كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزة ليست صندوقاً للتسوّل حين تتحوّل الدماء إلى تجارة والأوجاع إلى أرصدة بنكية

غزة ليست صندوقاً للتسوّل حين تتحوّل الدماء إلى تجارة والأوجاع إلى أرصدة بنكية

تاريخ النشر: 2026-06-10 | 11:33

في غزة، لم تعد المأساة عند البعض مجرد كارثة إنسانية تستدعي النجدة، بل تحولت إلى سوق مفتوحة يتاجر فيها تجار الشعارات بدماء الضحايا، ويحوّل فيها الانتهازيون آلام المنكوبين إلى أرصدة مالية ومصادر نفوذ وسلطة.
هناك من اكتشف أن الجوع يمكن أن يصبح مشروعاً استثمارياً، وأن الدموع تدرّ الأرباح، وأن صور الأطفال المنتشلين من تحت الركام قادرة على فتح خزائن العالم واستدرار ملايين الدولارات باسم الإنسانية والدين والوطن. لكن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في سقوط الضحايا، بل في أولئك الذين وجدوا في الضحية وسيلة للثراء، وفي الكارثة باباً واسعاً للنفوذ والامتيازات.
يقفون أمام الكاميرات بثياب الوعظ والوطنية، يتحدثون عن الصبر والثبات والتضحية، ويملؤون الشاشات بالخطب الرنانة والعبارات المنمقة. لكن خلف تلك الوجوه المصطنعة تختبئ حقيقة أكثر قسوة؛ حقيقة أناس تعلموا كيف يحوّلون معاناة شعب كامل إلى تجارة رابحة لا تعرف الخسارة.
إنهم يشبهون الثعلب الذي ارتدى عباءة الناسك، فصدّقه البسطاء وظنوا أنه جاء هادياً وناصحاً، بينما كان يبحث عن فريسته بين الجموع. كلماتهم عسل يقطر على الأسماع، أما أفعالهم فسمّ يسري في جسد القضية ويستنزف ما تبقى من ثقة الناس وأحلامهم.
لقد فتحت الشعوب العربية والإسلامية، بل وشعوب كثيرة في العالم، قلوبها قبل أيديها لغزة. تبرع الفقير من قوت أطفاله، وتقاسم المحتاج لقمة خبزه مع أهل القطاع، إيماناً منه بأن المال سيصل إلى الأرملة التي فقدت معيلها، واليتيم الذي فقد والديه، والجريح الذي ينتظر دواءً ينقذ حياته، والأسرة التي باتت تفترش الأرض وتلتحف السماء.
لكن السؤال الذي يرفض أن يموت، ويطارد الضمائر قبل العقول:
أين ذهبت تلك الملايين؟
كيف بقيت آلاف العائلات بلا مأوى؟
كيف ظل المرضى ينتظرون العلاج؟
كيف بقيت الأرامل يصارعن الجوع والعوز؟
كيف بقي اليتامى يفتشون عن كفالة تحفظ لهم كرامتهم؟
أسئلة موجعة لا تستطيع الخطب الإجابة عنها، ولا تستطيع البيانات الرسمية دفنها تحت ركام الشعارات.
إن دماء الشهداء ليست بضاعة في سوق السياسة، وجراح المصابين ليست مشروعاً مالياً، ودموع الأمهات ليست مادة دعائية، وآهات الأسرى ليست وسيلة لبناء النفوذ وتكديس الثروات.
غزة ليست شركة استثمارية، وليست مزرعة خاصة يتقاسم المنتفعون عائداتها، وليست منجماً مفتوحاً لمن احترفوا المتاجرة بالألم الفلسطيني. غزة قضية شعب دفع من دمائه ما يكفي ليكون أقدس من أن يُستغل، وأشرف من أن يُباع في أسواق السماسرة.
لقد آن الأوان لكشف ثقافة الاسترزاق من الكارثة، تلك الثقافة التي ترى في النكبة موسماً للحصاد، وفي الدم فرصة للربح، وفي المأساة سلّماً للصعود نحو الشهرة والسلطة والثروة.
ومن هنا، فإن من حق الشعوب التي دعمت غزة ووقفت إلى جانبها أن تسأل، وأن تعرف، وأن تطالب بالشفافية والمحاسبة. من حقها أن تعرف أين ذهبت أموالها، وكيف أُنفقت، ومن استفاد منها، ومن بقي جائعاً رغم تدفق المساعدات.
وإلى الشعوب العربية والإسلامية، وإلى أحرار العالم في الشرق والغرب، نقول:
لا تجعلوا عاطفتكم وحدها دليلكم. ادعموا شعب غزة، لكن طالبوا بالشفافية. ساندوا المنكوبين، لكن اسألوا عن مصير أموالكم. لا تسمحوا لأحد أن يحتكر الحديث باسم شعب كامل أو أن يحوّل مأساته إلى وسيلة للإثراء والنفوذ.
فغزة ليست ملكاً لأحد، وليست وكالة حصرية بيد أحد، وشعبها أكبر من كل المتاجرين بدمه وآلامه.
أما اللصوص وتجار المعاناة، فقد ينجحون في خداع الناس لبعض الوقت، وقد يخفون الحقائق خلف جدران الدعاية، لكن التاريخ لا يرحم، وذاكرة الشعوب لا تموت، والحقائق مهما طال إخفاؤها لا بد أن تخرج إلى النور.
وستبقى غزة جريحة، نعم... لكن الجرح الأخطر ليس ما صنعته القذائف وحدها، بل ما صنعته الأيدي التي حولت وجعها إلى تجارة، ودماء أبنائها إلى مشروع رابح، ومعاناتها إلى حسابات بنكية تتضخم كلما ازداد نزيفها.
وحين تُفتح دفاتر الحساب يوماً، سيعرف الجميع من وقف مع غزة حباً وإنسانية، ومن وقف عند بوابة جراحها تاجراً وسارقاً ومتكسّباً.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط