كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عيد تحت النار: غزة بين التهجير والتجويع وإعادة رسم الخريطة

لم يعد السؤال في غزة كم شهيداً سيسقط اليوم، بل أي منطقة ستكون الهدف التالي، ومن سيُجبر على النزوح مرة أخرى، وأين سيجد الناس مكاناً ينصبون فيه خيمة جديدة فوق ركام حياة لم يبق منها شيء.

حلّ عيد الأضحى هذا العام على قطاع غزة مثقلاً بالحزن والخوف والجوع. لم تكن هناك أسواق مكتظة، ولا أصوات أطفال ينتظرون ملابس العيد، ولا عائلات تستعد لاستقبال الأقارب. كان المشهد مختلفاً تماماً، طائرات في السماء، وقصف متواصل، وأخبار عن شهداء وجرحى، وعائلات تستعد لاحتمال نزوح جديد في أي لحظة.

في الليالي التي سبقت العيد وخلال أيامه، كثفت إسرائيل عملياتها العسكرية في مناطق مختلفة من القطاع. قصف المنازل في مخيم الشاطئ ومدينة غزة لم يكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بل جزءاً من سياسة متواصلة تقوم على التدمير الواسع للأحياء السكنية، وتحويل حياة السكان إلى جحيم يومي يدفعهم إلى الرحيل تحت وطأة الخوف وانعدام الأمان.

ما يجري اليوم يتجاوز فكرة الحرب التقليدية. فبعد أكثر من عامين ونصف العام من القتل والتدمير والحصار، بات واضحاً أن غزة تواجه مشروعاً لإعادة تشكيل واقعها الجغرافي والديموغرافي. الحديث الإسرائيلي المتكرر عن السيطرة على 70% من مساحة القطاع لا يمكن فصله عن واقع المناطق التي أصبحت بالفعل تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية. فهذه المناطق تحولت عملياً إلى أراضٍ خالية من سكانها، بعد أن أُجبر أهلها على النزوح مرات متتالية تحت القصف والتهديد.

السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا يعني الانتقال من السيطرة على 60% من القطاع إلى 70%؟ الجواب ليس في الأرقام، بل في البشر. وفي ظل التقديرات المتداولة، فإن ذلك يعني مناطق جديدة ستُفرغ من سكانها، وموجات نزوح إضافية، وآلاف العائلات التي ستغادر البريج والمغازي وأجزاء واسعة من شرق دير البلح وغيرها من المناطق التي يُخشى أن تكون الهدف المقبل للعمليات العسكرية. إنه توسيع لمساحة الفراغ السكاني أكثر مما هو توسيع لمساحة السيطرة العسكرية.

في الوقت نفسه، تتواصل سياسة التجويع والحصار باعتبارها وجهاً آخر للحرب. ويبدو أن هدف هذه السياسة يتجاوز الضغط المعيشي المباشر، ليصل إلى محاولة كسر إرادة الفلسطينيين واستنزاف قدرتهم على الصمود، عبر تحويل الجوع والعوز إلى أدوات حرب موازية للقصف والتدمير. فقد حُرم الفلسطينيون للعام الثالث على التوالي من أداء ركن الحج وشعيرة الأضحية، بعد أن منع الاحتلال إدخال عشرات آلاف رؤوس الماشية المخصصة للعيد. ولم يكن ذلك مجرد حرمان من شعيرة دينية، بل امتداداً لسياسة التجويع التي طالت مختلف جوانب الحياة، وحرمت مئات آلاف الأسر من مصدر غذاء كانت تنتظره في ظل المجاعة المتفاقمة وانهيار القدرة الشرائية وانعدام مصادر الدخل.

حتى الأعياد لم تعد بمنأى عن الحرب. فكل ما يرمز إلى الحياة الطبيعية بات هدفاً مباشراً أو غير مباشر. المدارس دُمرت، والجامعات دُمرت، والمستشفيات استُهدفت، والأسواق انهارت، واليوم تُحاصر الأعياد نفسها. وكأن المطلوب ألا يبقى في غزة أي مظهر من مظاهر الحياة أو الاستقرار أو الأمل.

الأرقام والمعطيات تعكس جانباً من حجم الكارثة فقط. عشرات الشهداء خلال أيام العيد، ومئات الشهداء منذ إعلان وقف إطلاق النار، وآلاف الخروقات والجرائم العسكرية، وعشرات آلاف الشاحنات التي مُنعت من الوصول إلى القطاع. وإلى جانب نقص الغذاء، تتفاقم أزمة المياه بصورة خطيرة، مع تراجع مصادر مياه الشرب وتدمير البنية التحتية المائية، الأمر الذي يدفع كثيرين للحديث عن سياسة تعطيش ممنهجة تزيد من معاناة السكان وتضاعف المخاطر الصحية والإنسانية. لكن ما لا تقوله الأرقام هو حجم الخوف المتراكم في نفوس الناس، وحجم الإرهاق النفسي الذي يعيشه مجتمع كامل يعيش بين النزوح والجوع والقصف وانتظار المجهول.

الأخطر أن هذه السياسات لا تبدو مؤقتة أو مرتبطة بظرف عسكري عابر، بل تبدو جزءاً من رؤية إسرائيلية تشكلت بعد السابع من أكتوبر، تقوم على إعادة هندسة قطاع غزة أمنياً وجغرافياً وسكانياً. ولهذا فإن التهجير والتجويع والتدمير ليست أحداثاً منفصلة، بل أدوات مختلفة تخدم الهدف نفسه: تقليص الحيز الذي يستطيع الفلسطينيون العيش فيه، وتحويل بقائهم إلى معركة يومية من أجل البقاء.

وفي غزة، حيث يختلط العيد بالمأتم، والفرح بالحزن، والأمل بالخوف، لا تبدو المأساة مجرد أزمة إنسانية عابرة أو جولة تصعيد عسكري يمكن أن تنتهي باتفاق تهدئة مؤقت. ما يجري هو محاولة مستمرة لإعادة رسم خريطة القطاع وتغيير واقعه السكاني والاجتماعي تحت ضغط النار والجوع والنزوح. وبينما تتآكل مقومات الحياة يوماً بعد يوم، يواصل الفلسطينيون تمسكهم بحقهم في البقاء فوق أرضهم رغم كل ما يتعرضون له من قتل وحصار وتشريد. فالمعركة الحقيقية اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الوجود نفسه، وعلى قدرة الناس على الصمود، وعلى حماية ما تبقى من المجتمع الفلسطيني من مشاريع الإفراغ والتدمير التي تستهدف الإنسان والمكان والذاكرة معاً. 

ورغم هول الكارثة وما خلّفته من دمار وموت ونزوح وتجويع، ما زالت إسرائيل ماضية في سياساتها الهادفة إلى إعادة تشكيل واقع غزة وسكانها بالقوة، فيما نواصل نحن، بدرجات متفاوتة، ممارسة سلوك الإنكار وتأجيل مواجهة الأسئلة الكبرى المتعلقة بمصيرنا ومستقبلنا الوطني. تتراكم المآسي يوماً بعد يوم، وتتسع الفجوة بين حجم الكارثة وحجم الفعل المطلوب لمواجهتها، حتى يبدو الخلاص أبعد من أي وقت مضى.

فالمشهد الراهن لا يشي باحتمالات قريبة أو عقلانية للخروج من هذا الواقع المأساوي، بل يترك شعوراً ثقيلاً بأن النكبة الفلسطينية لم تنتهِ يوماً، وإنما تتجدد بأشكال أكثر قسوة واتساعاً. وما يجري اليوم في غزة، ومعها ما يتعرض له الفلسطينيون في أماكن أخرى، لا يبدو حدثاً عابراً أو أزمة مؤقتة، بل حلقة جديدة من مسار تاريخي طويل من الاقتلاع والتدمير ومحاولات محو الوجود الفلسطيني وكسر إرادته. 

ومع ذلك، فإن غزة التي تعيش الفرح والحزن والموت في وقت واحد ما زالت تقاوم بطريقتها الخاصة. يقاوم أهلها بالبقاء، وبمحاولة حماية أسرهم، وبإصرارهم على التمسك بما تبقى من حياة وسط هذا الخراب الهائل. ورغم قسوة المشهد وثقل الحرب والجوع والنزوح، فإن الرهان الإسرائيلي على كسر إرادة الناس لم يتحقق. ولعل هذه الحقيقة هي ما يفسر استمرار غزة حتى اليوم؛ فبعد كل ما تعرضت له من قتل وتدمير وتجويع وتشريد، ما زالت تتمسك بحقها في الحياة والبقاء، وتصر على أن تكون شاهداً على فشل محاولات اقتلاع الإنسان الفلسطيني من أرضه وذاكرته ومستقبله.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط