كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزة وحسابات نتنياهو الانتقامية

غزة وحسابات نتنياهو الانتقامية

تاريخ النشر: 2026-06-17 | 08:31

مصطفى إبراهيم
مصطفى إبراهيم

على وقع الأنباء المتداولة عن قرب التوصل إلى إعلان مبادئ بين الولايات المتحدة وإيران، تسود حالة من الخذلان والغضب داخل إسرائيل، فيما يبدو أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يعيش واحدة من أصعب مراحله السياسية. نتنياهو الذي استثمر سنوات طويلة في التحريض ضد أي تفاهم مع طهران يجد نفسه أمام مسار سياسي يتشكل رغم معارضته، وفي ظل مؤشرات متزايدة على تراجع قدرته على التأثير في القرارات الأميركية.

في الوقت نفسه، تتحدث وسائل إعلام إسرائيلية عن أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب منع إسرائيل من تنفيذ عملية عسكرية واسعة في قطاع غزة، بينما يواصل الجيش الإسرائيلي توسيع نطاق سيطرته الميدانية في القطاع، لتصل المساحات الخاضعة لسيطرته إلى نحو 70% من مساحة غزة. وفي ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية خلال الأشهر المقبلة، وتراجع مكانة نتنياهو في بعض استطلاعات الرأي، تبدو الحاجة ملحة بالنسبة له للبحث عن إنجاز يعوض الإخفاقات السياسية والإقليمية المتراكمة.

ولا يقتصر الأمر على غزة. فالحكومة الإسرائيلية تواصل الدفع بخطوات استيطانية خطيرة في الضفة الغربية المحتلة، في محاولة لإرضاء قاعدتها اليمينية وإعادة توجيه النقاش الداخلي نحو ملفات تخدم أجندتها السياسية. إلا أن غزة تبقى الساحة الأكثر هشاشة والأقل كلفة بالنسبة لنتنياهو، والأكثر قابلية للاستخدام في معاركه السياسية الداخلية.

وفي مقابل هذا المشهد، تحمل المباحثات الجارية في القاهرة بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء مؤشرات مختلفة. فالتقارير المتداولة تتحدث عن أجواء إيجابية وتقدم في عدد من القضايا المتعلقة بترتيبات اليوم التالي للحرب، بما في ذلك ملفات الإدارة والأمن وإعادة الإعمار. ورغم استمرار الخلاف حول قضية السلاح، فإن ما يبرز من هذه المباحثات هو وجود أرضية سياسية يمكن البناء عليها إذا توفرت الإرادة اللازمة لدى الأطراف المختلفة.

بالنسبة لنتنياهو، لا تكمن الخطورة في بنود خارطة الطريق أو في تفاصيل ملف السلاح بحد ذاته، بل في أن أي تقدم سياسي يعني اقتراب لحظة الحسم بشأن مستقبل الحرب. فالحرب التي تحولت إلى أداة لإدارة أزماته الداخلية والخارجية قد تصبح عبئاً إذا فُرض عليه الانتقال إلى مرحلة ما بعدها. ولذلك فإن أي حديث عن ترتيبات سياسية أو تفاهمات جديدة لا يُنظر إليه في إسرائيل من زاوية إنهاء معاناة غزة فقط، بل من زاوية تأثيره المباشر على مستقبل نتنياهو السياسي.

فنتنياهو لا يخشى فقط فشل الحرب، بل يخشى أيضاً نجاح أي بديل للحرب. لأن نجاح مسار سياسي أو تفاهمات جديدة في غزة سيقود تلقائياً إلى طرح أسئلة صعبة داخل إسرائيل: إذا كان بالإمكان الوصول إلى هذه التفاهمات الآن، فلماذا استمرت الحرب كل هذا الوقت؟ ولماذا قُتل هذا العدد الهائل من الفلسطينيين والإسرائيليين؟ ولماذا لم تتحقق الوعود بالقضاء على حماس أو إعادة الأسرى بالقوة؟

من هنا، لا يتمثل التحدي الأكبر الذي يواجهه نتنياهو في الاتفاق الأميركي الإيراني أو في تراجع مكانته السياسية داخلياً فحسب، بل في ظهور مؤشرات على إمكان الدفع نحو مسار سياسي في غزة. فالتقدم الذي تتحدث عنه الأطراف المشاركة في مباحثات القاهرة يعني الانتقال التدريجي من منطق الحرب المفتوحة إلى البحث في ترتيبات اليوم التالي، وهذه تحديداً هي اللحظة التي يخشاها نتنياهو. لأن أي تقدم نحو وقف الحرب أو إعادة الإعمار أو إعادة تنظيم إدارة القطاع سيعني فتح نقاش داخلي إسرائيلي حول جدوى الحرب الطويلة وأهدافها التي لم تتحقق.

وبالنسبة إليه، فإن إنهاء الحرب من دون تحقيق ما سماه “النصر الكامل” لا يشكل مخرجاً سياسياً، بل قد يتحول إلى لائحة اتهام تطارده في الانتخابات المقبلة. ولذلك لا يبدو مستبعداً أن يحاول عرقلة أي مسار سياسي لا ينسجم مع رؤيته، أو أن يلجأ إلى تصعيد جديد في غزة لإعادة خلط الأوراق وفرض وقائع ميدانية جديدة.

لقد تحولت غزة بالنسبة لنتنياهو إلى أكثر من مجرد ساحة مواجهة عسكرية. إنها الورقة الأخيرة التي ما زال يعتقد أنه قادر من خلالها على التأثير في مجرى الأحداث بعد أن بدأت ملفات إقليمية أخرى تفلت من يده. فبعد التفاهمات المتبلورة مع إيران، وتصاعد الضغوط الدولية، وتراجع القدرة على فرض الإملاءات الإسرائيلية على الحلفاء، باتت غزة الساحة الوحيدة التي يستطيع من خلالها الادعاء بأنه ما زال يحدد مسار الأحداث. ومن هنا تحديداً تكتسب غزة موقعها المركزي في مجمل أزمات نتنياهو السياسية والإقليمية.

في جوهر المشهد، لا تبدو غزة مجرد ساحة حرب مفتوحة، بل الساحة التي تتقاطع فيها أزمات نتنياهو كافة. فمن إخفاقه في التأثير على مسار التفاهم الأميركي الإيراني، إلى تراجع مكانته السياسية داخلياً واقتراب الانتخابات، وصولاً إلى عجزه عن تقديم صورة “النصر الكامل” التي وعد بها الإسرائيليين، تتجمع هذه الأزمات كلها في غزة. وكلما تراجعت قدرة نتنياهو على التأثير في الملفات الإقليمية الكبرى، ازداد إغراؤه بمحاولة استعادة زمام المبادرة في الساحة التي ما زال يملك فيها هامش حركة واسعاً. ولأن إيران باتت بعيدة عن متناول يده، ولبنان محكوم بتوازنات أكثر تعقيداً، تبقى غزة الحلقة الأضعف والأكثر عرضة لدفع ثمن حساباته السياسية والانتقامية.

ولهذا لا يمكن النظر إلى أي تصعيد عسكري محتمل أو إلى إطالة أمد الحرب بمعزل عن الأزمة السياسية التي يعيشها نتنياهو. فكلما ضاقت خياراته واتسعت عزلته، ازداد خطر أن تتحول غزة إلى ساحة لتصفية الحسابات وتعويض الفشل. 

وبينما تتحدث الفصائل والوسطاء عن فرص قد تفتح الباب أمام وقف الحرب وإعادة الإعمار، يبقى السؤال الأهم: هل يسمح نتنياهو بإنهاء الحرب إذا كان بقاؤها هو ما يضمن بقاءه السياسي؟

حتى الآن تبدو الإجابة أقرب إلى النفي. ولذلك يستمر الفلسطينيون في غزة بدفع الثمن الأكبر، ليس فقط نتيجة الحرب الإسرائيلية، بل أيضاً نتيجة رهانات نتنياهو الشخصية ومحاولاته الدائمة للهروب إلى الأمام. وفي ظل الكارثة الإنسانية غير المسبوقة، تصبح الحاجة ملحة إلى قرارات شجاعة تضع حياة الناس فوق الحسابات السياسية الضيقة، وتفتح الطريق أمام وقف الإبادة وإنهاء الحرب، قبل أن تتحول غزة بالكامل إلى ضحية لمأزق سياسي إسرائيلي داخلي لا علاقة لها به.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط