كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزة:قراءة في جغرافيا الدمار وسط الهدنة المزيفة

غزة:قراءة في جغرافيا الدمار وسط الهدنة المزيفة

تاريخ النشر: 2026-05-27 | 13:47

إذا كان التاريخ يُكتب على صفحات الجغرافيا السياسية فإن قطاع غزة اليوم يُعاد كتابته على خرائط الدمار البشري حيث تتحول الجغرافيا من فضاء للحياة إلى مسرح لتجريب أقصى درجات العنف المؤسسي.
إن ما يجري في هذا الشريط الساحلي الممتد على 365 كيلومتراً مربعاً ليس مجرد حرب تقليدية تنتهي باتفاقيات هدنة بل هو استمرار لمنطق الاستعمار الاستيطاني بأدوات العصر الحديث يُمارس عبر سياسة الإفقار الممنهج والتهجير الديموغرافي والتدمير البنيوي للبنية التحتية للحياة.

تقف غزة اليوم على مفترق وجودي حرج فبعد أكثر عامين  من التصعيد العسكري المستمر تشير التقديرات الدولية إلى أن التنمية البشرية في القطاع تراجعت بنحو 77 عاماً في تراجع تاريخي يعيدنا إلى حقبة ما قبل النكبة ذاتها، هذا الرقم ليس إحصائية جافة بل هو شهادة على انهيار منظومة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية،فقد دُمر أكثر من 370 ألف وحدة سكنية وأصبحت نسبة انكماش الاقتصاد 84% فيما يعيش نحو 1.7 مليون نازح في نحو 1600 موقع للنزوح معظمهم في خيام لا تقي حراً ولا برداً ولا مطراً.
إن هذه الخيام التي تحولت إلى رمز للوجود الفلسطيني المؤقت الدائم ليست مجرد مأوى طارئ بل هي تجسيد لمفهوم الاستثناء السياسي الذي يحكم الفلسطيني في نظرية القانون الدولي
فالنازح في خيمته يعيش في حالة  جديدة حيث يُسلب منه الحق في الحياة المدنية دون أن يُمنح حق الاستشهاد البطولي محاصراً بين فكي الاحتلال العسكري والإنسانية الدولية المتخاذلة.

لقد جاء اتفاق الهدنة المُعلن في العاشر من أكتوبر 2025 ليُثبت أن التاريخ لا يعيد نفسه بالضبط لكنه يُكرر بنى السلطة والضعف ذاتها فالهدنة في تحليلها البنيوي لم تكن إيقافاً لمنطق الحرب بل تحويلاً له إلى منطق احتلال تدبيري فالقوات الإسرائيلية بقيت منتشرة في 64% من مساحة القطاع محولة الجغرافيا الفلسطينية إلى مناطق أمنية مغلقة فيما استمرت الغارات والقصف خارج الخط الأصفر محققة 942 شهيدا و2217 جريحاً منذ إعلان الهدنة وحتى أبريل 2026.
هذه الهدنة في مقاربتها السياسية تُشبه السلام الإيجابي المزعوم في النظرية الدولية وهو في الحقيقة استمرار للحرب بأدوات دبلوماسية،
فالخطة الأمريكية المُعلنة والمعروفة بـخطة ترامب العشرين نقطة تتضمن تشكيل لجنة وطنية لإدارة غزة تحت إشراف أجنبي ومجلس تنفيذي غير فلسطيني في صيغة تُذكرنا بالإدارات الاستعمارية في الحقبة المندثرية حيث يُنزع عن الشعب حق تقرير المصير ليُمنح إليه إدارة  بلا سيادة.

في فلسفة السياسة تُعتبر الخيمة رمزاً للحياة المؤقتة التي تسبق العودة لكن في غزة تحولت الخيمة إلى بنية دائمة للوجود الفلسطيني المُهجر في تحول يُشكل تحدياً للمفهوم الغربي للدولة الأمة.
فالخيام في رفح وخانيونس ودير البلح ليست مجرد مساكن بدائية بل هي أراضٍ بديلة يُمارس فيها الفلسطينيون سيادتهم المُنقوصة على فضاء محدود في ظل استمرار سياسة منع إعادة الإعمار الشامل.
وتُشير التقارير الإنسانية إلى أن ظروف النزوح تفاقمت بفعل العواصف والأمطار التي دمرت المئات من الملاجئ فيما انتشرت الأمراض الجلدية والطفيليات بشكل وبائي خاصة بين الأطفال في ظل نقص حاد في مياه الشرب النظيفة 4.5-6 لترات للفرد يومياً والمواد الصحية.
هذه الظروف تُنتج ما يمكن تسميته بالموت البطيء وهو شكل من أشكال العنف البيوبوليتيكي الذي يُمارس عبر حرمان السكان من شروط الحياة الأساسية دون اللجوء إلى القتل المباشر.
تكمن المفارقة السياسية المركزية في أن اتفاق الهدنة يتجاهل أزمة التمثيل الفلسطيني الجذرية فهو يتفاوض مع المقاومة على الأرض بينما يسعى لتجاوزها سياسياً ويطلب من السلطة الفلسطينية الإصلاح دون أن يُمنحها دوراً في إدارة غزة في لعبة دبلوماسية تُفرغ العملية السياسية من مضمونها.
كما أن الخطة تتجاهل الأفق السياسي المرتبط بالسيادة والحدود والقدس مما يجعلها في تحليلها النقدي مجرد إعادة إنتاج لصفقة القرن،
إن هذا النموذج من الحكم  تحت إشراف دولي يُعيد إنتاج منطق الوصاية الاستعمارية بلباس إنساني حديث.

إن المخرج من هذه الدائرة المغلقة لا يكمن في المزيد من اتفاقيات الهدنة المجزأة بل في إعادة الاعتبار للسيادة الشعبية كأساس للحل.
فالخيام التي تُوّج غزة اليوم ليست مجرد رمز للهزيمة بل هي شاهد على صمود شعب يُمارس حقه في العيش رغم آلة الحرب، وإذا كانت إعادة الإعمار تقدر بـ71.4 مليار دولار على مدى عقد فإن إعادة بناء الإنسان الفلسطيني تتطلب أولاً اعترافاً قانونياً وسياسياً بحقه في العودة والتعويض والسيادة.
إن الهدنة الكاذبة في خاتمة المطاف هي هدنة مع الظلم لا مع العدل وهدنة مع الاحتلال لا مع السلام،وطالما أن القانون الدولي يظل أسرى الفيتو السياسي وطالما أن الدبلوماسية الدولية تتعامل مع الفلسطيني ككائن إنساني دون أن تُقر به كمواطن ذي حقوق سياسية فإن الخيام ستظل شاهدة على فشل المجتمع الدولي وعلى استمرار الصراع في طريقه نحو حتمية تاريخية لا تُقاوم.

×
أخبار
مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط