كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزة بين نار الحرب واختبار المسؤولية الوطنية

غزة بين نار الحرب واختبار المسؤولية الوطنية

تاريخ النشر: 2026-01-28 | 13:38

لم تعد جدران الصمت في قطاع غزة قادرة على احتواء أنين الجوعى، ولا زفرات الغضب المكتوم التي بدأت تتحول إلى تموجات واضحة في نسيج مجتمع أنهكته الحرب والحصار وتراكم الأزمات. نحن اليوم أمام مشهد يتجاوز في تعقيداته حدود المواجهة العسكرية التقليدية مع الاحتلال الإسرائيلي، ليدخل مرحلة أكثر خطورة تتعلق بتآكل الثقة بين الحاضنة الشعبية والقوى التي تتصدر المشهد السياسي والعسكري، وعلى رأسها حركة حماس. إن الحالة الراهنة تفرض قراءة تحليلية تتسم بالمكاشفة، بعيدًا عن الشعارات التي لم تعد تسد رمق طفل يتضور جوعًا بين ركام البيوت المهدمة.

في الآونة الأخيرة، ومع اشتداد وطأة الحرب واستخدام الاحتلال سلاح التجويع كأداة ضغط سياسي، برزت إلى السطح تساؤلات شعبية مشروعة حول أولويات الحكم والإدارة داخل القطاع. الأصوات التي تعالت عبر منصات التواصل الاجتماعي، والداعية إلى النزول للشوارع لا يمكن اختزالها في كونها عابرة أو مدفوعة من جهات خارجية، بل هي انعكاس طبيعي لواقع إنساني بلغ حدّ الانفجار الصامت. فقد وصل المواطن الغزي إلى قناعة قاسية مفادها أن كلفة “خيار المواجهة” تُسحب بالكامل من رصيد حياته اليومية، ومن أمنه الغذائي والاجتماعي.

إن الفجوة تتسع يومًا بعد يوم بين الخطاب السياسي والإعلامي الذي يركز على مفردات “الصمود والانتصار”، وبين واقع معيشي يشي بانهيار شبه كامل للمنظومة الخدماتية. النقد الشعبي الموجه لحماس لا يصدر بالضرورة عن موقف أيديولوجي، بل عن شعور عميق بالخذلان؛ إذ يرى كثيرون أن الحركة، بوصفها السلطة القائمة على الأرض، أخفقت في توفير الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية وشبكات الأمان الإنساني، قبل الانخراط في جولات تصعيد واسعة النطاق. هذا التناقض بين الحديث عن الدعم الخارجي والتضامن الدولي، وبين طوابير الخبز وشح الدواء، خلق حالة من الاغتراب المتزايد بين المواطن والسلطة.

على صعيد المفاوضات، تبدو غزة رهينة حسابات معقدة بين أطراف إقليمية ودولية، في معادلة “عضّ الأصابع” التي يدفع المدنيون ثمنها من دمائهم وأقواتهم. وفيما تتمسك حماس بشروطها السياسية في مسارات التفاوض بالقاهرة والدوحة، يتزايد الاحتقان الداخلي في ظل تقارير تتحدث عن تضييق على الأصوات المنتقدة، والتعامل الأمني الخشن مع محاولات الاحتجاج السلمي. وهنا يبرز مأزق أخلاقي لا يمكن تجاهله: كيف يمكن المطالبة بالحرية من الاحتلال، في وقت تُقيَّد فيه حرية التعبير عن الألم داخل القطاع؟

هذه الضغوط الاجتماعية لم تأتِ من فراغ، بل من ملاحظة السكان لما يصفه البعض بازدواجية في إدارة الأولويات، حيث تتوافر إمكانيات لجوانب معينة، بينما تعجز المنظومة نفسها عن تأمين أبسط مقومات البقاء للمخيمات المنكوبة. هذا الواقع دفع المجتمع المحلي إلى ابتكار آليات تكافل ذاتية، من خلال مبادرات شبابية وعائلية لتوزيع الغذاء والدواء بعيدًا عن الأطر الرسمية. وهي مبادرات تعكس صلابة المجتمع الغزي، لكنها في الوقت ذاته تُسلّط الضوء على غياب الدور المؤسسي المطلوب في لحظة مفصلية.

خلال المرحلة المقبلة، ستكون غزة أمام اختبار حقيقي لإعادة تعريف العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم. فلا يمكن لأي حركة تحرر وطني أن تحافظ على شرعيتها وهي تتجاهل الاحتياجات الأساسية للمواطنون، أو تتعامل مع مطالبهم المعيشية باعتبارها عبئًا سياسيًا. إن نقد منهج الإدارة في غزة لا يعني تبرئة الاحتلال، الذي يبقى المسؤول الأول عن الحرب والحصار والدمار، لكنه يعني المطالبة بمراجعة داخلية شجاعة تُعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني بوصفه جوهر القضية لا هامشها.

غزة التي أنهكها الجوع وتعبت من الوعود، لا تنتظر خطابًا أعلى نبرة، بل فعلًا يوقف نزيف المعاناة، قبل أن يتحول الغضب الصامت إلى انفجار لا تُجدي معه القبضة الأمنية ولا الشعارات المؤجلة.

غزة اليوم تقف عند مفترق طرق تاريخي: إما أن يتحول حطامها إلى حجر أساس لمستقبل يقوم على الكرامة والحقوق، أو أن تظل رهينة لمسكنات مؤقتة تؤجل الانفجار الأكبر. وفي نهاية المطاف، لا يبحث الفلسطيني في غزة عن شعارات كبرى، بل عن سقف آمن، ومدرسة لأطفاله، ومستقبل لا يُقاس بعدد السنوات الفاصلة بين حرب وأخرى.

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط