كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزة والانتخابات التشريعية... اختبارُ الجاهزية قبل استحقاق الصندوق

غزة والانتخابات التشريعية... اختبارُ الجاهزية قبل استحقاق الصندوق

تاريخ النشر: 2026-08-16 | 10:50

سامي إبراهيم فودة
سامي إبراهيم فودة

إلى قيادة حركة فتح، بكل ما تحمل الكلمة من مسؤولية، وبكل ما يفرضه الظرف الراهن من قراءةٍ هادئةٍ وعميقة للمشهد:

ليست القضية في مبدأ الانتخابات، ولا في حق شعبنا في اختيار ممثليه، وإنما في الجاهزية لخوض هذا الاستحقاق في توقيته وظروفه الراهنة. فالانتخابات ليست صناديق اقتراعٍ فقط، وليست مهرجانًا تنظيميًا عابرًا؛ إنها اختبارٌ حقيقي للمزاج الشعبي، ولقدرة التنظيمات على قراءة الشارع، وإقناع الناس، واستعادة ثقتهم.

وغزة اليوم ليست غزة التي عرفناها قبل الحرب.

غزة مدينةٌ مثقلةٌ بالركام والوجع والفقد والنزوح، وذاكرتها القريبة ما زالت تنزف. شعبٌ عاش أقسى صور الموت والجوع والتهجير، وشعر في مراحل كثيرة أنه تُرك وحيدًا في مواجهة مصيره. ولذلك فإن أي قراءة انتخابية جادة لا يمكن أن تبدأ من مكاتب التنظيم، بل يجب أن تبدأ من نبض الناس، ومن الشارع، ومن البيوت التي فقدت أبناءها، ومن القواعد التي أنهكها الانتظار والإحباط.

وهنا تحديدًا تكمن المسألة.

هل نحن جاهزون فعلًا؟

ليس المطلوب أن نُعلن عن حالة تعبئةٍ تنظيمية لأن الاستحقاق الانتخابي اقترب، ثم نكتشف عند الصندوق أن التعبئة كانت في الأوراق أكثر منها في النفوس.

فحتى القاعدة الفتحاوية، وصولًا إلى المستويات التنظيمية الأعلى، تحتاج اليوم إلى مراجعةٍ صريحة وواقعية: هل الكادر مقتنع؟ هل يستطيع إقناع الناس؟ هل يمتلك خطابًا يلامس جراح غزة؟ وهل يستطيع أن يذهب إلى المواطن ويقول له بثقة: نحن نعرف ماذا حدث، ونعرف ماذا تريد، ونملك إجابةً للمستقبل؟

هذه الأسئلة ليست ترفًا تنظيميًا، بل هي جوهر المعركة الانتخابية.

ولعل تجربة انتخابات دير البلح تستحق أن تُقرأ باعتبارها مؤشرًا سياسيًا وتنظيميًا، لا باعتبارها مجرد نتيجة محلية. فالانتخابات المحلية كثيرًا ما تكشف ما لا تستطيع الاجتماعات المغلقة أن تراه، وتُظهر المسافة الحقيقية بين التنظيم والشارع.

وفي المقابل، هناك تحالفات وتقاطعات تتشكل، وهناك قوى وشخصيات تسعى إلى استثمار حالة الغضب والإحباط. ومن الخطأ أن تراهن فتح على رصيدها التاريخي وحده، أو أن تفترض أن اسم الحركة قادرٌ بمفرده على استعادة الثقة.

التاريخ يمنح الحركة مكانتها، لكنه لا يمنحها أصوات الناخبين إلى الأبد.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تدخل فتح الانتخابات وهي تتعامل مع غزة كما لو أن شيئًا لم يتغير، بينما تغير كل شيء تقريبًا: الناس، والظروف، والمزاج، والأولويات، والأسئلة، وحتى مفهوم الناخب لما يريده من ممثله القادم.

ومن هنا، فإن التحذير ليس من الانتخابات، وإنما من الدخول إليها دون جاهزية حقيقية.

لا أكتب هذا الكلام خصومةً مع أحد، ولا اعتراضًا على مبدأ الاستحقاق الانتخابي، بل من موقع الحرص على فتح ومشروعها الوطني، وعلى ألا تتحول الانتخابات من فرصة لاستعادة الثقة إلى محطةٍ تزيد الفجوة بينها وبين جمهورها.

فالقيادة الحكيمة لا تسأل فقط: متى نذهب إلى الصندوق؟

بل تسأل قبل ذلك:

هل القاعدة جاهزة؟

هل الكادر قادر على الإقناع؟

هل الشارع مستعد لسماع خطابنا؟

هل فهمنا حجم الجرح الذي تركته الحرب؟

وهل قدمنا للناس ما يجعلهم يمنحوننا ثقتهم من جديد؟

غزة لا تحتاج اليوم إلى شعاراتٍ انتخابية بقدر ما تحتاج إلى خطابٍ صادق، ومراجعةٍ شجاعة، واعترافٍ بحجم الألم، واستعادةٍ حقيقية للثقة.

فالناخب الغزي لن يدخل إلى صندوق الاقتراع بعقلٍ منفصل عن ذاكرته؛ سيدخل ومعه صور الشهداء، وبيوتٌ مهدمة، وذكريات النزوح، وأسئلةٌ كثيرة عن السنوات التي عاشها تحت النار والحصار والخوف.

وهذا هو اختبار الجاهزية الحقيقي.

فإذا كانت فتح تريد خوض الاستحقاق الانتخابي في غزة، فعليها أولًا أن تخوض معركةً أخرى: معركة استعادة ثقة أبنائها وجمهورها.

لا يكفي أن نطلب من القاعدة أن تُعبّئ الناس؛ ينبغي أولًا أن نُعبّئ القاعدة بالأمل والثقة والقدرة على الإقناع.

ولا يكفي أن نطلب من المواطن أن يمنح صوته؛ ينبغي أن نعطيه سببًا مقنعًا ليمنحه.

فالانتخابات يومٌ في التقويم، لكن نتائجها قد تصنع سنواتٍ كاملة من المستقبل.

ولهذا، فإن التريث في قراءة الواقع ليس تراجعًا، والاستماع إلى القواعد ليس ضعفًا، ومراجعة الجاهزية ليست خوفًا من الصندوق.

بل هي عين المسؤولية.

غزة تستحق أن نقرأها كما هي، لا كما نتمنى أن تكون.

وفتح تستحق أن تدخل أي استحقاقٍ انتخابي وهي واثقةٌ من قواعدها، قادرةٌ على إقناع جمهورها، ومتصالحةٌ مع أسئلة الناس.

فالسؤال الحقيقي اليوم ليس: هل نذهب إلى الانتخابات؟

بل:

كيف نذهب إليها ونحن نملك ما يكفي من الجاهزية والثقة والإقناع لنخرج منها أقوى، لا أكثر انقسامًا وضعفًا؟

وهنا تبدأ مسؤولية القيادة، وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط