كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزة بين سندان الدم ومطرقة السياسة

غزة بين سندان الدم ومطرقة السياسة

تاريخ النشر: 2025-08-19 | 14:35

في الوقت الذي يُعلن فيه الجيش الإسرائيلي عن دخول المرحلة التالية من حربه على غزة، بتركيز عملياته على قلب المدينة، تطفو على السطح معضلة وجودية: هل يمكن لحماس وقف هذا الزحف الدموي عبر توقيع اتفاق إنساني؟ أم أن إصرارها على شروطها، رغم الكارثة الإنسانية، يجعلها شريكًا غير مباشر في استمرار المأساة؟ المشهد اليوم يشبه لعبة شطرنج دموية، حيث يُستخدم المدنيون كبيادق في صراع إرادات. فبينما يصر رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير على أن "المعركة الحالية حلقة في خطة طويلة الأمد للقضاء على حماس"، ترد الحركة باتهام إسرائيل بـ"الإبادة الوحشية". لكن الحقيقة الأكثر قسوة هي أن كلا الطرفين يخوضان حربًا وجودية على جثث الغزيين.

المفارقة الصادمة تكمن في أن حماس تملك مفتاح إيقاف هذه المأساة عبر توقيع اتفاق إنساني، لكنها ترفض التنازل عن شروطها السياسية. وفي المقابل، تلجأ إسرائيل إلى سياسة الأرض المحروقة، متذرعة بـ"تحرير الرهائن" بينما تدفع بغزة إلى حافة الهاوية. النتيجة؟ شعب يُباد ببطء، بينما القادة يتبادلون الاتهامات من خلف شاشات التلفزة.

المشهد العسكري اليوم يُشبه مسرحية مأساوية مكتوبة سلفاً. إسرائيل تعلن عن "نجاحات" في عملية "عربات جدعون"، مدعية أنها أفقدت حماس قدراتها العسكرية. لكن الواقع يقول إن المقاومة ما زالت قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي، بينما الجيش الاحتلالي يخوض حرب استنزاف في أزقة غزة الضيقة. الأكثر إثارة للاشمئزاز هو الحديث عن "إدخال خيام" للمشردين، وكأن الأمر يتعلق بكارثة طبيعية وليس بحرب إبادة ممنهجة.

على طاولة المفاوضات، تتحول الدماء إلى عملة مساومة. حماس تعلن قبولها مقترحات الوساطة "بدون تحفظات"، لكنها ترفض التنازل عن ضمانات سياسية تمنع إسرائيل من العودة للقصف لاحقاً. وفي الجانب الآخر، يصر نتنياهو على شروط مستحيلة تشمل "القضاء الكامل على حماس" و"نزع سلاح غزة"، وهو ما يعلم الجميع أنه غير واقعي. المفارقة أن كلا الطرفين يدركان أن الوقت عامل حاسم، لكنهما يقرآنه بشكل معاكس: إسرائيل تسعى لتحقيق "إنجاز سريع" قبل أن تتفاقم الضغوط الدولية، بينما تعوّل حماس على تصاعد الغضب العالمي لفرض تسوية سياسية.

المأساة الإنسانية في غزة تجاوزت كل حدود الخيال. أطفال يموتون جوعاً، مستشفيات تتحول إلى مقابر جماعية، وعائلات تنام تحت الأشجار، الأرقام الرسمية تتحدث المئات من ضحايا المجاعة، والغريب في الأمر أن العالم يشاهد هذه الكارثة وكأنها فيلم وثائقي، بينما تُسقط الطائرات "مساعدات جوية" سخيفة لا تكفي لإطعام عائلة واحدة ليوم واحد.

في الشارع الإسرائيلي، تتصاعد الاحتجاجات المطالبة بـ"صفقة الرهائن"، لكنها تظل احتجاجات أنانية تنظر للمأساة من زاوية ضيقة. المتظاهرون يهتفون من أجل "أبنائهم المخطوفين" بينما يتجاهلون آلاف الأطفال الفلسطينيين الذين قتلتهم آلة الحرب الإسرائيلية. حتى داخل الحكومة الإسرائيلية، ينقسم الساسة بين متطرفين يعتبرون أي حديث عن وقف الحرب "خيانة"، ومعتدلين يدركون أن الاستمرار في القتل لن يحقق إلا مزيداً من الكراهية.

حماس من جانبها تتحمل جزءاً لا يستهان به من المسؤولية. فبينما تدعي الدفاع عن الشعب الفلسطيني، ترفض تقديم تنازلات قد تنقذ ما تبقى من غزة. قيادة الحركة تعيش في عالم افتراضي من الخطابات النارية والشعارات الثورية، بينما الشعب يدفع الثمن من لحمه ودمه. السؤال الذي يفرض نفسه: أين المسؤولية الأخلاقية لقادة يختفون في الأنفاق بينما شعبهم يُباد فوق الأرض؟

الحلول السياسية تبدو بعيدة المنال في هذه الأجواء المشحونة. المجتمع الدولي عاجز عن اتخاذ موقف حاسم، والأمم المتحدة تكتفي بإصدار بيانات الاستنكار. العقوبات على إسرائيل تظل حبراً على ورق، بينما الضغوط على حماس غير كافية لإجبارها على المرونة. في النهاية، يبقى المدنيون هم الوقود الذي يغذي هذه الحرب العبثية.

وفي النهاية، لن يسأل التاريخ عن عدد القتلى في هذه الحرب، بل سيسأل: كيف سمح العالم بتحول غزة إلى ساحة تجارب للقوة والعنف؟ القادة العسكريون والسياسيون في كلا الطرفين سيجدون ملاذًا آمنًا تحت الأرض أو خلف الجدران الفولاذية، لكن الأطفال الذين يموتون جوعًا تحت الأنقاض لن يعودوا. الحل الوحيد الآن هو وقف هذه الآلة الدموية، ليس لأن أحدًا قد انتصر، بل لأن الجميع قد خسر. والسؤال الأصعب: هل سيدرك الطرفان هذه الحقيقة قبل أن تختفي غزة من الخريطة؟.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط