كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزة بين سراب الهدنة ولعنة الاستنزاف: خيوط الحرب التي لم تنقطع

غزة بين سراب الهدنة ولعنة الاستنزاف: خيوط الحرب التي لم تنقطع

تاريخ النشر: 2026-07-17 | 11:32

سالي علاوي
سالي علاوي

حين أُعلن عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تنفّس العالم الصعداء وظنّ الكثيرون أن آلة القتل قد وضعت أوزارها، وأن فصلاً كابوسياً من فصول الصراع قد طُوِي إلى غير رجعة. لكن على أرض الواقع، خلف غبار البيانات الدبلوماسية الأنيقة وفي أزقة القطاع المدمّر، يدرك الغزيون جيداً حقيقة مريرة: الحرب لم تنتهِ بعد، بل أعادت صياغة أدواتها وتكتيكاتها.

بين هدنة ورقية هشة واستمرار نزيف الدماء والتهجير، تبرز غزة اليوم كبقعة جغرافية تخوض حرباً صامتة وطويلة الأمد، تكاد تكون أشد ضراوة من القصف الجوي المباشر. فهل انتهت الحرب فعلاً أم أنها ما زالت تحيك خيوطها الخفية؟

لم تكن صرخات الناشطين والمواطنين من داخل القطاع مجرد احتجاج عابر، بل كانت توثيقاً حياً بالصوت والصورة لواقع يومي يتناقض كلياً مع مصطلح "وقف إطلاق النار". فمنذ دخول الهدنة الهشة حيز التنفيذ، لم يتوقف سقوط الضحايا والجرحى.

تشير البيانات الميدانية إلى أن الغارات الموضعية والقصف المدفعي المتقطع وتوسيع "المناطق العازلة" ما زالت تقضم مساحات القطاع الضيقة أصلاً. هذا السلوك الميداني يحصر أكثر من مليوني فلسطيني في شريط جغرافي يتقلص يوماً بعد يوم، تحت وطأة تهديدات أمنية مستمرة تجعل من "الهدنة" مجرد إعادة تموضع عسكري لا أكثر.

لا تقتصر الحرب الحالية على القذائف المتفجرة والمواجهات المباشرة؛ فالأداة الأكثر فتكاً التي ما زالت تُستخدم بكفاءة عالية هي الحصار الممنهج وسلاح التجويع.

*شح المساعدات واللوازم الأساسية: يُظهر الواقع اليومي انخفاضاً حاداً في معدلات تدفق الشاحنات المحملة بالمواد الإنسانية ومستلزمات الإيواء، حيث تفرض قيود مشددة تحرم العائلات النازحة من أبسط مقومات البقاء تحت أشعة الشمس الحارقة أو برد الشتاء القارس.

*الانهيار الصحي المستمر: مستشفيات غزة التي دُمّر معظمها لم تجد فرصة حقيقية للتعافي. ومع النقص الحاد في الأدوية والوقود اللازم لتشغيل المولدات، ومنع آلاف الجرحى من السفر للعلاج، تحول "وقف إطلاق النار" إلى حكم إعدام بطيء للمرضى والمصابين.

*ملف إعادة الإعمار المعطل: مع بقاء المعابر شبه مغلقة سياسياً وعسكرياً، تظل عملية إعادة الإعمار مجرد وعود مؤجلة، مما يبقي مئات الآلاف من المواطنين يعيشون في خيام مهترئة أو بين أنقاض بيوتهم المدمرة.

تحيك الحرب خيوطها أيضاً في الأروقة السياسية المغلقة وعبر الشروط التعجيزية التي تفرضها الأطراف المختلفة. ورغم المقترحات العديدة لتشكيل لجان تكنوقراط وطنية لإدارة الشؤون الحياتية واليومية في القطاع، إلا أن العراقيل السياسية واشتراطات السيطرة الأمنية حالت دون تمكين أي سلطة مدنية من العمل بحرية على الأرض.

تكمن العقدة الكبرى في السعي لفرض واقع أمني جديد يتضمن نزع السلاح وفرض رقابة مشددة على حركة الأفراد والبضائع كشرط مسبق لأي عملية سياسية أو تمويل لإعادة الإعمار. هذا الاستعصاء السياسي حوّل الهدنة إلى حالة "لا حرب ولا سلم" يتجرع مرارتها المواطن الفلسطيني في تفاصيل حياته اليومية.

إن القول بأن حرب غزة قد انتهت هو قراءة سطحية لواقع شديد التعقيد. الحرب لم تنتهِ؛ بل تحولت من نمط الهجوم الشامل العنيف إلى نمط الاستنزاف البطيء والموضعي. إنها حرب تُدار اليوم بالتقطير، وبالقضم الجغرافي المستمر، وبتجميد شريان الحياة الاقتصادي والاجتماعي.

لقد أثبتت التجربة أن الاتفاقيات التي لا تضمن رفعاً كاملاً وحقيقياً للحصار، ووقفاً تاماً للانتهاكات الميدانية، وتوفيراً فورياً لمتطلبات الحياة الإنسانية والكرامة البشرية، هي مجرد مسكنات سياسية تخدم أطرافاً خارجية وتترك غزة وحيدة تحترق ببطء خلف ستار الدبلوماسية الدولية.

غزة لم تنتهِ حربها، بل ما زالت خيوطها تُحاك وتلتف حول أجساد أبنائها الصامدين في انتظار فجر حقيقي للحرية والسلام لم يشرق بعد.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط