كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزة بين خطوط السيطرة: كيف تعيد إسرائيل هندسة جغرافيا القطاع بالقوة؟

غزة بين خطوط السيطرة: كيف تعيد إسرائيل هندسة جغرافيا القطاع بالقوة؟

تاريخ النشر: 2026-05-09 | 11:39

لم يعد ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» في قطاع غزة مجرد إجراء عسكري مؤقت أو منطقة عازلة مرتبطة بظروف الحرب، بل يبدو ـ مع مرور الوقت ـ أنه يتحول إلى مشروع بنيوي لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية لقطاع غزة وفرض وقائع ميدانية جديدة بالقوة، على نحو يذكّر بتجربة جدار الفصل في الضفة الغربية.
وفي هذا السياق، يأتي استحداث إسرائيل لما يسمى «الخط البرتقالي»، الواقع غرب الخط الأصفر، ليقتطع نحو 6% إضافية من مساحة القطاع، ما يرفع نسبة الأراضي التي تقع فعلياً تحت السيطرة الإسرائيلية إلى أكثر من 64% من مساحة غزة، وذلك بدلاً من الالتزام بعمليات الانسحاب التدريجية المنصوص عليها في اتفاقات السلام.
الاسم ذاته ـ «الخط البرتقالي» ـ يحمل طابعاً مخادعاً ومخففاً للمعنى، كأنه علامة تنظيم مروري أو إجراء إداري عابر. لكن الواقع على الأرض يكشف عن شيء مختلف تماماً: إعادة ترسيم قسرية للحدود، تُفرض خارج أي إطار تفاوضي حقيقي، وتُبنى على منطق القوة لا على القانون أو الاتفاق.
ما يجري ليس «إجراءً أمنياً» كما يُقدَّم، بل عملية قضم جغرافي ممنهج، تُحوّل ما تبقى من قطاع غزة إلى مساحة خانقة مكتظة بالبشر، محاصرة بالجوع والدمار، ومقطوعة عن أي أفق سيادي أو تنموي. والأخطر أن هذا التحول لا يُقدَّم كإجراء مؤقت مرتبط بالحرب، بل كواقع يتجه إلى التثبيت التدريجي، خارج سياق المفاوضات الجارية في القاهرة.
إسرائيل لا تتعامل مع هذه الخطوط بوصفها ترتيبات عسكرية قابلة للتراجع، بل كـ«حدود أمنية جديدة» يجري تثبيتها على الأرض، بحيث يصبح التراجع عنها مستقبلاً شبه مستحيل. هذا المنطق ليس جديداً؛ فقد سبق تطبيقه في الضفة الغربية، حيث بدأ جدار الفصل كإجراء «مؤقت» بذريعة الأمن، قبل أن يتحول إلى بنية دائمة أعادت تشكيل الجغرافيا الفلسطينية وفرضت واقعاً حدودياً جديداً على الأرض.
في الضفة الغربية، لم يكن الجدار مجرد بنية إسمنتية، بل أداة لإعادة توزيع الأرض، وعزل التجمعات السكانية، وخلق كانتونات منفصلة. ومع مرور الوقت، تحوّل من إجراء أمني إلى واقع سياسي قائم، تُدار على أساسه الحياة اليومية، رغم غياب أي شرعية دولية نهائية له.
اليوم، يتكرر السيناريو نفسه في غزة، ولكن بصورة أكثر حدة وتعقيداً. فالخطوط الجديدة لا تفصل الأرض فقط، بل تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان. المزارع يُمنع من الوصول إلى أرضه وفلاحتها، الصياد يُحاصر في البحر، والعائلات تُدفع إلى النزوح القسري داخل مساحة تتقلص باستمرار، فيما تتشكل خريطة بشرية مغلقة تُدار بالكامل تحت السيطرة العسكرية.
بهذا المعنى، لا يشكل «الخط البرتقالي» مجرد تعديل ميداني، بل خطوة إضافية نحو تحويل غزة إلى كيان محاصر داخل حصار، مساحة بلا سيادة، وبلا موارد حرة، وبلا قدرة على الحركة أو إعادة الإعمار، سوى بما تسمح به سلطة الاحتلال.
المفارقة أن هذه التحولات تجري بالتوازي مع مفاوضات سياسية تتناول ترتيبات ما بعد الحرب، إلا أن الوقائع على الأرض تسير في اتجاه مغاير تماماً. فبينما يُناقش الوسطاء خرائط الانسحاب، تُرسم خرائط جديدة على الأرض تقلص مساحة غزة تدريجياً، وتعيد تعريفها خارج سياق الاتفاقات.
المشكلة لا تكمن فقط في إنشاء هذه الخطوط، بل في القدرة الدولية على التعايش معها بصمت. فالتجربة التاريخية تُظهر أن المشاريع الاستيطانية لا تُواجه عادة في لحظتها الأولى، بل تُترك حتى تتحول إلى أمر واقع، ثم تُدار لاحقاً باعتبارها «الوضع القائم». هكذا حدث مع الاستيطان، وهكذا حدث مع جدار الفصل، ويبدو أن النمط ذاته يتكرر اليوم في غزة.
في الختام، لا يمكن النظر إلى «الخط البرتقالي» كخط على الخريطة، بل كإعلان عن مرحلة جديدة من هندسة السيطرة. مرحلة لا تكتفي بإدارة الصراع، بل تسعى إلى إعادة إنتاج الجغرافيا نفسها، وتحويل المؤقت العسكري إلى دائم سياسي، بحيث يصبح اقتطاع الأرض ممارسة اعتيادية، وتتحول الحدود المفروضة بالقوة إلى حقيقة تُعامل كأنها طبيعية.

×
أخبار
جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط