كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غــــــــــــــــزة حين يقف الصبر على عكازين

غــــــــــــــــزة حين يقف الصبر على عكازين

تاريخ النشر: 2025-12-23 | 15:07

عقدتُ النية مع الفجر، وخرجتُ من بيتي في المحافظة الوسطى متجهاً إلى قلب غزة، إلى المدينة القديمة؛ المكان الذي تدور فيه روايتي الجديدة بهدف إعادة شحذ العاطفة والذاكرة لإكمال الرواية، والتي لم أكتب فيها حرفاً واحداً منذ أكثر من أربعة أشهر؛ منذ إصابة ابنتي الوسطى إثر استهدافٍ صاروخي في الشارع الذي اعتادت سلوكه، جفّ الحبر، وصمتت الكلمات، وبقي الوجع يكتبني بدل أن أكتبه، وبقت الرواية ترتعش لعدم اكتمالها.

ركبتُ السيارة المهترئة التي تجرّ خلفها عربةً كأنها ظلّها المتعب. لم أكن في مقعد، بل في العربة الخلفية "المجرور"، حيث يُنقل الناس كما تُنقل الأشياء، بلا أسماء، بلا راحة. جلسنا متلاصقين، أجسادٌ فوق أجساد، كأننا علبة سردين أُغلقت على عجل، لا لأن المكان ضاق، بل لأن الحياة نفسها صارت أضيق.

الطريق الذي كان يُقطع في عشرين دقيقة قبل الحرب، ابتلع ساعةً ونصف الساعة من أعصابنا وأجسادنا. وعورة الطريق لم تكن في الحفر وحدها، بل في الارتجاج الذي كان يطرق العظام طرقاً، وفي الصمت الثقيل الذي يسبق كل مطبّ، وفي العيون التي تعلّمت كيف تتماسك كي لا تبكي.

كنا نهتزّ مع السيارة، ونُقذف مع كل حفرة، نعدّ الزمن بعدد الآلام، ونقيس المسافة بعدد التأوّهات المكتومة، لم يكن أحد يشتكي؛ فالشكوى ترف، ونحن كنا نصلّي فقط أن نصل بسلام.

وحين وصلنا، لم ننزل من العربة، بل سقطنا منها، متعبين، مكسورين، لكن أحياء. نحمل تعب الطريق كما نحمل البلاد كلها: بصمت، وبقليلٍ من الصبر الذي لم يجد مكانًا آخر ليجلس فيه.

وصلتُ الساحة مشياً من مفترق السرايا. بدا المشهد عادياً إن نظرتَ عند مستوى قامات الناس في شارع عمر المختار؛ ازدحامٌ معتاد، حركةٌ لا تنقطع، حياةٌ تصرّ على الظهور. لكن ما إن ترفع رأسك، حتى تدرك الحقيقة العارية: لا مبانٍ قائمة، لا شرفات، لا نوافذ، كل شيء مدمّر، كل شيء جاثٍ على ركبتيه… إلا الصبر، ما زال واقفاً، متكئاً على عكازين.

المحال التجارية مرقّعة بقطعٍ من الشوادر، نايلونٌ مقوّى يحاول ستر العري الفاضح للخراب. واصلتُ المسير حتى نهاية شارع عمر المختار، المطل على الشجاعية؛ ذلك الحي الذي ابتلعته عاصفة متوحشة، كأنه لم يكن. الشجاعية، الاسم وحده بقي شاهداً.

قصر الباشا… أثرٌ بعد عين، هذا المعلم الأثري العريق لم يسلم من آلة الطمس. سوق القيسارية، سوق الذهب، يحاول لملمة جراحه بصعوبة بالغة، نساءٌ يعبرن الزقاق العتيق، لكن لا رائحة فرح. لا عروس جاءت تبتاع ذهبها بكامل هيبتها، ولا ضحكات كانت تملأ المكان. حتى الذهب بدا حزيناً.

قبل قدومي توضأت، ناوياً الصلاة في المسجد العمري، لكن… يا للأسف، لم يعد هناك مسجد، ولا مئذنة، ولا محراب ولا رائحة للمصلين. فهرولتُ نحو سوق الزاوية، حيث شخوص روايتي الذين أعرفهم واحداً واحداً. رأيتُ بائعة الجبنة تخبئ وجهها من الوجع، والإسكافي الذي فقد رجليه في الحرب يجلس صامتاً، كأن الحياة اعتذرت منه ولم تُكمل الجملة.

رائحة الفلافل ما زالت تراقص أنوف المارة القلّة. الخضروات مصطفّة بعناية، كلوحة تشكيلية تتحدى القبح، الزعتر والدُّقة الغزاوية يفوح عبيرهما، وكأنهما يصرخان: نحن هنا.

انعطفتُ يميناً نحو شارع فهمي بيك الحسيني. نعم، هو مدمّر، لكنه يضجّ بالناس، بأحلام الحب، وبذور الأمل. شاورما "الشيخ" الشهيرة ما زالت تتلحف بالشوادر، تحاول الاستمرار بعد دخول اللحوم المجمّدة. وبجوارها بائع المكسرات والحلوى، يوزّع سكراً على مدينةٍ مُرّة.

غادرتُ البلدة القديمة نزولاً باتجاه مقر البلدية الأثري؛ إلى الغرب منه سوق فراس التاريخي الذي تحوّل إلى مكبّ نفايات ضخم؛ رائحته تبتلع مذاق المدينة التاريخي، سرتُ مسرعاً، عيناي تدمعان، وقلبي يلتفت إلى الخلف، كأنه يخشى أن يترك المدينة وحيدة.

عند مفترق السامر، السينما القديمة مدمّرة التي تحمل ذكريات لا تُنسى. لا شيء شدّني من أحزاني سوى رائحة حمص الخزندار الشهير الرابض على مفترق السامر، وجدتني أدخل بلا إرادة، رغم أنني لم أكن جائعاً، التهمتُ ساندويشة حمص شهية لم يتغير مذاقها أعادتني إلى سنواتٍ جميلة، إلى ما قبل الحرب، إلى غزة التي كانت تضحك بلا خوف.

هرولتُ بين الناس الموجوعين، وما إن وصلتُ إلى منتزه البلدية، حتى سمعتُ صوت القصف قريباً… قريباً جداً من المكان الذي كنت أسير فيه.

نعم، غزة لا تموت.

غزة تُصاب، تُنهك، تُثقل بالجراح، لكنها لا تموت.

هي مدينة تعرف كيف تقف، حتى وإن لم يبقَ لها سوى عكازين من صبر.

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط