كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزة ما بين "اقتصاد الندرة" و"التهريب المدار"

غزة ما بين "اقتصاد الندرة" و"التهريب المدار"

تاريخ النشر: 2026-02-06 | 07:58

حسن لافي
حسن لافي


لا يمكن فهم ما جرى في قطاع غزة خلال الحرب الأخيرة باعتباره مجرد حصار عسكري أو أزمة إنسانية طارئة. ما تكشّف تدريجيًا هو نظام إدارة شامل للحياة، يقوم على ضبط الغذاء والدواء والوقود كأدوات سياسية وأمنية. ضمن هذا النظام، لم تكن التجارة السوداء، من خلال سرقة المساعدات، والتهريب، ظواهر هامشية، بل تحوّلت إلى آلية وظيفية لإدامة منطق الحصار .
التحوّل المفصلي في هذا الفهم جاء مطلع عام 2026، عندما كشفت إسرائيل قضية تهريب بضائع شارك فيها جنود احتياط وضباط، استخدموا آليات عسكرية وبوابات عملياتية لإدخال بضائع إلى غزة خلال الحرب. هذه القضية لم تضف معلومة جديدة فحسب، بل كشفت أن التهريب كان جزءًا من منظومة السيطرة نفسها، وليس خرقًا لها.

الحصار وإدارة الندرة

الحصار على غزة لم يُصمَّم لإغلاق القطاع بالكامل، بل لإبقائه في حالة ندرة مُدارة. فالسلع لا تختفي، لكنها تصبح محدودة الوصول، مرتفعة السعر، ومحصورة بيد قلة من الوسطاء. هذه الندرة تخلق اعتمادًا اقتصاديًا مباشرًا على عدد محدود من الفاعلين، مما يضمن بقاء المجتمع هشًا دون انهيار كامل، ويحافظ على قدرة إسرائيل على إدارة القطاع بعيدًا عن التدخل الدولي المباشر .
وقد أشار تقرير الأونكتاد لعام 2025 إلى أن اقتصاد غزة انكمش بنسبة 83% في عام 2024، وأن القيود المفروضة على التجارة والحركة والوصول إلى الموارد أدت إلى تفكيك القاعدة الإنتاجية وخلق تبعية كاملة للمساعدات الخارجية.

التهريب كآلية ضبط

في هذا السياق، لا يمثل التهريب فشلًا أمنيًا، بل قناة اختيارية لإدارة التدفق. فالمعابر المفتوحة والرقابة الدولية تُقلص قدرة السيطرة، بينما يوفّر التهريب الانتقائي مزايا حصر مسارات الدخول، تقليص عدد الفاعلين، خلق تبعية اقتصادية، وضبط الأسعار والاستهلاك .
قضية تهريب الجنود الإسرائيليين تجسّد هذا المنطق عمليًا: البضائع لم تدخل عبر شبكات خارج السيطرة، بل من داخل النظام العسكري نفسه، مستخدمة أدوات مخصصة للحصار. هذا يظهر سيطرة انتقائية متعمدة وليس غيابها 

دور السلع المهربة.

تشير لوائح الاتهام في قضية التهريب إلى تهريب سجائر، تبغ، أجهزة اتصال وهواتف ذكية . هذه السلع ليست عشوائية، بل تمثل العمود الفقري لاقتصاد الندرة: فهي عالية الربحية، غير خاضعة للتوزيع السكاني، سهلة التخزين والتداول، ومركزية لبناء النفوذ الاجتماعي. اختيار هذه السلع يؤكد أن الهدف ليس تلبية احتياجات إنسانية، بل إعادة تشكيل السوق بما يخدم الاستراتيجية الأمنية.

الحرب الشاملة: الاقتصاد كساحة للصراع

إسرائيل لم تقتصر على الضربات العسكرية، بل أدارت حربًا على البنية الاقتصادية: المصانع، الورش، الأراضي الزراعية، شبكات التوزيع ومصادر الطاقة كانت أهدافًا استراتيجية. الهدف ليس التدمير فحسب، بل إعادة هندسة أدوات الإنتاج والسيطرة على المجتمع. اعتماد السكان على السوق الضيقة والوسطاء يخلق بنية اجتماعية قابلة للإدارة والتحكم، ما يحول الصراع من مواجهة سياسية مباشرة إلى إدارة اقتصادية حياتية، ويجعل المجتمع أكثر هشاشة واعتمادًا على سلطات محددة .

التهريب كأداة استراتيجية وإطالة أمد الحرب

القضية تظهر أن الأمن الإسرائيلي كان على علم بأن السلع المهربة تُفرض عليها ضرائب تعود إلى خزينة حماس. عدم التدخل الفوري يمكن تفسيره بوظيفة استراتيجية: خلق شبكات تبعية اقتصادية يمكن مراقبتها، ضمان استمرار عمل المؤسسات الأساسية في القطاع دون انهيار كامل، وإدارة التمويل الجزئي لحماس بما يطيل أمد الحرب دون تمكينها اقتصاديًا كاملاً. التهريب هنا ليس مجرد فساد فردي، بل أداة لإدارة الصراع، تُبقي غزة تحت رقابة صارمة، وتحدد من يملك الموارد، وتسمح بضبط الحياة اليومية للسكان

ضبط المجتمع عبر السوق.

اقتصاد التهريب يسمح بتوجيه المجتمع عبر السوق نفسه، حيث يخلق حصر السلع بيد عدد محدود من الوسطاء: نخب اقتصادية بلا شرعية سياسية، علاقات تبعية قائمة على الحاجة لا على التمثيل، وتفكك اجتماعي يحل فيه الصراع المعيشي محل الفعل السياسي. من منظور أمني، هذا أكثر فاعلية من المواجهة المباشرة، لأنه يحافظ على المجتمع هشًا، قابلًا للإدارة، ومستعدًا للتبعية.

قضية تهريب الجنود تكشف أن الحصار ليس مجرد ضغط عسكري، بل إدارة استراتيجية للحياة الاقتصادية والاجتماعية في غزة. التهريب، السوق السوداء، وسيطرة النخب المحدودة ليست آثارًا جانبية، بل أدوات وظيفية للحفاظ على الهيمنة. ما يثير الانتباه هو أن هذا النموذج قد يشكل أساسًا لاستمرارية إدارة الصراع على المدى الطويل، إذ يتحكم في الموارد، يوجه المجتمع، ويجعل السكان أكثر اعتمادًا على شبكات محددة، مما يعكس كيف يمكن للحصار أن يتحول إلى أداة هندسة اجتماعية وسياسية أكثر تعقيدًا من مجرد حرب عسكرية.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط