كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزة خارج الحسابات الكبرى

غزة خارج الحسابات الكبرى

تاريخ النشر: 2026-06-02 | 11:36

تركز وسائل الإعلام على التفاهمات الحالية بين واشنطن وطهران، والتي تتمحور حول تأمين الملاحة في الخليج وضبط الحدود الشمالية لإسرائيل. ووسط هذا الحراك الدبلوماسي، يتصدر لبنان كعنوان أساسي للتهدئة، بينما يغيب قطاع غزة عن طاولات التفاوض، وهو غياب يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يُدار ملف غزة - إن كان يُطرح أصلاً - في كواليس هذه التفاهمات؟ ولماذا صعدت الساحة اللبنانية لتكون العنوان الوحيد للمرحلة الحالية؟

الحقيقة أن المسألة، لا تقف عند حدود الرغبة الأمريكية في فصل الملفات، بل ترتبط بفهم السياسة الإسرائيلية التي لا تتعامل مع غزة كدولة مجاورة ولا ملفاً للسياسة الخارجية يمكن المساومة عليه في صفقات دولية، بل هي قضية داخلية ومسألة أمنية بحتة تخص الأرض والسكان معاً. من هنا نفهم سبب إصرار الاحتلال على عزل القطاع عن أي مظلة إقليمية أو دولية، وسعيه لفرض واقع ميداني دائم عبر السيطرة على أكثر من 60% من مساحة قطاع غزة. وتأتي الدعوات الحالية للعودة إلى ممر "نتساريم" ومحور "فيلادلفيا"، بهدف تحويل غزة إلى منطقة أمنية مغلقة، تخضع كلياً لإدارة عسكرية مباشرة.

وفي نقاشات اليوم التالي للحرب، يظهر هذا التوجه بوضوح من خلال الرفض الإسرائيلي القاطع لدخول اللجنة الإدارية إلى قطاع غزة، بهدف قطع الطريق على أي مسار دبلوماسي برعاية دولية، وتجريد القضية الفلسطينية من بعدها السياسي، وتحويل غزة إلى مجرد أزمة معيشية وإنسانية معزولة تحت رحمة السيطرة العسكرية. وهذا جوهر السياسة التي تبناها نتنياهو لسنوات طويلة قبل الحرب؛ حيث قامت رؤيته على تعزيز سلطة حركة حماس وتمكينها من إدارة قطاع غزة عبر تسهيل تدفق الأموال والمنح الخارجية لها.

لم يكن هذا الدعم تسهيلاً إنسانياً، بل كان تكتيكاً مدروساً لتثبيت الانقسام وجعله حقيقة واقعة؛ وهو ما منح نتنياهو لسنوات طويلة الذريعة التي يرفعها أمام المجتمع الدولي للادعاء بعدم وجود شريك فلسطيني موحد، لينجح بذلك في إحباط الجهود الدولية ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافياً.

هذا الفصل بين ما تراه إسرائيل شأناً محلياً وما تراه إقليمياً، يفسر بوضوح سبب الاكتفاء بذكر لبنان في التفاهمات الحالية؛ فالساحة اللبنانية تمتلك دولة، وجيشاً، وطرفاً ميدانياً منظماً متمثلاً في حزب الله، وهو ما يسهل على المجتمع الدولي صياغة اتفاقات حدودية تستند لقرارات أممية كالقرار 1701. في المقابل، يرفض الاحتلال تقديم أي تنازل مشابه في غزة ويعطل آليات مجلس السلام، لأن أي ترتيب دولي هناك سيعني حتماً الاعتراف بكيان أو شريك فلسطيني موحد، وهو ما ينسف الرؤية الإسرائيلية من جذورها.

يضاف إلى ذلك الحسابات الأمريكية التي ترى في الجبهة اللبنانية خطراً عسكرياً قادراً على تفجير حرب إقليمية شاملة تمس مصالح واشنطن الحيوية، مما يجعل نزع فتيل الشمال أولوية قصوى تمنح الإدارة الأمريكية إنجازاً سريعاً وملموساً.
وفي عمق هذه المعادلات، تبرز الحسابات العقائدية والأيديولوجية التي تحكم تحالفات طهران، لتكشف التمايز الكبير في تعاملها مع الملفين. فحزب الله في لبنان ليس مجرد حليف، بل هو امتداد عضوي مباشر للنظام الإيراني تحت مظلة ولاية الفقيه، مما يجعل الحفاظ على بنية الحزب واستقراره قضية أمن قومي إيراني عليا لا تقبل أي مساومة.

على الجانب الآخر، تظل علاقة إيران مع حركة حماس تحالفاً استراتيجياً محكوماً بتلاقي المصالح؛ إذ وفّرت غزة لطهران لسنوات طويلة بوابة للحضور في الشارع العربي والإسلامي وأوراق ضغط إقليمية قوية. لكن غزة في لحظة التفاهمات الكبرى وحسابات الربح والخسارة مع واشنطن، لا تحظى بذات الحصانة التي تتمتع بها الساحة اللبنانية، وهو ما يفسر في نهاية المطاف كيف تقاطعت مصالح القوى الكبرى على إبراز لبنان كمسرح لترجمة خفض التصعيد الإقليمي نظراً لجهوزية ترتيباته السياسية.

أمام هذا المشهد، يُترك قطاع غزة لمسار منفصل، تستثمر فيه إسرائيل انشغال الجبهات الإقليمية لتطبيق مخططاتها، ما لم يجرِ تدارك الموقف بحراك سياسي ودبلوماسي تقوده منظمة التحرير، بالتوازي مع مرونة حقيقية من حركة حماس لسحب هذه الأوراق من يد الاحتلال.

لكن سلوك حركة حماس الحالي يعكس، للأسف، عدم تقدير لخطورة هذا المخطط أو لأبعاد العزلة السياسية المفروضة على القطاع؛ فغياب الرؤية الشاملة للتحولات الإقليمية جعل غزة تواجه الاستفراد العسكري بمفردها. وفي نهاية المطاف، يدفع أهل غزة ثمن هذه الحسابات من دمائهم ومستقبلهم، في وقت تواجه فيه القضية الفلسطينية برمتها خطر خسارة مكتسباتها الوطنية وتحويل تضحيات الشعب إلى مجرد أرقام على طاولات التفاوض الإقليمي.

وما يؤكد خطورة اللحظة الحالية، تحذير الوسطاء لحركة حماس من أن إسرائيل عازمة على العودة إلى الخيار العسكري، في حال أصرت الحركة على رفض الورقة المطروحة المتعلقة بمسألة نزع السلاح. هذا يؤكد أن الوقت المتاح للمناورة قد انتهى.

إن استمرار حركة حماس على النهج ذاته والتمسك بذات الأدوات والمقاربات بمعزل عن المظلة الوطنية الموحدة، سيمنح الاحتلال الذريعة لتعطيل ملف إعادة الإعمار وإبقائه مجمداً، واستمرار معاناة سكان القطاع الذين يتجرعون مرارة الحصار والنزوح يومياً. والأخطر من ذلك، سيمنح إسرائيل المادة السياسية الجاهزة لتقديم غزة ككيان منفصل، مما يهدد بالقضاء نهائياً على مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة.

إنقاذ ما تبقى من غزة ومن القضية الفلسطينية يتطلب اليوم تحولاً جذرياً وشجاعاً في مقاربة حماس السياسية والميدانية. لم يعد الوقت يسمح بالرهان على جبهات إقليمية أثبتت التفاهمات الدولية أنها تبحث عن مصالحها أولاً؛ بل إن الواجب الوطني يفرض على الحركة العودة الفورية وغير المشروطة إلى مظلة الشرعية الفلسطينية المتمثلة في منظمة التحرير والسلطة الوطنية المعترف بها دولياً.

إن الانخراط في حوار وطني جاد يجب أن ينطلق من ثوابت لا تقبل التأويل: سلطة وطنية واحدة تمثل الكل الفلسطيني، سلاح شرعي واحد تحت مظلة القانون، وقرار وطني موحد يملك وحده تحديد خيارات السلم والحرب. هذا التوحد هو الخطوة الوحيدة القادرة على إعادة دمج غزة في المشهد السياسي الدولي، وقطع الطريق على مشاريع التفتيت.

والخطوة الأكثر إلحاحاً اليوم لحماية الأرواح، هي إنهاء الحجج التي تتذرع بها إسرائيل أمام المجتمع الدولي لاستمرار عدوانها وحصارها وبقائها العسكري في القطاع. إن تقديم المصلحة العليا للشعب الفلسطيني وإفشال مخطط التهويد يتطلب شجاعة سياسية تُجبر العالم على تفعيل اتفاقات وقف النار والتعامل مع غزة والضفة ككيان سياسي واحد لا يقبل القسمة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط