مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

غزة تحت الحصار والنار: اقتصاد على حافة الانهيار وإعمار مؤجل*

غزة تحت الحصار والنار: اقتصاد على حافة الانهيار وإعمار مؤجل*

تاريخ النشر: 2025-06-01 | 10:12

د. سمير أبو مدللة
د. سمير أبو مدللة

منذ أكتوبر 2023، يواجه قطاع غزة ليس فقط حربًا عسكرية هي الأشد والأوسع نطاقًا في تاريخه، بل حربًا مركبة تستهدف بُنية المجتمع الفلسطيني، وتضرب في عمق اقتصاده المحلي، وتُعيد تشكيل الخريطة الديمغرافية على نحو يخدم أهدافًا استراتيجية إسرائيلية قديمة جديدة، تعود جذورها إلى ما يُعرف إعلاميًا بـ"صفقة القرن" أو "خطة ترامب"، وتستكمل فصولها اليوم بغطاء من الصمت الدولي.
إن الواقع الاقتصادي في قطاع غزة اليوم لا يمكن فهمه بمعزل عن هذه السياسات، التي لا تهدف إلى "الردع" أو "الأمن"، كما يروج الخطاب الإسرائيلي، بل إلى تفكيك مقومات الوجود الفلسطيني، ودفع السكان قسرًا نحو النزوح، وإعادة تشكيل الجغرافيا الديموغرافية بما يخدم مشروعًا استعماريًا طويل المدى.
*اقتصاد مُدّمر وناتج محلي يتلاشى*
أكثر من 53000 شهيدًا، 115 ألف جريح وآلاف المفقودين ، ومليونا نازح داخلي، هذا ليس مجرد عدوان، بل مخطط تهجيري موسّع مدعوم بأدوات التدمير الاقتصادي. تشير الوقائع الميدانية إلى أن الاحتلال الإسرائيلي لم يكتفِ بتدمير الأبراج السكنية والبنية التحتية، بل استهدف أيضًا الأسواق المركزية، المصانع، المزارع، محطات الطاقة، المعابر التجارية، والطرق الحيوية، في سياق واضح يهدف إلى إغلاق كل نوافذ الحياة في غزة.
في الوقت الذي يتحدث فيه العالم عن أزمات تضخم وانكماش اقتصادي، تسجّل غزة تراجعًا قاسيًا يتجاوز حدود المؤشرات الاقتصادية المعتادة. فالناتج المحلي الإجمالي في القطاع انكمش بنسبة تفوق 82% خلال عام 2024، ليعكس انهيارًا شبه كامل في الأنشطة الاقتصادية، من الزراعة إلى الصناعة، ومن الخدمات إلى التجارة. وتشير تقديراتنا إلى أن العدوان تسبب بخسائر مباشرة تتجاوز 12 مليار دولار، إضافة إلى أضرار غير مباشرة تُقدر بمليارات أخرى.
قطاع الإنشاءات، الذي كان يشكّل رافعة للتشغيل والتنمية، انهار بنسبة 98%. قطاع الزراعة، الذي يؤمّن الغذاء لمئات الآلاف من الأسر، فقد 41% من أراضيه نتيجة القصف والتجريف، بينما توقفت عجلة الصناعة تمامًا في ظل الحصار ومنع المواد الخام. الاقتصاد الغزي اليوم لا يئن فحسب، بل ينزف على مرأى من العالم، في ظل غياب أي تحرك دولي جاد لوقف العدوان أو كسر الحصار.
*بطالة جماعية وفقر شامل*
البطالة، التي لطالما كانت سمة من سمات اقتصاد غزة المحاصر، تضاعفت لتبلغ 80%، بينما ارتفعت معدلات الفقر إلى أكثر من 91%، وفق أرقام الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. هذه الأرقام لا تعكس مجرد خلل اقتصادي، بل كارثة اجتماعية متكاملة الأركان. إذ يعاني أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع من انعدام حاد للأمن الغذائي، وسط انهيار المنظومة الصحية والتعليمية وندرة المواد الأساسية.
لقد باتت غزة نموذجًا حزينًا لانهيار مركّب: بنية تحتية مدمّرة، قوى عاملة معطّلة، وواقع معيشة يتجاوز الفقر إلى مستويات من الجوع والمجاعة. وترافق ذلك مع شلل في النظام المصرفي، وتوقف عمل البنوك، وانعدام السيولة، ما فاقم من ضعف القوة الشرائية وارتفاع أسعار السلع بنسبة تجاوزت 227%.
*إعمار مُعلّق بين الركام والسياسة*
إعادة إعمار غزة ليست مسألة فنية أو هندسية، بل قضية سياسية بامتياز. فما زال الاحتلال يتحكم في المعابر، ويمنع دخول مواد البناء، ويقيّد حركة المنظمات الدولية، ويستخدم الحصار أداة للابتزاز الجماعي. ورغم مرور أكثر من عام ونصف على بدء العدوان، لا تزال الاستجابة الدولية قاصرة. إذ لم تُنفّذ سوى 30% من تعهدات إعادة الإعمار بعد حرب 2014، فكيف سيكون الحال في ظل دمار يقدّر بـ54 مليار دولار وفق سيناريو التعافي الكامل؟
تكمن خطورة المشهد في أن الإعمار دون مقاربة سياسية عادلة لن يفضي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة. لا يمكن الحديث عن تعافٍ اقتصادي في ظل الحصار، ولا عن تنمية مستدامة دون سيادة وطنية حقيقية. ولأن العدوان الأخير طال 437 ألف وحدة سكنية، فإن مجرد إزالة الركام – المقدر بـ55 مليون طن – تحتاج إلى عامين على الأقل، ما يعني أن الإعمار سيبقى رهينة لتعقيدات سياسية وأمنية عابرة للحدود.
*خطة "ترامب" تهجيرية بثوب اقتصادي*
إن ما نشهده اليوم ليس إلا التطبيق الفعلي لما تنبأنا به منذ إعلان "صفقة القرن" عام 2020، التي نصّت صراحة على أن "حل مشكلة غزة يجب أن يراعي الجوانب الأمنية لإسرائيل، ويمكن أن يتم عبر دعم تنموي في مناطق خارج القطاع". أي بمعنى آخر، تصدير الأزمة خارج الحدود، وتفريغ غزة من سكانها.
فالخطة التي تروّج لها دوائر صنع القرار الإسرائيلي، وبدعم غير معلن من أطراف دولية، تتلخص في التالي:
•    خلق بيئة معيشية طاردة عبر التدمير الكامل للبنية الاقتصادية والصحية والتعليمية.
•    دفع السكان نحو النزوح الداخلي والفقر المدقع، ثم تحفيز موجات هجرة خارجية "اختيارية".
•    ربط الإعمار بالحل السياسي الأمريكي الإسرائيلي، الذي يشترط "التطبيع الكامل" و"التنصل من المقاومة".
بهذا المعنى، يصبح الاقتصاد الفلسطيني في غزة ضحية مباشرة لمخطط سياسي يتجاوز منطق الحروب التقليدية، ليتحول إبادة جماعية وأداة للإخضاع والإخلاء. فنجد أن الاحتلال يستهدف تدمير كل روافع الاقتصاد: الزراعة، الصناعة، التجارة، النقل، الاتصالات. مصانع كاملة جُرفت، أكثر من 3,130 كيلومتر من شبكات الكهرباء دُمرت، 330 ألف متر من أنابيب المياه والصرف الصحي خرجت عن الخدمة. القطاع الصحي دُمّر بنسبة تفوق 90%، والتعليم توقّف لنحو 785 ألف طالب.
كل هذا يجري في إطار جعل الحياة اليومية عبئًا لا يُطاق، والبحث عن بدائل خارج غزة مخرجًا منطقيًا للسكان الذين يُتركون عمدًا في عراء إنساني تام.

*نحو رؤية متكاملة للتعافي*
أمام هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحة لتبني خطة وطنية شاملة لإعادة الإعمار، لا تقتصر على إصلاح المباني، بل تمتد إلى إعادة بناء الإنسان الفلسطيني وتمكينه من الصمود. وتستند هذه الرؤية إلى ثلاث مراحل:
1.    المرحلة الإغاثية الطارئة: تشمل توفير الغذاء والمأوى والخدمات الصحية العاجلة، وتقدّر تكلفتها بـ11.4 مليار دولار.
2.    مرحلة التعافي الاقتصادي والاجتماعي: تمتد لأربع سنوات، وتشمل إصلاح البنية التحتية، ودعم القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم والزراعة، بتكلفة تُقدّر بـ23.7 مليار دولار.
3.    مرحلة الإعمار السكني الكامل: وهي الأكثر تكلفة (18 مليار دولار)، وتشمل بناء وحدات سكنية جديدة وتعويض المتضررين، وقد تمتد لثماني سنوات إذا ما تم إشراك شركات دولية وإقليمية إلى جانب المحلية.
التوصيات: من المأساة إلى الأمل
•    رفع الحصار فورًا، وفتح جميع المعابر بشكل دائم لتدفق السلع والمساعدات والعمالة.
•    إنشاء صندوق دولي مستقل لإعادة الإعمار، بإشراف أممي وفلسطيني، يضمن الشفافية والعدالة في التوزيع.
•    إعادة تأهيل الاقتصاد المحلي من خلال دعم المشاريع الصغيرة، وتحفيز الإنتاج المحلي، واستعادة سلاسل التوريد.
•    الاستثمار في البنية البشرية، لا سيما التعليم والصحة، لضمان تعافٍ مستدام.
•    تعزيز الحوكمة والمساءلة كشرط أساسي لاستمرار الدعم الدولي، وتحقيق العدالة في توزيع الموارد.
*خاتمة*
ليس المطلوب من العالم أن يتعاطف مع غزة، بل أن يتحمل مسؤولياته القانونية والإنسانية. فالمأساة ليست فقط في الدمار، بل في استمرار تجاهل حق الفلسطيني في الحياة والكرامة والسيادة. وبينما ينهار الاقتصاد، ويحاصر الإنسان، تظل غزة، برغم الجراح، تحمل بذور الأمل، وتطالب العالم ألا يكتفي بالمشاهدة.

محاضر في جامعه الأزهر 

عضو المكتب السياسي للجبهه الديمقراطيه
وعضو الامانه العامه لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين

×
أخبار
النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو الأحمد يبحث مع الاتحاد الدولي للنقابات أوضاع العمال الفلسطينيين وكالة الطاقة الدولية: نقص الديزل ربما يستمر حتى عام 2027 رغم "اتفاق روسيا" الخارجية الفلسطينية تدين افتتاح كولومبيا سفارة لدى الاحتلال في القدس المحتلة الحرس الثوري: غرق سفينة حاويات جنوب مضيق هرمز بعد اصطدامها بلغم بحري إدانة عربية وإسلامية لافتتاح كولومبيا سفارةً في القدس وتحذير من مخالفتها للقانون الدولي دبلن: فندق يُلغي حجز 70 غرفة لمشاركين في مؤتمر لمكافحة "معاداة السامية" ترامب يطالب باستبعاد مدعية نيويورك من تحقيق بشأن واقعة جامعة كورنيل الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,392 شهيدا وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط