كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزة… حرب الزمن والحياة المؤجلة

غزة… حرب الزمن والحياة المؤجلة

تاريخ النشر: 2026-07-29 | 06:57

مصطفى إبراهيم
مصطفى إبراهيم

في غزة، لا تقاس الحرب بعدد الأيام التي مضت، بل بعدد الحيوات التي أُجبرت على الانتظار. انتظار وقف إطلاق النار، وانتظار رغيف الخبز، وانتظار مياه الشرب الشحيحة، وانتظار الدواء والعلاج والسفر، وانتظار عودة الكهرباء التي غابت طويلاً، وانتظار العودة إلى بيت لم يعد قائماً إلا في الذاكرة، وانتظار خبر لا يحمل اسم شهيد جديد.

هنا، لم يعد الزمن مجرد إطار للأحداث، بل أصبح جزءاً من الحرب نفسها، سلاحاً يُستخدم لإطالة المعاناة، واستنزاف المجتمع، وفرض وقائع جديدة على الأرض، فيما تبقى الحياة الفلسطينية مؤجلة إلى موعد لا يعرفه أحد.

وفي غزة، لم يعد السؤال: هل سنموت؟ بل متى وأين، وهل ستكون النجاة اليوم أيضًا مجرد صدفة؟

نعيش كما لو أننا نشارك في لعبة “الروليت الروسي”. صاروخ قد يسقط في أي شارع أو منزل أو سيارة، والنجاة تصبح مسألة حظ لا أكثر. لا أحد يعرف متى يأتي دوره، ولذلك يصبح مجرد الخروج من المنزل مخاطرة يومية.

لكن الخوف من الموت ليس وحده ما يثقل الحياة. هناك القهر، والقهر في غزة ليس مجرد شعور عابر، بل أصبح نمط حياة يومياً. هو الإحساس الدائم بالعجز واليأس والإحباط وقلة الحيلة، حين تدرك أن حياتك ومستقبل أطفالك وكل تفاصيل يومك مرهونة بقرارات لا تملك التأثير فيها.

والأصعب من وصف القهر هو وصف الخوف. ذلك الخوف الذي يجعلك تحسب الطريق الذي ستسلكه، والشارع الذي ستعبره، والمنطقة التي ستذهب إليها، والوقت الذي يجب أن يعود فيه أطفالك إلى البيت. نوصي أبناءنا، ونوصي أنفسنا، ألا نطيل البقاء خارج المنزل، وكأن البيت أكثر أماناً، مع أننا نعرف أن الموت قد يصل إليه أيضاً.

ورغم كل ذلك، يواصل الناس حياتهم. يبحثون عن الطعام والماء والدواء، ويحاولون أن يمنحوا أبناءهم شيئاً من الحياة وسط هذا الخراب. ليس لأنهم اعتادوا الحرب، بل لأنهم لا يملكون خياراً آخر.

ومنذ بداية الحرب، يعيش الفلسطينيون على إيقاع تصريحات متكررة عن "تقدم" في المفاوضات، و"أجواء إيجابية" و”انفراجة وشيكة”، ثم تتبدد هذه الوعود مع كل جولة جديدة، عندما تضيف إسرائيل شروطاً أخرى، أو تتراجع عن تفاهمات سابقة، أو ترفض الانتقال إلى الخطوة التالية. ومع تكرار هذا المشهد، لم يعد الإفراط في التفاؤل يبعث على الأمل، بل أصبح، بالنسبة لكثيرين، مصدرًا إضافياً للإحباط.

المشكلة لم تعد في تعثر جولة تفاوضية هنا أو هناك، وإنما في تحول المفاوضات إلى جزء من إدارة الحرب نفسها. فمنذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، لم تلتزم إسرائيل باستحقاقات الاتفاق، وظلت عمليًا تُبقي الأمور عالقة في المرحلة الأولى، بينما تستخدم الوقت لفرض وقائع جديدة على الأرض، سواء من خلال العمليات العسكرية، أو توسيع مناطق السيطرة، أو تكريس ترتيبات أمنية وسياسية تخدم أهدافها بعيدة المدى.

وخلال هذه الفترة، استمرت المجازر، وتصاعدت سياسة التجويع وتقليص المساعدات الإنسانية، في الوقت الذي واصلت فيه إسرائيل حملتها الدعائية لنفي وجود مجاعة أو أزمة إنسانية، رغم كل الشواهد التي تؤكد العكس. ولم يكن القبول بدخول جهات مثل “هيئة الاستقرار” إلى بعض المناطق تحولاً في السياسة الإسرائيلية، بقدر ما يعكس محاولة لإدارة الواقع في غزة بطريقة تخدم مصالح الاحتلال، من دون إنهاء الاحتلال نفسه أو احترام الحقوق الفلسطينية.

وفي الداخل الإسرائيلي، يبدو عامل الوقت أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالحكومة الإسرائيلية تدرك أن استمرار الحرب يمنحها مساحة للمناورة السياسية، ويؤجل الاستحقاقات الصعبة، ويمنح الائتلاف الحاكم فرصة لخوض المرحلة الانتخابية من دون تقديم تنازلات جوهرية بشأن غزة. وهكذا، يتحول الزمن نفسه إلى أداة سياسية وعسكرية، بينما يبقى الفلسطينيون هم من يدفعون ثمن كل يوم إضافي من الحرب.

وفي المقابل، فإن الفصائل الفلسطينية مطالبة اليوم بتحمل مسؤولياتها الوطنية والأخلاقية، والتحرك الجاد للاستجابة لمطالب الناس. فالناس لم تعد تحتمل المزيد من الشعارات أو الوعود، ولا يمكن اختزال الصمود في مجرد القدرة على التحمل، بينما تغيب الإجابات السياسية عن مستقبلهم. هناك فارق كبير بين إدارة الصمود في مواجهة الاحتلال، وبين إدارة الأزمة من دون أفق سياسي، كما أن هناك فارقاً بين التمسك بالحقوق الوطنية، وبين العجز عن مراجعة التجربة وتجديد الأدوات والمسار بما ينسجم مع حجم الكارثة.

إن القوى التي لم تجر مراجعة حقيقية لتجربتها، ولم تجدد رؤيتها السياسية، تجد نفسها اليوم أمام أسئلة صعبة حول قدرتها على البقاء والتأثير، ليس فقط في مواجهة الاحتلال وسياساته، بل أيضًا في ظل محاولات فرض ترتيبات جديدة على غزة، قد تعيد تشكيل الواقع السياسي والأمني فيها، ومنها مشاريع الإدارة والوصاية التي يجري طرحها تحت عناوين مختلفة. ويبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن الفصائل من إعادة بناء دورها الوطني والسياسي بما يحمي حقوق الفلسطينيين، أم ستجد نفسها أمام واقع تُفرض فيه ترتيبات تستبعدها من المشهد؟

ولا يعني ذلك بأي حال إعفاء الاحتلال من مسؤوليته الأساسية عن الحرب والدمار والجرائم التي ارتُكبت بحق الفلسطينيين، فإسرائيل تتحمل المسؤولية الأولى عن استمرار العدوان وآثاره الكارثية. لكنه يعني أن حجم المأساة يفرض على القوى الفلسطينية، بكل مكوناتها، مراجعة خياراتها وأدائها، والبحث عن مسار يعيد بناء الثقة مع الناس، ويضع حماية الإنسان الفلسطيني وإنهاء معاناته في مقدمة الأولويات.

إن استمرار الحرب، واتساع الدمار، واستنزاف المجتمع الفلسطيني، تفرض على الجميع مراجعات شجاعة ومسؤولة، تضع حياة الناس في مقدمة الأولويات. فالقضية اليوم لم تعد تتعلق فقط بمفاوضات متعثرة، أو بتفاصيل اتفاق لم يُنفذ، بل بمستقبل شعب بأكمله يعيش واحدة من أعظم نكباته الحديثة.

كل يوم يمر لا يعني فقط مزيداً من الوقت الضائع على طاولة المفاوضات، بل يعني مزيداً من القتلى، ومزيداً من الجوع، ومزيداً من الأطفال الذين يكبرون وسط الخوف والقهر، ومزيداً من الحياة التي تُؤجَّل إلى أجل غير معلوم. فالوقت الذي يبدو للبعض مساحة للمناورة السياسية، هو بالنسبة لأهل غزة أيام تُنتزع من أعمارهم ومستقبلهم.

لذلك، لم يعد السؤال الحقيقي: متى ستتوقف الحرب؟ بل: كم سيدفع الفلسطينيون ثمن الوقت الذي يريده الآخرون؟

×
أخبار
مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط