كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزة الفلسطينية من تحت الركام إلى سوق القرار: إعادة تشكيل المستقبل خارج إرادة أصحابه

غزة الفلسطينية من تحت الركام إلى سوق القرار: إعادة تشكيل المستقبل خارج إرادة أصحابه

تاريخ النشر: 2026-01-18 | 12:20

لم تعد غزة الفلسطينية، في لحظة ما بعد الحرب، مجرد مساحة مدمّرة تبحث عن إعادة إعمار، ولا ساحة اشتباك تنتظر هدنة أو اتفاقاً مؤقتاً. ما يتكشف اليوم يتجاوز منطق ما بعد النزاع إلى مشروع متكامل لإعادة تعريف غزة ذاتها: أرضاً، وسكاناً، وملكية، ووظيفة سياسية. إعلان البيت الأبيض في 16 يناير 2026 عن تشكيل ما سُمّي بمجلس السلام لغزة، برئاسة الرئيس ترامب، لا يمكن قراءته كإطار إداري عابر، بل كبنية وصاية دولية جديدة تُدار عبرها المرحلة التالية من الصراع. تركيبة المجلس تكشف طبيعة المسار. أسماء مركزية من الدائرة الأميركية الضيقة: جاريد كوشنر، ستيف ويتكوف، وزير الخارجية ماركو روبيو، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ورجل الأعمال الأميركي الملياردير مارك روان، ورئيس البنك الدولي السابق أجاي بإنجا، ومستشارين أميركيين سابقين. وإلى جانب المجلس، شُكّلت هيئة تنفيذية لإدارة غزة، برئاسة المندوب السامي نيكولاي مَلادينوف، وعضوية خليط من الفاعلين الإقليميين والدوليين، بينهم وزير الخارجية التركي، مسؤولون قطريون ومصريون، شخصية أممية سابقة، ورجل أعمال إسرائيلي-قبرصي. كما جرى تعيين الجنرال الأميركي جاسبر جيفرسون قائداً لقوة الاستقرار الدولية، المكلّفة، وفق القرار 2803، بالإشراف الأمني ونزع سلاح الفصائل المسلحة وضمان تدفق المساعدات، ومواد إعادة الاعمار.

غير أن ما يلفت الانتباه ليس فقط من حضر، بل من غاب. الفلسطيني غائب تماماً عن البنية العليا للقرار: لا تمثيل سياسي، ولا وطني، ولا حتى رمزي. في المقابل، يحضر ممثل إسرائيلي داخل هيئة تشرف على مستقبل قطاع لا يزال خاضعاً للاحتلال. هذه ليست ثغرة بروتوكولية، بل إشارة سياسية واضحة إلى إعادة إدماج إسرائيل، لا كطرف عسكري سابق، بل كشريك في صياغة اليوم التالي. ومع هذا الترتيب، يتبدل تعريف الحل. لا حديث عن سيادة، ولا عن دولة، ولا حتى عن مرحلة انتقالية ذات أفق وطني، بل عن حكم ذاتي إبراهيمي مستدام يرتبط باتفاقية كوفا (COFA) مع الدولة الراعية، صيغة تبدو تقنية لكنها تُفرغ المشروع الوطني من مضمونه، وتحوّل الإدارة إلى غاية بحد ذاتها. في قلب هذا التصور تقف الأرض. غزة، وفق المقاربة الأمريكية المطروحة، لم تعد أرض شعب، بل أصلاً استثمارياً. قيمتها السوقية الحالية تُقدَّر فعلياً بصفر دولار، نتيجة تحولها إلى كتلة من الركام. غير أن الخطط تتوقع أن تصل الإيرادات خلال عشر سنوات إلى نحو 185 مليار دولار، مع قيمة سوقية مستهدفة بعيدة المدى تصل إلى 324 مليار دولار. هذه الأرقام ليست محايدة؛ إنها تعكس انتقال التعامل مع غزة من منطق الحق التاريخي إلى منطق السوق. من يموّل يملك، ومن يملك يقرر.

ضمن هذا الإطار، لا يجري نزع الأرض بالقوة الصلبة وحدها، بل عبر أدوات قانونية وتقنية حديثة: تسجيل الملكيات رقمياً، وربما ترميزها، وإدخالها في أنظمة بلوك تشين. ويُخيَّر المواطن بين تعويض مالي محدود أو شقة في برج سكني، مقابل التنازل النهائي عن حقه العيني في الأرض. إعادة البناء ستكون رأسية لا أفقية، ما يعني تفريغ الأرض من سكانها التاريخيين، وإعادة تنظيم المجال العمراني وفق احتياجات الاستثمار لا الذاكرة. النموذج يستدعي، من حيث الفلسفة، إعادة تخطيط باريس في عهد نابليون الثالث وفق استراتيجية هوسمان هذا يعني أن المدينة تعمل بكفاءة، لكنها مقطوعة عن جذورها الاجتماعية. خرائط الإعمار المرحلي تزيد الصورة وضوحاً. رفح تُقدَّم كنقطة البداية، تحت مسمى بوابة إبراهيم، تليها مراحل لاحقة في رفح وخان يونس وغزة، ضمن تصور يشمل مدناً صناعية ومناطق حرة، وممرات لوجستية، وطرقاً التفافية ومحورية، ومطاراً، وميناءً، وسكة حديد، وشبكات ألياف ضوئية وخطوط أنابيب، وصولاً إلى بنية تحتية إقليمية مرتبطة بسيناء وشرق المتوسط. وتُطرح مشاريع مدن ذكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومراكز بيانات تُدار وفق لوائح أميركية خاصة، ثم، على الساحل بعد سنوات، يُسوَّق مشروع ريفيرا ترامب على جزر اصطناعية تتشابه مع جزيرة النخلة في الامارات، بوصفه واجهة سياحية واستثمارية. في هذا النموذج، تتحول غزة إلى ملكية مُدارة من الخارج، بينما يُدفع سكانها الأصليون إلى هامش الدور، كقوة عمل داخل مشاريع لم يشاركوا في اختيارها ولا يملكون قرارها. شركات دولية، بعضها متعثر أو مفلس، تجد في غزة المدمّرة فرصة لإعادة التموضع. ليس ذلك خيالاً سياسياً، بل منطقاً اقتصادياً معروفاً في مناطق ما بعد الكوارث.

أما السكان وفق خطة كوتكوف، فيُعاد تعريفهم ضمن معادلة الكلفة. لا يُستخدم مصطلح التهجير، بل الانتقال. أي ان تكلفة انتقال الفلسطيني الواحد داخل قطاع غزة تقدر بنحو 32 ألف دولار، بينما تكلفة نقله وإعادة توطينه خارج غزة تقدر (9) آلاف دولار، بفارق 23 ألف دولار وفورات دائمة. الحسابات أكثر قسوة: كل 1% من السكان يُعاد توطينهم خارج قطاع غزة يوفّر قرابة 500 مليون دولار، مع تقديرات بأن 75% من المنتقلين سيستقرون خارج القطاع. هكذا يتحول الإنسان من صاحب حق إلى بند كلفة، ومن مواطن إلى عبء يجب تخفيفه وفق منطق اقتصادي يوصف بالعقلاني. وما سوف يجري لا يمكن اختزاله في مشروع إعادة إعمار أو إدارة انتقالية. نحن أمام مسار متكامل لإعادة هندسة الأرض والسكان والسيادة بأدوات قانونية واقتصادية ناعمة، تُحوّل الركام إلى أصول، والوجود الديمغرافي إلى متغير قابل للإدارة، والملكية إلى حق يُعاد تعريفه. منطق الانتقال ليس خياراُ إنسانياً بقدر ما هو أداة سياسية، ونزع الأرض لا يتم بالدبابات فقط، بل بالتسجيلات والتعاقدات. والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: هل تعي القوى الفلسطينية التي وافقت ووقعت على خطة ترامب، بمختلف تسمياتها، طبيعة المسار الذي تُدفع إليه غزة؟ إن غياب مراجعة وطنية شاملة وجامعة، واستمرار الغموض السياسي، يفتحان الباب لتحويل غزة من قضية تحرر وطني إلى ملف إدارة اقتصادية دولية طويلة الأمد. غزة لا تُهزم بالقنابل وحدها؛ تُهزم حين يُطلب منها أن توقّع، بهدوء، على مستقبل لا يشبهها.

سامحونا؛؛؛

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط