كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزة بين أولوية الإنقاذ واستحقاقات السياسة

غزة بين أولوية الإنقاذ واستحقاقات السياسة

تاريخ النشر: 2026-02-26 | 11:19

بينما لا تزال غزة تعيش فصول حرب مفتوحة، لم تنجح المدافع في حسمها عسكرياً ولم تفلح الدبلوماسية في إغلاق ملفاتها سياسياً، يتعمّق المشهد الإنساني تعقيداً يوماً بعد يوم، وتتسع معه الهوة بين متطلبات البقاء اليومي للمواطن الفلسطيني وبين حسابات السياسة الثقيلة التي تُدار في الغرف المغلقة. الميدان في القطاع لم يعرف استقراراً حقيقياً رغم ما يُشاع عن جولات تهدئة ممتدة أو هدن متقطعة، والمفاوضات الجارية في العواصم الوسيطة لم تنجح بعد في إنتاج تلك الصيغة النهائية التي تضع حداً لنزيف الدماء أو ترسم ملامح واضحة ومطمئنة لما بات يُعرف بـ "اليوم التالي" للحرب.

إن المفاوضات التي تُجرى حالياً تدور في حلقة مفرغة، فهي تحاول الجمع بين تبادل الأسرى وبين هدنة ممتدة تضمن تدفق المساعدات، لكنها تصطدم بجدار من التناقضات الصارخة. فالفجوة بين ما تطالب به الحركة الفلسطينية من ضمانات سياسية وأمنية شاملة، وبين الشروط الإسرائيلية التي تربط أي تهدئة بتحقيق أهداف استراتيجية غامضة، تجعل من كل اتفاق يولد "خديجاً" وهشاً وقابلاً للانهيار عند أول طلقة. وفي هذه الأثناء، يبقى الواقع الميداني هو الحاكم الفعلي؛ ضربات متفرقة، استهداف ممنهج للبنية التحتية، وضغوط إنسانية بلغت حداً لم يعد يحتمله بشر، وسط غياب الرؤية الموحدة لكيفية الخروج من هذا النفق المظلم.

وسط هذا الركام النفسي والمادي، يبرز إلى السطح نقاش يثير الكثير من التساؤلات المشروعة حول توقيت "الانتخابات الداخلية" في حركة حماس لرئاسة مكتبها السياسي، مع تداول أسماء وازنة مثل خالد مشعل وخليل الحية كمرشحين لخلافة المرحلة القادمة. ورغم أن هذا الاستحقاق التنظيمي الشامل، والمقرر استكماله بين أواخر 2026 وبدايات 2027، يُعد من الناحية المبدئية جزءاً من شرعية أي حركة سياسية تطمح للتجديد المؤسسي، إلا أن "بميزان العقل والمنطق" يبدو هذا الحراك وكأنه يغرد خارج سرب الأولويات الراهنة. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في "من يقود" التنظيم، بل في "كيف تُقاد" الأزمة الإنسانية الحادة التي تعصف بمليوني فلسطيني يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والماء والكهرباء، في وقت بات فيه البقاء على قيد الحياة هو الإنجاز الأسمى.

السكان في غزة يتعرضون لضغوط نفسية واجتماعية هائلة تتجاوز قدرة المجتمعات البشرية على الاحتمال. وأي نقاش سياسي داخلي يتمحور حول المناصب والهياكل التنظيمية بعيداً عن الأولويات المعيشية الطاحنة، يُقرأ شعبياً على أنه نوع من "الانفصام عن الواقع" أو عدم اكتراث بآلام القاعدة الشعبية. إن هذا الانفصال، إن استمر، كفيل بإضعاف الثقة الشعبية بالقيادة، وهي الثقة التي تُعد "رأس المال" الوحيد والدرع الأخير المتبقي في مواجهة مخططات التهجير القسري والتصفية الممنهجة للقضية. السياسة، في نهاية المطاف، لا يمكن أن تكون بمعزل عن أنين الجوعى وصراخ المنكوبين، وإلا تحولت إلى ترفٍ حزبي لا يملكه من يفترشون ركام منازلهم في خيام النزوح المهترئة.

كان بالإمكان، وما يزال، أن تذهب الحركة نحو نموذج "إدارة طوارئ وطنية" شاملة، تشرك فيها كافة مؤسسات المجتمع المدني والكفاءات المستقلة والخبرات التكنوقراطية، لضمان إدارة ما تبقى من موارد بفاعلية وشفافية مطلقة بعيداً عن الحسابات الحزبية الضيقة. مثل هذا النهج لا يُنقص من شرعية الحركة شيئاً، بل يعزز من حضورها كقوة مسؤولة تدرك أن السياسة في زمن الحرب هي "فن حماية الإنسان" أولاً وقبل كل شيء. إن توزيع المساعدات بشفافية، ومحاربة الاحتكار، والضرب على أيدي العابثين بأقوات الناس هو فعل مقاوم بامتياز لا يقل أهمية عن الصمود في الميدان العسكري، بل هو الضمانة الحقيقية والوحيدة لاستمرار ذلك الصمود ومنع المجتمع من التآكل الداخلي.

إن الانتخابات الداخلية، مهما كانت نتائجها وأياً كان هوية الفائز بمقعد الرئاسة، لن تكون هي معيار النجاح التاريخي للقيادة المقبلة؛ بل المعيار الحقيقي والوحيد هو القدرة على اجتراح معادلة تجمع بين "السياسة الصلبة" في مواجهة الاحتلال، وبين "الإدارة الإنسانية الرشيدة" في رعاية شؤون المواطنين. فالمشروع الوطني الفلسطيني لا يُقاس اليوم بالشعارات الرنانة التي تُلقى من وراء الشاشات، بل بمدى ترجمة تلك الشعارات إلى سياسات واقعية ملموسة تحمي كرامة السكان وتوفر لهم الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة. غزة اليوم ليست مجرد ساحة لاختبار الأسلحة أو تجريب النظريات السياسية، بل هي اختبار أخلاقي وحقيقي لفكرة "القيادة" ومسؤوليتها التاريخية أمام الشعب وأمام ضمير التاريخ.

إن الانشغال بالهياكل التنظيمية والمناصب القيادية في ظل غياب خطوات عملية وجريئة لإدارة الأزمة الإنسانية يخلق فجوة عميقة في الثقة لا يمكن ردمها بالخطابات التعبوية المؤجلة. إن إظهار حساسية عالية تجاه الواقع اليومي المأساوي، مقروناً بخطوات ملموسة على الأرض لإغاثة المنكوبين وتأمين حاجاتهم، هو الكفيل الوحيد بإعادة بناء هذه الثقة وتعزيز الموقف التفاوضي الفلسطيني في مواجهة الضغوط الدولية والإقليمية المتزايدة. السؤال المركزي الذي يبقى معلقاً في فضاء غزة اليوم: هل ستدرك القيادة في الوقت المناسب أن السياسة يجب أن تكون في خدمة المجتمع وحماية بقائه، وليس العكس؟ إن الإجابة عن هذا السؤال، وبشكل عملي يتجاوز الوعود، هي التي ستحدد مسار المرحلة المقبلة، وستحدد قدرة النظام الفلسطيني برمته على الصمود أمام عواصف الحرب ورمال السياسة المتحركة في آن واحد.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط