراني زيلنسكي، خلال بيعه الأوهام أن حلف الناتو سيقاتل عنه، في حين لم تدرك أمريكا أن الرئيس الروسي لا يتعاطى مع حلول الوسط التي تتعارض مع مصالح وأمن وحدود روسيا.

تعود روسيا وتعيد الاعتبار لدورها التاريخي والطبيعي على الساحة الدولية كقوة دولية مهاجمة، وتعيد عقارب ساعة التاريخ إلى الوراء، أي ما قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، بهدف صوغ العلاقات الدولية وتأطيرها وفق إستراتيجية هادفة إلى بدء نهاية زمن أحادية القطبية، وأبدية تحّكم أمريكا بمصير الشعوب والدول، وأن العالم مقبل على تغييرات محتملة للتحالفات والاستراتيجيات وموازين القوى الجديدة، باتجاه عودة التوازن الدولي نحو عالم عادل لصالح الشعوب المقهورة والمضطهدة والبشرية جمعاء.

ما يجري أكبر من أوكرانيا

يلاحَظ بعد انسحاب أمريكا من العراق وأفغانستان استدارتها المتوحشة نحو مناطق الشرق الأقصى وتحديدا اتجاه جنوب شرق الصين، بما تمثله هذه المناطق من أهمية جيو- إستراتيجية وفوائد اقتصادية وتفوق تجاري واضح، علاوة على أنها أسواق جديدة تضم دولا وازنة ونافذة ومؤثرة كالصين واليابان والهند واندونيسيا، وقوى متوسطة النفوذ مثل الكوريتيْن وفيتنام، فضلا عن تنامي وتطور القوة العسكرية للصين التي قد تهدد أمريكا ومصالحها في المنطقة.

هكذا نشطت الولايات المتحدة الأمريكية واستدارت بوصلتها المتوحشة نحو الصين، وأقامت تحت قيادتها حلف (AUKUS) الذي يضم بريطانيا واستراليا، والذي يعني إقامة تحالف جديد من وراء الاتحاد الأوروبي وتحديدا فرنسا وألمانيا، غداة إعلان الرئيس الفرنسي ماكرون عن أن حلف الناتو مات سريريا، ويعبر عن متغيرات جديدة للسياسات الأمريكية في العالم، بحيث نجد البوارج البحرية لا تبارح قبالة الصين، في الوقت ذاته حاولت أمريكيا محاصرة وتطويق وربما احتلال روسيا عبر إعادة تجديد هندستها لهيكل الأمن في القارة الأوروبية، وخاصة لدول شرق أوروبا المجاورة لحدود روسيا، متجاهلة الأمن القومي الروسي، ورافضة ورقة الضمانات الأمنية الروسية.

إن إستراتيجية الولايات المتحدة تقوم على أن روسيا والصين ومحيطهما المباشر مناطق نفوذ محتملة، لما تمثله بالدرجة الأولى من أهمية جيو-إستراتيجية مرتبطة ارتباطا وثيقا بأنهما قلب الاقتصاد العالمي من جهة، ومنافس عسكري حالي ومُهدد مستقبلي.

وعليه نجد أمريكا تبيع الأسلحة لدول تخاف من الصين، ولها خلافات حدودية معها، أمثال اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين، فضلا عن مشكلة تايوان، الأمر الذي يدفع الصين مستقبلا بعدم السماح بدخول أمريكا وحلف الناتو في فضاء جغرافيتها، ولتؤكد أنها ليست أوروبا العجوز، ولا دولة من الدول العربية، وستثبت للعالم أنها دولة عظيمة وستتخطى الولايات المتحدة اقتصاديا وعسكريا وفي علاقاتها الدولية، وستساهم في إعادة التوازن الدولي.

بالتالي إن تصدي روسيا المباشر لإستراتيجية أمريكا العدوانية بالبدء بالعملية العسكرية في أوكرانيا وقبل ذلك ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، أكبر وأشمل من التدخل لإنقاذ سكان إقليم دونباس من نازية وعنصرية الجماعات القومية الأوكرانية، وإنما تشكل بداية التصدي الجدي لأطماع ونوايا الولايات المتحدة وإستراتيجية حلف الناتو اتجاه روسيا ومحيطها الأمني المباشر، هذه العملية العسكرية الواعية تثبت جدية الدولة الروسية ورئيسها الشجاع، الأمر الذي أصاب حلف الولايات المتحدة بالهستيريا من خلال فرض عقوبات اقتصادية وإعلامية غير مسبوقة، والتي ستعود ارتداداتها السلبية على اقتصاد القارة الأوربية، في حين تبقى أمريكا كعادتها بعيدة عن مسرح المعارك والمواجهات وتورط الشعوب والدول وتبقى هي المستفيد الأول.

إن إدراك حلف الولايات المتحدة للمغزى الحقيقي للعملية العسكرية الروسية وقوة وتحدي روسيا لهم، يؤشر وبشكل ملموس بأنها لم تعد تتحكم عمليا بمصير الشعوب والدول، ووقائع الأحداث ثتبت أنها أخطأت في تقدير قوة ورد فعل روسيا اتجاه أطماعها ونواياها.

تصور استراتيجي للمستقبل

باتت البشرية اليوم على أبواب نظام عالمي جديد متعدد الأٌقطاب من خلال التقارب غير المسبوق بين روسيا والصين، والذي قد يؤدي إلى تشكيل تحالف أوسع يعتبر إيذانا ببداية نهاية زعامة الولايات المتحدة للعالم وتدخلها السافر في شؤون البلاد والعباد، والتطاول على سيادة الدول.

هذا التغيير نحو نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب قد يدفع الولايات المتحدة إلى اتخاذ إجراءات متهورة تخلق وضعا عالميا قابلا للانفجار والاشتعال، قد يؤدي إلى احتمالية نشوب مواجهة تهدد الاستقرار الاستراتيجي العالمي، لذا نجد أن شبح الخطر النووي قد أطل برأسه، الأمر الذي يؤشر على احتمالية وقوع الحرب العالمية الثالثة بفعل النزعات العسكرية المتأصلة لأمريكا، والتي تميل نحو الحرب والعدوان، الأمر الذي يتطلب بلورة الاستراتيجيات والسياسات التحالفية على المستوى العربي والإقليمي والدولي، والدعم والتضامن مع روسيا كقطب مضاد للولايات المتحدة، بديلا عن أحادية القطب الإمبريالي الأمريكي، وفرض أسس نظام عالمي جديد، قائم على التوازن الدولي والعدالة والأمن والاستقرار للبشرية جمعاء.

×
أخبار
الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط