كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزة بين الحصانة والمصادرة. مشروع مجلس السلام للوصاية المقنعة

غزة بين الحصانة والمصادرة. مشروع مجلس السلام للوصاية المقنعة

تاريخ النشر: 2026-07-04 | 10:52

محمد مصطفى شاهين
محمد مصطفى شاهين

ثمة لحظات في التاريخ لا تأتي فيها التحولات الكبرى على ظهر الجيوش وإنما تأتي في صيغة وثائق قانونية تبدو للوهلة الأولى إدارية ومحايدة ثم يتبين أنها تحمل في طياتها انقلابا كاملا على فكرة السيادة والحق العام. وما نشرته صحيفة The Guardian عن مسودة قرار لما يسمى مجلس السلام المكلف بإدارة غزة يدخل في هذا الباب المثير للقلق.

فالمسودة كما أوردتها الصحيفة تقترح منح المجلس وأعضائه وإدارته والتكنوقراط العاملين معه والقوات الدولية والمقاولين الأجانب حصانة قانونية شاملة ضد أي ملاحقة قضائية داخل قطاع غزة. كما تمنح المجلس سلطة الاستحواذ على الممتلكات العامة دون أي مقابل مادي. وهذه ليست مجرد ترتيبات إدارية بل هي محاولة لإقامة سلطة استثنائية فوق القانون وخارج نطاق المساءلة.

في الفقه السياسي تعرف هذه الظاهرة باسم الاستثناء السيادي أي أن تنشأ سلطة تستطيع أن تمارس صلاحياتها من دون أن تخضع للقواعد التي يخضع لها الآخرون وحين تمنح هيئة انتقالية نفسها حصانة مطلقة فإنها لا تؤسس إدارة مؤقتة وإنما تؤسس امتيازا سياسيا وقانونيا يقترب من فكرة الوصاية الدولية.

إن جوهر الدولة الحديثة يقوم على مبدأ بسيط وهو أن لا أحد فوق القانون. فالحصانة ليست إعفاء من المسؤولية وإنما حماية وظيفية محدودة ومقيدة، أما الحصانة المطلقة فإنها تخلق طبقة سياسية وقانونية محصنة ضد الرقابة والمحاسبة وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية لدولة القانون.

أما المسألة الأخطر فهي منح المجلس حق الاستحواذ على الممتلكات العامة دون مقابل فالأملاك العامة ليست أصولا مهجورة تنتظر من يديرها بل هي ملك جماعي للشعب الفلسطيني وتمثل أحد أهم عناصر سيادته الاقتصادية، والاستيلاء عليها دون تعويض أو تفويض وطني يقترب من مفهوم نزع الملكية السياسية.

لقد عرف التاريخ الحديث أن السيطرة على الأرض والممتلكات العامة هي الخطوة الأولى لإعادة تشكيل الواقع السياسي لأي مجتمع ومن يملك الأصول يملك القدرة على توجيه الاقتصاد وإعادة توزيع النفوذ ورسم الخريطة الاجتماعية الجديدة.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو من منح هذه الهيئة حق التصرف بمقدرات غزة. ومن الذي يملك شرعية نقل الأصول العامة أو إعادة إدارتها بعيدا عن المؤسسات الوطنية الفلسطينية إن أي سلطة لا تستند إلى تفويض شعبي أو شرعية وطنية تتحول مهما كانت شعاراتها إلى سلطة أمر واقع.

وليس من قبيل المصادفة أن تأتي هذه الأفكار في لحظة تعيش فيها غزة إحدى أكثر مراحلها هشاشة وإنهاكا. فالمجتمعات المنكوبة تصبح في أحيان كثيرة بيئة ملائمة لفرض ترتيبات استثنائية تحت عنوان إعادة الإعمار أو إدارة ما بعد الحرب لكن إعادة الإعمار لا يمكن أن تكون مرادفا لإعادة توزيع السيادة.

إن أخطر ما تكشفه هذه المسودة ليس بنودها القانونية فقط بل الفلسفة التي تقف وراءها فهي تنطلق من تصور ضمني يعتبر غزة إقليما فاقدا للأهلية السياسية يحتاج إلى إدارة فوقية محصنة ضد الرقابة الشعبية والقضائية.

وهذا المنطق يعيد إلى الأذهان نماذج تاريخية قامت فيها سلطات انتقالية بإدارة الأقاليم المنكوبة ثم تحولت تدريجيا إلى أنظمة وصاية طويلة الأمد.

إن الشعوب يمكن أن تقبل بالمساعدة الدولية ويمكن أن ترحب بجهود إعادة البناء لكنها لا تقبل أن تتحول المساعدة إلى انتقاص من السيادة أو أن تصبح إعادة الإعمار جسرا لإقامة سلطة فوق القانون.

ولهذا فإن ما كشفته صحيفة الغارديان لا ينبغي النظر إليه بوصفه تفصيلا إداريا عابرا. إنه نقاش يتعلق بمستقبل غزة نفسها هل ستكون غزة أرضا يديرها أهلها وفق القانون أم إقليما استثنائيا تحكمه حصانات ومصادرات وأوامر لا تخضع للمساءلة.

وفي السياسة كما في القانون فإن أخطر أشكال المصادرة ليست مصادرة الأرض وحدها بل مصادرة حق الشعب في أن يكون صاحب القرار في أرضه ومستقبله.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط