كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عودة مشروع "غزة أولا" ، ولكن بثمن أفدح

بعد اثنين وعشرين عاما على الطرح الإسرائيلي لخطة " غزة أولا " والذي تم رفضه من الراحل أبو عمار ومن الكل الفلسطيني ، يعود الشعار اليوم كتسوية ممكنة بل وأمر قائم يحتاج فقط لمن يقرع الجرس ، ولكن هذه المرة كمطلب من جهات دولية وبعض الفلسطينيين ، متساوقا مع جهود حثيثة لنزع غزة من سياقها الوطني وإقامة دولة غزة تحت ذريعة الظروف الإنسانية القاسية ، أيضا قد تكون هذه المرة "غزة أولا وأخيرا".

 منذ أن طرح شارون خطته رسميا للانسحاب من غزة عام 2004 ونحن نحذر من خطورة ما يُحاك لقطاع غزة، حتى اتهمنا البعض بأننا مهووسون بنظرية المؤامرة. واليوم وبعد النكران المطلق والصمت المريب للنخب السياسية الفلسطينية حول حقيقة ما يُحاك لصناعة دولة غزة ، وبعد وصول حل الدولة المستقلة في الضفة وغزة إلى طريق مسدود ، بدأ البعض يحذر بوضوح من دولة في غزة  تقوم على حساب وأنقاض المشروع الوطني الفلسطيني، وآخرون لا يتحدثون مباشرة عن دولة غزة ولكنهم يعملون من خلال الممارسة والخطاب المدسوس والتحريضي على كي وعي الشعب الفلسطيني وخصوصا أبناء قطاع غزة لقبول دولة غزة .

تكرار العدوان على قطاع غزة ، استمرار الحصار وتشديده ، إعاقة كل سبيل يمكن أن يؤدي للمصالحة ، بث ثقافة الكراهية والحقد بين فتح وحماس وبين أهلنا في قطاع غزة وأهلنا في الضفة الغربية ، المبالغة والتهويل في الحديث عن الأخطار والمآسي التي يتعرض لها أبناء القطاع  من فقر وجوع وحصار وانتشار الأوبئة ومشاكل الكهرباء والماء ، انغلاق أفق المستقبل والتحذير من أن قطاع غزة موشك على الانفجار وبات مكانا غير صالح للحياة  الخ . تضخيم وتهويل خطورة الوضع الإنساني والأمني يهدف إلى تهيئة الرأي العام الفلسطيني وخصوصا في القطاع لقبول أي حل حتى وإن كان تجريد قطاع غزة من وطنيته ونزعه من سياقه الوطني ، مقابل ميناء ومطار ورفع الحصار .

مشروع دولة غزة فكرة قديمة ، ولكن الحرب الأخيرة على غزة كشفت كثيرا من الأوراق وعجلت من انضاج المشروع وخصوصا بعد المؤتمر الدولي حول غزة الذي تم عقده في باريس يوم 26 يوليو 2014 وضم وزراء خارجية أمريكا والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وتركيا وقطر وتم استبعاد الفلسطينيين أصحاب الشأن  ، حيث ناقش المؤتمر سرا موضوع رفع الحصار وبناء ميناء وقيام كيان في غزة ، مقابل نزع سلاحها أو هدنة طويلة المدى، وفك ارتباط غزة بالضفة و بالمشروع الوطني .

بصمت استمر الاشتغال على الموضوع . السيد موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس يصرح في مقابلة مع قناة القدس يوم الحادي عشر من سبتمبر 2014 و هو ما كتبه أيضا على موقعه على الفيس بوك ، أنه "لا مانع لدى حماس من التفاوض مع إسرائيل، لأنها قد تجد نفسها مضطرة للتفاوض مع إسرائيل بضغط من شعبها في غزة " ، وأن "القضايا التي كانت في الماضي تعتبر من المحرمات يمكن أن يتم تسويتها اليوم". هذه التصريحات تنسجم وتتعزز عمليا مع فشل كل جهود المصالحة الفلسطينية وإصرار حركة حماس على أن تبقى حاكمة لغزة حتى وإن تركت الحكومة – مقولة السيد إسماعيل هنية " لقد تركنا الحكومة ولم نترك الحكم " .

لم يقتصر الأمر على حركة حماس ، فقد كتب الدكتور سلام فياض في مقال له يوم 9 من مارس الجاري مقالا تحت عنوان " سعي الفلسطينيين للدولة يبدأ من غزة" ، وفي ظني أن هذا المقال يحتاج لتوضيح حتى لا يثير توقيته الريبة . أيضا التصريحات الحديثة لممثل الأمم المتحدة روبرت سري في يوم 2 مارس 2015 حيث طالب في تصريحه : " باعتماد استراتيجية غزة أولا ، وأن غزة هي مشكلة سياسية ويجب معالجتها كجزء من إنهاء الاحتلال وتحقيق حل الدولتين ، و لن يكون هناك سلام دون معالجة احتياجات غزة أولا ، وسوف أطلع مجلس الأمن في أواخر شهر آذار للمرة الأخيرة وسوف أؤكد على ضرورة إعطاء الأولوية لغزة " ، وبما هو قريب من هذا المعنى تحدث ممثل اللجنة الرباعية طوني بلير خلال زيارته الأخيرة لقطاع غزة  .

إذا ربطنا ذلك بما سربه موقع (والا) الإسرائيلي عن عرض قدمته حركة حماس عبر روبرت سري والقنصل السويسري مفاده القبول بهدنة طويلة المدى مقابل رفع الحصار وبناء ميناء ومطار ، ولم تنف حركة حماس وجود اتصالات معها بهذا الشأن ، وإن قالت إنها ليست المبادِرة لها ولكن أطرافا أجنبية عرضتها عليها وهي محل بحث ، وأن يتزامن ذلك أيضا مع خطاب نتنياهو الأحد الماضي عندما تنكر لخطابه في جامعة بار إيلان عام 2009 والذي وافق فيه بالاعتراف بدولة على حدود 1967 ضمن شروط ، وأعلن في خطابه الأخير رفضه قيام دولة فلسطينية تشمل الضفة الغربية ... كل ذلك يؤكد أننا في الربع ساعة الأخيرة لقيام كيان غزة رسميا .

للمرة الألف نعيد التأكيد على والتحذير من :-

1-   كانت إسرائيل أول من رفع شعار "غزة أولا" في بداية مسلسل التسوية ، حيث كانت إسرائيل تريد أن يقتصر الانسحاب على قطاع غزة ، وهي وإن عدلته لاحقا في إطار اتفاق القاهرة يوم الرابع من مايو 1994 في إطار المناورة السياسية إلى " غزة وأريحا أولا" ، ثم سلطة حكم ذاتي مرحلي أوسع ، إلا أن إسرائيل لم تتخل عن هدفها الرئيس بقصر الانسحاب على قطاع غزة فقط . لذا عطلت تفعيل الممر الآمن بين قطاع غزة والضفة المنصوص عليه في اتفاقية أوسلو ، وفصلت بين هوية أبناء القطاع وهوية أبناء الضفة ، ثم كان الانسحاب من القطاع 2005 .

2-   إن معركتنا الرئيسة في الضفة والقدس إن لم يكن في كل فلسطين ، وليس في قطاع غزة ، وإن الذين يرفعون شعار "غزة أولا" يعملون ، بقصد أو بدون قصد ، على حرف الأنظار عن المعركة الحقيقية في الضفة والقدس ، ودفع الفلسطينيين ليتقاتلوا أو يتلهون بقطاع غزة وترك الضفة والقدس للإسرائيليين .

3-   إسرائيل لا تتخوف من أي تجمع فلسطيني مثلما تتخوف من قطاع غزة ، حيث تتم تصفية الحالة الوطنية في خارج فلسطين . قطاع غزة وحده هو المؤهل لاحتضان الوطنية الفلسطينية وشحذها واستنهاضها كما كان منذ 1948 حيث كان القطاع وحده من حمل الهوية الوطنية الفلسطينية . لذا فإن الهدف من وراء فصل غزة وحصارها هو حصار الحالة الوطنية التي تمثلها غزة ، وجعل غزة مقبرة للوطنية الفلسطينية .

4-   فشل النظام السياسي بكل مكوناته خلال سنوات السلطة في الحفاظ على وحدة الثقافة والهوية الوطنية والضمير الجمعي بين أبناء الوطن وخصوصا في الضفة والقطاع ، والذي كان يسود خلال عقود الثورة والكفاح المسلح . فالسلطة قَصَّرت في حماية الهوية والثقافة الوطنية ، وحركة حماس لا تعترف بهما حيث لها مفهومها الخاص للثقافة والهوية ، وهذا الأمر أدى لغياب حالة من الصدمة أو الإحساس بالخطر عند جموع الشعب بسبب الانقسام أو قيام كيان في غزة  

5-   التلويح ، سواء من أطراف فلسطينية أو من طرف إسرائيل ، بحل السلطة (سلطة الحكم الذاتي حسب اتفاقية أوسلو) والموجودة عمليا في الضفة فقط ، مع استمرار الحديث عن دولتين لشعبين أو مطلب الدولة الفلسطينية ، سيؤدي إلى صيرورة قطاع غزة الخاضع عمليا لسلطة حماس إلى الدولة الفلسطينية الممكنة ، وهذا ما يتوافق مع خطة خارطة الطريق التي تحدثت عن دولة ذات حدود مؤقتة .

6-   هناك أطراف فلسطينية وعربية وإقليمية ودولية مستعدة للتعامل مع كيان قائم بذاته في غزة تحت حكم حركة حماس ، ولكن ضمن شروط هي اليوم محل بحث بعيدا عن الأضواء.

7-   في حالة التسليم بالأمر الواقع والإقرار بصعوبة انسحاب إسرائيل من الضفة وغزة في ظل موازين القوى المحلية والإقليمية والدولية الراهنة ، وأن لا إعمار للقطاع ولا رفع للحصار إلا من خلال تكريس فصل غزة عن الضفة وإقامة دولة غزة ، فإن دولة في غزة تحت سيطرة حركة حماس التي هي فرع من جماعة الإخوان المسلمين التي لا تعترف بالمشروع الوطني وربما لا تؤمن به ، سيؤدي لإقبار الوطنية الفلسطينية ، وهنا مكمن الخطورة .

 

[email protected]

 

 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط