كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزة أم جمهورية البنادق حين يصبح «سلاح العائلات» وزير الداخلية!

غزة أم جمهورية البنادق حين يصبح «سلاح العائلات» وزير الداخلية!

تاريخ النشر: 2026-08-23 | 01:56

سامي إبراهيم فودة
سامي إبراهيم فودة

في غزة، يبدو أننا على وشك اكتشاف نظام سياسي جديد لم تدرسه كليات العلوم السياسية، ولم يخطر ببال أفلاطون ولا أرسطو ولا حتى ميكيافيللي!

نظامٌ عجيب لا يحتاج إلى انتخابات، ولا إلى صناديق اقتراع، ولا إلى برامج سياسية؛ يكفي أن يكون لديك سلاح، وعائلة، و«شوية عنتريات» حتى تحصل على مقعدٍ في مجلس إدارة الفوضى!

والسؤال الذي يفرض نفسه وسط هذا المشهد العبثي:

من وراء هذا الفلتان الأمني؟ ومن المستفيد من تحويل غزة إلى ساحة خوف مفتوحة؟

حين يصبح المواطن خائفًا من الشارع، ومن الحارة، ومن الخلاف العائلي، ومن «زعران الفوضى»، ومن السلاح المنفلت، فإن المشكلة لم تعد مجرد جريمة هنا أو اشتباك هناك.

المشكلة أن هيبة القانون نفسها أصبحت تحت الاختبار.

والأخطر أن يتحول السلاح من وسيلة يفترض أن تكون محكومة بالقانون إلى لغة تفاوض اجتماعية:

«إلك عندي حق؟ أحضر جماعتك.»

«اختلفنا؟ بنحلها بالسلاح.»

«بدك توقف قدامي؟ عندي عائلة.»

وبهذا المنطق العبثي يصبح المواطن المسالم هو الوحيد الذي يحتاج إلى حماية!

أما صاحب البندقية، فيصبح صاحب نفوذ.

يا لها من معادلة عظيمة!

نحن الذين نريد دولة، نكتشف فجأة أن الدولة تحتاج أولًا إلى إقناع بعض البنادق بأنها ليست دولة!

وهنا لا بد أن نقولها بوضوح:

إذا كان الحديث جادًا عن سحب السلاح، فلا يجوز أن يكون سلاح فصيل فوق الطاولة وسلاح عائلة تحت الطاولة، ولا سلاح تنظيم ممنوعًا وسلاح آخر «مفهومًا»، ولا أن يكون القانون قويًا على الضعيف ومرنًا أمام صاحب النفوذ.

السلاح غير القانوني هو سلاح غير قانوني، مهما كان صاحبه.

وهذه هي النقطة التي يحاول البعض الهروب منها.

فلا يجوز أن نطالب بنزع سلاح الفصائل، ثم نتجاهل سلاح العائلات.

ولا يجوز أن نطالب بسلاح العائلات، ثم نعتبر سلاح التنظيمات «موضوعًا حساسًا».

ولا يجوز أن نتحدث عن دولة حديثة بينما غزة تتحول إلى خريطة نفوذ صغيرة، كل مربع فيها تحرسه بندقية، وكل بندقية خلفها اسم عائلة أو تنظيم أو مجموعة مسلحة.

فأي دولة هذه التي تحتاج إلى خريطة لتحديد من يملك الشارع؟

والأمر الأكثر سخرية أن المواطن الذي عاش حربًا طويلة، وفقد بيته وأمانه ورزقه، يُطلب منه الآن أن يتحول إلى خبير في الجغرافيا الأمنية:

هنا منطقة العائلة الفلانية.

وهناك نفوذ المجموعة الفلانية.

وهناك سلاح التنظيم الفلاني.

وهناك شارع «ممنوع الاقتراب».

وهناك حارة لا ينصح المواطن العادي أن يسأل فيها: «شو القصة؟»

وبعد كل ذلك نريد أن نقنع العالم بأننا جاهزون لبناء دولة!

يا جماعة الخير...

الدولة لا تُبنى بالبنادق، ولا تُدار بالعنتريات، ولا تُحفظ بالسلاح العائلي.

الدولة تبدأ من فكرة بسيطة جدًا:

أن يشعر المواطن أن القانون أقوى من الجميع.

أقوى من العائلة.

أقوى من الفصيل.

أقوى من المسلح.

أقوى من صاحب النفوذ.

وأقوى من كل من يعتقد أن البندقية تمنحه حقًا إضافيًا على بقية الناس.

ثم نأتي إلى السؤال الأكثر حساسية:

هل ما نشهده مجرد فوضى اجتماعية فرضتها الحرب والانهيار والفقر والتهجير؟

أم أن هناك من يريد لهذه الفوضى أن تكبر؟

لا أريد أن أتهم أحدًا بلا دليل، ولا أن أحوّل الشائعات إلى حقائق، لكن من حق المواطن أن يسأل:

لماذا كلما تحدثنا عن مستقبل غزة، ظهرت أمامنا صورة الفوضى؟

ولماذا أصبح الأمن الاجتماعي مهددًا بهذا الشكل؟

ولماذا يشعر المواطن أن غياب القانون يمكن أن يكون أخطر من القانون نفسه؟

إن الحرب لا تنتهي بمجرد توقف القصف.

فالحرب تترك وراءها مجتمعًا منهكًا، واقتصادًا منهارًا، ونفوسًا مجروحة، وثقةً اجتماعية مكسورة، ومخزونًا هائلًا من الغضب والخوف.

وإذا أضيف إلى ذلك سلاح منفلت، فإننا نضع عود الثقاب بجانب برميل البنزين.

وهنا يجب أن ننتبه إلى أخطر سيناريو:

أن تتحول غزة من ساحة حرب مع الاحتلال إلى ساحة صراع داخلي بين مكوناتها.

وهذا هو الكابوس الحقيقي.

فلا أحد يريد أن يستيقظ ذات صباح ليكتشف أن المعركة لم تعد بين غزة ومن يحاصرها، بل بين أبناء غزة أنفسهم.

عائلة ضد عائلة.

تنظيم ضد تنظيم.

مجموعة ضد مجموعة.

وسلاح يرد على سلاح.

ثم يأتي من يقول لنا:

«هذه مجرد مشكلة عائلية!»

لا يا سادة.

حين يسقط السلاح في الشارع، تصبح القضية قضية وطن.

سلاح العائلات خنجر في خاصرة غزة، وسلاح التنظيمات خارج القانون خنجر آخر.

والاحتلال الذي يريد لغزة أن تبقى ضعيفة وممزقة لا يحتاج إلى اختراع كل أسباب الانقسام إذا كان الانقسام يجد طريقه إلى المجتمع بنفسه.

لذلك، فإن حماية غزة لا تكون فقط بحماية حدودها.

بل بحماية نسيجها الاجتماعي.

بحماية الجار من جاره.

والعائلة من العائلة.

والمواطن من المسلح.

والقانون من الذين يريدون تحويله إلى وجهة نظر.

نعم، لا للفلتان الأمني.

نعم، لا للسلاح المنفلت.

نعم، لا لتحويل العائلة إلى مؤسسة أمنية.

نعم، لا لتحويل التنظيم إلى دولة داخل الدولة.

ونعم، ألف مرة:

لسلم مجتمعي يحمي الجميع.

وأقولها بسخرية مريرة:

إذا كانت كل عائلة ستحتفظ بسلاحها، وكل تنظيم سيحتفظ بسلاحه، وكل مجموعة ستحتفظ بسلاحها، فربما نحتاج في المستقبل إلى وزارة جديدة اسمها:

«وزارة تنسيق البنادق»!

وزيرها يحمل بندقية.

نائبه يحمل بندقية.

المدير العام يحمل بندقية.

ومدير العلاقات العامة يحمل بندقية احتياطية!

أما المواطن، المسكين، فلا يحمل سوى بطاقة هويته...

والأغرب أن تكون هذه البطاقة هي أضعف سلاح في البلد!

لا يا غزة.

لسنا بحاجة إلى مزيد من البنادق.

نحن بحاجة إلى قانون.

لسنا بحاجة إلى مزيد من المسلحين.

نحن بحاجة إلى مؤسسات.

لسنا بحاجة إلى مزيد من العنتريات.

نحن بحاجة إلى عقلاء.

ولسنا بحاجة إلى أن يحكمنا الخوف من العائلة أو التنظيم أو الشارع.

نحن بحاجة إلى يوم يصبح فيه المواطن قادرًا على أن يقول:

«أنا مواطن... والقانون يحميني.»

وهذه ليست رفاهية.

هذه هي بداية الخروج من شريعة الغاب.

فغزة لا تحتاج إلى من يثبت أنه الأقوى...

غزة تحتاج إلى دولة تثبت أن القانون أقوى من الجميع.

لا لسلاح العائلات.

لا لسلاح الفصائل خارج القانون.

لا للفلتان الأمني.

لا للفوضى.

نعم للأمن.

نعم للعدالة.

نعم للسلم الأهلي.

ونعم لغزة التي يحكمها القانون... لا منطق البنادق.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط