كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزة… المدينة التي لا تموت 

غزة… المدينة التي لا تموت 

تاريخ النشر: 2026-09-04 | 14:49

وليد العوض
وليد العوض

أطنان من المتفجرات، وآلاف الصواريخ، نزلت كالمطر فوق أحياء غزة، فسَوّت البيوت بالأرض، وحوّلت شوارع كاملة إلى أنقاض. مئات الدبابات داست بجنازيرها الشوارع الرحبة، فاقتَلعت إشارات المرور وأعمدة الكهرباء والهاتف، كما دمرت المدارس والمستشفيات ودور العبادة ،وعشرات الجرافات الضخمة غرست أسنانها في الأرض، واقتلعت أشجار النخيل التي كانت تزيّن شارع الرشيد على امتداد هذا البحر الفيروزي، حيث تجوب زوارق الاحتلال المياه وتطلق نيران رشاشاتها وقتما تشاء. المقاهي والمطاعم، الساحات الخضراء، ملاعب الأطفال، مدارسهم ورياضهم، مقاعدهم وألعابهم، كلها غدت تحت الركام.
لكن خلف هذا الركام حكاية أثقل من أن تختصرها صور الدمار.
غزة لم تمت، لكنها تنزف. وجعها ليس حجراً مهدماً ولا شارعاً ممزقاً، بل إنساناً بقي واقفاً ينتظر موته وسط كل هذا الخراب، يحمل ما لا يستطيع القلب احتماله.
في غزة، لكل شهيد حكاية كانت تستحق أن تستمر. طفل كان له مقعد ينتظره في المدرسة، وحقيبة معلقة خلف باب البيت، وأم تناديه كل صباح كي لا يتأخر  لكنه ذهب ولم يعد ، فتاة كانت تخبئ أحلامها الصغيرة للمستقبل، وشاب كان يرسم لنفسه طريقاً بين العمل والزواج وبناء بيت، ورجل كان يعود في المساء حاملاً لأطفاله شيئاً بسيطاً يفرحهم. ثم جاءت الحرب، وفي لحظة واحدة انقطع الطريق، وسقطت الحياة من يد أصحابها . 
هناك أمّ لم تعد تنتظر صوت المفتاح عند الباب، وأبٌ ما زال، رغم كل شيء، يلتفت كلما سمع صوتاً يشبه صوت ابنه. هناك طفل ينام وهو يحتضن صورة أبيه، وطفلة تسأل عن أمها ولا تفهم لماذا يطول الغياب. وهناك عائلة لم يعد ينقصها فرد واحد، بل غاب منها البيت نفسه؛ غابت أصواته، وضحكاته، ووجوهه، وطقوسه الصغيرة التي كانت تمنح الأيام معناها.
بعض الناجين لم ينجوا حقاً من الحرب ، نجوا بأجسادهم، لكنهم تركوا خلفهم جزءاً من أرواحهم تحت الركام. يحملون أسماء من فقدوا، ويتذكرون آخر نظرة، وآخر كلمة، وآخر صباح كان البيت فيه ممتلئاً بالحياة. يمضون في الشوارع، يأكلون ويشربون ويتحدثون ويحاولون العمل، لكن شيئاً عميقاً في داخلهم توقف في تلك اللحظة التي فقدوا فيها أحباءهم.

وفي غزة، لم يعد الحزن مجرد دمعة عابرة؛ صار رفيقاً يومياً. تراه في الطوابير، وفي الخيام، وعند توزيع الماء والطعام، وفي الأسواق التي تحاول استعادة نبضها. تراه في امرأة تشتري ما يكفي لأطفالها وتعرف أن ما معها لا يكفي، وفي أب يحاول أن يخفي خوفه كي يمنح أبناءه شيئاً من الأمان، وفي طفل يضحك للحظة ثم يصمت فجأة، كأنه تذكّر شيئاً لا ينبغي لطفل أن يعرفه.

آلاف الشهداء، من النساء والأطفال والشيوخ، قضوا تحت وطأة حرب الإبادة التي ما زالت فصولها مستمرة. ومئات الآلاف من الجرحى والمصابين يحملون آثارها في أجسادهم ونفوسهم. وآلاف ممن فقدوا أطرافهم أو قدراتهم، يحاولون استعادة تفاصيل حياتهم وسط واقع قاسٍ، فيما تظل الحرب حاضرة في ذاكرتهم وفي كل خطوة يخطونها.
وأكثر من ثمانية آلاف شهيد ما زالت رفاتهم تحت الركام، تنتظر أن تمتد إليها يد، وأن تُنتشل من بين الحجارة، لتُدفن كما يليق بمن رحلوا. وفي كل مكان، دموع على الوجنات؛ أمهات فقدن أبناءهن، وآباء فقدوا أطفالهم، وأطفال كبروا فجأة بعد أن غاب آباؤهم وأمهاتهم. وجوه تحمل أسماء الغائبين، وقلوب لا تجد قبراً تزوره ولا جسداً تودعه.
عامان وأكثر من حرب الإبادة، بكل ما حملته من قتل ودمار وتجويع وتشريد، كانت محاولة هائلة لاقتلاع الحياة من غزة، واقتلاع غزة نفسها من مكانها.
لكن غزة بقيت. لكنها تنزف ، تتوجع      تحت وطأة القتل المستمر  وأطفال يتحول لحمهم الغض الى أشلاء ورجالُ تمزق الصواريخ أجسادهم  . 
غزة بقيت، ليس لأن الخراب كان قليلاً، بل لأن الحياة فيها كانت أقوى من كل محاولات قتلها.
اشتد بي الأرق ظهيرة يوم الخميس. ركبت سيارتي وتجولت في أحياء المدينة المدمرة. سلكت شارع الرشيد، فوجدت روح الحياة تنبعث بحزن شديد من مقاهٍ شُيدت على عجل، كأن أصحابها يقولون للخراب: لن يكون لك المكان كله.
دخلت تل الهوا، ثم الزيتون والشيخ رضوان، مروراً بشارع الجلاء. بين العمارات المهدمة والشوارع التي حفرتها الصواريخ والجرافات، كان الفتية يمشون في الطرقات. وجوههم مغبرة، وملابسهم تحمل آثار المكان، لكن عيونهم كانت تتطلع إلى الأمام.
في غزة، تستطيع أن ترى خارطة الحزن على كل جبين؛ في وجه الطفل والكهل، في ملامح الأم، وفي صمت الأب. لكنك، إذا أطلت النظر قليلاً، سترى في العين نفسها بارقة أمل صغيرة، عنيدة، لا تريد أن تنطفئ.
واصلت الطريق إلى ساحة فلسطين، مروراً بشارع عمر المختار. وعلى بعد أمتار من ما يسمى «الخط الأصفر»، شاهدت  من بعيد بقايا تلة المنطار منتصبة، وإلى جوارها بعض أغصان شجرة جميز ترفض أن تموت.
يا لها من صورة تختصر غزة كلها.
شجرة نجت من النار، وأغصان قليلة تتمسك بالحياة، وكأنها تقول إن جذورها أعمق من أن تقتلعها الجرافات.
ومن هناك إلى شارع النفق، حيث تغص الأسواق بالناس؛ مشترون وباعة، حركة وأصوات ومساومات. الحياة، بكل تفاصيلها الصغيرة، تعود من بين الركام، ولو على استحياء.
ثم إلى شارع النصر، حيث يسير الناس إلى جانب بقايا الحافلات المتهالكة. تتكدس فيها الأجساد، ويضيق المكان بالركاب، لكنهم يصعدون، وينزلون، ويتحركون، ويذهبون إلى أعمالهم وحاجاتهم، وكأنهم يستعيدون حقهم البسيط في أن يعيشوا.
وعلى جوانب الطرق وفي الساحات، تنتشر آلاف الخيام. أطفال يلعبون بينها، يركضون، يتشاجرون ويضحكون، وكأن طفولتهم تأبى أن تستسلم للحرب.
ينتظر الناس سيارات المياه، وينتظرون تكية الطعام التي بدأت تتقلص مع الأيام، فيما تكبر الحاجات ويثقل العبء.
كل شيء في غزة يقول إن المأساة لم تنتهِ.
لكن كل شيء فيها يقول أيضاً إن غزة لم تنتهِ.
في هذه المدينة، يتجول الموت في وضح النهار، وفي كل شارع حكاية فقد ووجع وبيت لم يعد بيتاً. ومع ذلك، تنبعث الحياة في كل لحظة: من مقهى صغير، ومن سوق مزدحم، ومن طفل يركض بين الخيام، ومن شجرة تتمسك بغصن، ومن رجل يفتح دكانه رغم الركام، ومن امرأة تبحث عن الماء والطعام لعائلتها، ومن شاب يخطط لغد لا يعرف كيف سيكون.
لقد حاولوا قتل المكان، فتمسكت غزة بالحياة.
حاولوا تحويلها إلى مقبرة، فإذا بأهلها، رغم الجراح والدموع والركام، يعيدون إليها شيئاً من نبضها.
غزة ليست مدينة لا تُدمّر؛ لقد دُمّرت كثيراً.
غزة هي المدينة التي لا تموت.
وما زال شعبنا، رغم كل ما حلّ به، يردد قول الشاعر الراحل توفيق زيّاد:
«هنا باقون… لن نرحل».
هكذا كانت غزة، وهكذا ستبقى؛ مدينة تنزف، لكنها لا تنحني، تُهدم، لكنها تعود، تفقد أبناءها، لكنها تتمسك بالحياة.
غزة… المدينة التي لا تموت.

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط