كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزة تنتصر 61 / معركة الكرامة من جديد

كأنها معركة الكرامة التي دارت رحاها بين المقاومة الفلسطينية على اختلاف فصائلها والعدو الصهيوني، الذي كان يومها مستعلياً متغطرساً، ومتكبراً متعالياً، ومغروراً منفوشاً كطاووس، يظن أنه لا يقهر ولا يهزم، وأن جيشه هو الأقوى والأكبر، والأشد تسليحاً والأكثر تنظيماً، وأن ذراعه طويلة، وقدمه ثقيلة، ويده تبطش، وحليفه جاهز، وعدوه ضعيف، فاجتاز بدباباته الحدود الأردنية، وزج بجنوده في حربٍ مع المقاومة الفلسطينية الناشئة، معتداً بقوته، ومستهتراً بخصمه، متوقعاً أن يجد على الأرض خلاف ما رأى، وعكس ما وجد.

ظن العدو أنه قادرٌ ببساطة على سحق المقاومة، وتدمير ترسانتها العسكرية، وقتل رجالها، وتفكيك تنظيماتها، وإخراجها من الأردن، أو إبعادها عن حدوده، وتلقين الشعب الفلسطيني درساً لا ينساه، لئلا يفكر أبداً في قتاله أو محاربته، ولئلا يهدده بعمليات تسلل، عبر الحدود أو من خلال البحر والنهر، أو بمحاولاتٍ للالتفاف عليه بالدوريات المقاتلة خلف خطوط النار، وهي التي أغاظته يومها لجرأتها وقوتها، وتعدد عملياتها، وتنافس مجموعاتها، وكثرة القائمين عليها، إذ كانت دورياتٌ عسكرية عربية، فيها من المقاتلين العرب ما يوازي غيرهم من الفلسطينيين، الذين تشجعوا لقتال العدو ومواجهته، وكانوا واثقين أنهم قادرين على هزيمته وإيذائه.

قد تشبه الحرب في غزة معركة الكرامة، لجهة تحالف القوى الفلسطينية كلها، ووقوفها في صفٍ واحد، وقتالها في خندقٍ مشترك، وأنها باتت ترمي عدوها عن قوسٍ واحدة، فتوجعه بصواريخها، وتدميه بقذائفها، وتبدو أمامه جبهة واحدة، قوية ومتماسكة في مواجهة جيشه اللجب المعتدي.

أدركت المقاومة أن لديها تصميماً وإرادة على مواجهة العدو وقتاله، وصد عدوانه، ومنعه من تحقيق أهدافه، رغم فارق التسليح، وعدم توازن القوى، والتفوق النوعي، إلا أن الفلسطينيين يعتقدون أنهم أقوياء بحقهم، وأن لديهم من القوة والشجاعة، والجرأة والبسالة والجرأة، والإيمان واليقين، ما يجعلهم قادرين على مواجهة العدو، وصد عدوانه، ومواجهة جيشه، ورد كيده إلى نحره، وإفشال مخططاته، ومنعه من تحقيق ما يتطلع إليه.

في معركة الكرامة نجحت المقاومة الفلسطينية مجتمعة في دحر العدوان الإسرائيلي، وكبدته خسائر كبيرة، ونفذت في سلاح دباباته مجزرة بقيت آثارها لسنواتٍ طويلة، ولعل أحد أهم عوامل نجاح المقاومة في صد العدو، وتلقينه درساً قاسياً، هي حالة الوحدة الصادقة التي ميزتها، فكانوا جميعاً صفاً واحداً في مواجهة العدو، وكانت لهم غرفة عمليات واحدة، وإدارة للمعركة مشتركة، وفريق تنسيق مختص، ما جعلهم ينجحون في صد العدو لأول مرة، وإجباره على العودة من حيث أتى، ليدرس أسباب الهزيمة، ويأخذ العبرة مما حدث.

أصبحت المقاومة الفلسطينية عشية النصر، قطب العرب أجمعين، والتفت حولها الجماهير العربية والفلسطينية، والتحقت بها كادراتٌ فلسطينية وعربية كثيرة، إذ آمن العرب بقوتهم، وأدركوا أنه بالإمكان هزيمة العدو ودحره، وأن مقولة أنه جيش لا يقهر ليست إلا كذبة حاول ترويجها، ودعاية أكثر من استخدامها ليرعب العرب، ويخيف الفلسطينيين، ولكنه عندما نزل إلى الميدان، ووقع في شراك رجال المقاومة الصادقين، وجد نفسه أنه نمرٌ من ورق، وأنه لا يخيف أحداً، وأن جنوده يتساقطون كذبابٍ خنقت أنفاسه، وأن عرباته العسكرية ودباباته المستوردة، باتت تحترق كألعاب أطفال، وتحترق كرسومٍ من ورق.

إنها الحقيقة التي باتت واضحة للعدو قبل المقاومة، أن الشعب إذا اتفق على المقاومة فإنه يكون قادراً على تحقيق ما يريد، فقد أثبتت معركتا غزة والكرامة أن امكانيات الشعب الفلسطيني كبيرة، وقدراته عالية، وإيمانه عميق، وثقته بنفسه بعد الله كبيرة، لكن تعوزه الفرصة، ويلزمه السلاح، ويبحث عن النصرة والإسناد، والتعاون والتعاضد، وهو الذي كان حاضراً بقوةٍ في معركة الكرامة، إذ ساند الجيش الأردني المقاومة الفلسطينية، ودخلت قواتٌ أردنية المعركة معها جنباً إلى جنب، فقاتلت بصدق، وواجهت بصلابة، وتحدت بإرادة، فكان النصر العربي الأول على العدو الصهيوني.

إن ما يلزمنا اليوم في معركتنا مع العدو الصهيوني هو التضامن العربي، والتماسكُ الشعبي، فالمقاومة الفلسطينية قوية لكن يلزمها السلاح، والدعم بالمال، والمساندة في الإعلام، والنصرة في السياسة، إذ أن المعركة ليست كلها عسكرية، وليس ميدانها الأرض والوطن فقط، فالمعركة العسكرية يتكفل بها الأهل، ويتعهد بها الشعب، وهو قادرٌ على خوضها، ولديه الجاهزية للمضي بها، والاستمرار فيها، لكن المعركة العسكرية، التي هي بالنيابة عن الأمة، يلزمها مددٌ بالسلاح، وتزويدٌ بالمال، وحصانةٌ بالسياسة، وترويجٌ بالإعلام.

حرامٌ على الأمة العربية أن تضيع هذه الفرصة، وأن تفلت منها هذه السانحة، إذ أن ثلةً منها قد أوجعت العدو ونالت منه، وهزته بعنف، وأوجعته بألم، وأوقفته عند حده، وأعلمته يقيناً أنه لم يعد متفوقاً، كما لم يعد قادراً على تحقيق ما يريد، فلا نتخلى عن هذه المقاومة، ولا نتركها وحيدة، ولا نجعلها لقمةً سائغةً للعدو يستفرد بها، ويستقوي عليها، رغم أنه لن يستطيع بلعها، ولن يقوَ على المساس بها، لكننا نتطلع إلى انتهاز الفرصة، والاستفادة من القدرة والظرف، إذ ما يتحقق اليوم قد لا يكون سهلاً تحقيقه في المستقبل، وما يعاني منه العدو اليوم قد يتجنبه غداً، ويتعلم ويأخذ منه الدروس والعبر.

ما أشبه اليوم بالبارحة، وما أشبه حرب غزة بمعركة الكرامة، إنهم ذات الرجال الأماجد، ونفس الأبطال المقاومين، وذات الشعب والأمة العظيمة، الذين صنعوا النصر يومها، قد حققوه اليوم على أرض غزة يقيناً، وكما كان ما بعد الكرامة مختلفاً عما كان قبلها، فإن ما بعد الحرب على غزة لن يكون كما كان قبلها، بل سيكون مختلفاً عن الماضي كله، ومغايراً للتاريخ الذي سبق، ففي غزة يسطر الفلسطينيون أولى صفحات النصر، ويعبرون أول طريق العودة، ويضعون أولى لبنات الدولة والوطن الحر السيد المستقل.

الأحد 11:30 الموافق 10/8/2014 (اليوم الخامس والثلاثون للعدون)

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط