كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزة وديكتاتورية السوق !!

تشهد قطاع غزة البقعة الجغرافية الفلسطينية الصغيرة والمثيرة للدهشة والاستغراب سيادة عدة ديكتاتوريات أهمها ديكتاتورية السوق "قوى العرض والطلب" ( قانوناً توفاه الله قبل ميلاده وأخُمد وألجم في المهد, حيث أن السائد مضاربات وتمرد لرأس المال وهيمنته بشكل غير مسبوق على المجتمع الفلسطيني الغزي) , وديكتاتورية العائلة (القبيلة) ( حيث يوجد بغزة آبا وات وأعيان أوجدت علاقات اقتصادية أشبه ما تكون بعلاقات الإقطاع أو علاقات الأعيان بالحرافيش, ويتضح ذلك من خلال هيمنة بعض الشخوص على إدارة غزة سواء برئاسة كبرى جمعيات المجتمع المدني أو البلديات أو المؤسسات المالية المتنفذة بالاقتصاد أو تشكيل الحكومات الفلسطينية المختلفة, وإذا اختلف النظام السياسي القائم فسرعان مع تواكب تلك الديكتاتورية نفسها, فديكتاتورية البر هي نفسها ديكتاتورية البحر, ديكتاتورية العائلة التي واكبت سلطة الانتداب البريطاني هي نفسها التي واكبت عهدي السلطة وحماس, وهي من ستواكب أي فترة قادمة حتى لو ساد قانون ساكسونيا بغزة , وسيكون لها نفس الدور القيادي والسلطوي , حيث تبقى فلسفة السيطرة والهيمنة الاقتصادية هي الأساس من منظورهم وهذا يحدث في غزة منذ قرابة قرناً من الزمن), وديكتاتورية الجغرافيا ( على الرغم من الحداثة وقيم التنوير واللحاق بركب التقدم ووجود حصار إسرائيلي مس بآثاره الكارثية التدميرية جُل أهالي قطاع غزة وتردي الوضع الاقتصادي والاجتماعي وانزلاقه نحو القاع, إلا أن وجود تلك النعرة والنظرة الدنئية والمادية لا زالت موجودة رغم تراجعها الكبير عن سنوات سابقة وتحديداً منذ التسعينات من القرن العشرين؛ ومن تلك النظرات هي ضفاوي وغزاوي, إبن الشمال وابن الجنوب, ابن بلد و ابن معسكر , فلاح و مواطن و بدوي, فلاح و لاجئ معاً: تقدم شاب خريج جامعي لخطبة أحدى صبايا مدينة غزة رفضت والدتها قبول طلب العريس والسبب كما رددت هي "أنه لاجئ وفلاح كمان") , وفي كثير من الأحيان تتداخل تلك الديكتاتوريات معاً لتشكل وضعاُ خطيراً وله تداعيات على الواقع المعيشي في قطاع غزة, تلك الديكتاتوريات المُتطرفة في بعض أطرافها لا زالت تحتاج لتحليل فكري وفلسفي لما لذلك من أهمية في فهم طبيعة المجتمع الغزي وكيفية وضع حلول لمشاكله المتنامية بشتى أنواعها من أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية وكذلك أزمة الفكر الحر والتحرر وثقافة قبول الأخر والإيمان بأسس الدولة المدنية الديمقراطية ومدى تحقق العدالة الاجتماعية والاقتصادية بمفهومها الشمولي , وبعيداً عن أبعاد كل ذلك, سيتم التطرق بهذا المقال لسيادة ديكتاتورية السوق في قطاع غزة كأهم ديكتاتورية جديرة بالبحث والدراسة في هذه الأوقات التي يشهدها الاقتصاد الغزي حيث التراجع الكبير في نمو الإنتاج المحلي والارتفاع الحاد بالتناقضات القائمة بين قوى ووسائل وعلاقات الإنتاج التي تميل لدرجات أكثر تعقيداً ووحشية مع مرور الوقت, هذا التعقيد ينبع من تنامي التناقضات في الاقتصاد الغزي, حيث أنه وعلى الرغم من تفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية كحدوث انكماش اقتصادي بحدود 15% في العام 2014 وتراجع متوسط دخل الفرد بنسبة 13% عن العام 1994م, وتراجع معدلات الزواج بحدود 1500 حالة في العام 2015 عن العام المنصرم, واعتماد قرابة 80% من الغزيين على المساعدات, في مقابل ذلك هناك ارتفاع في أعداد الخريجين ( يتخرج سنوياً 32 ألف طالب في الأراضي الفلسطينية), إلا أن هناك سيادة حالة من الأبراتاهيد (الفصل) الاقتصادي تعود لأسباب منها ديكتاتورية السوق , هذه الديكتاتورية التي أوجدت فصلا اقتصادياً ومنعت جٌل العائلات والأسر الفلسطينية الغزية من الحصول على احتياجاتها الضرورية والأساسية لعدم توفر دخل من جهة ولقدرة رأس المال على التمرد وخلق أنماط استهلاك مشوهة في قطاع غزة, هذا التشوه يظهر بنواحي كثيرة, ويمكن الاستناد لأحد الأمثلة الفردية والأكثر شهرة وتداولاً في قطاع غزة, وهي القصة التي تقول أن رجلاً سوداني جاء إلى غزة المُحاصرة وشاءت الأقدار_ ( وهنا أخطاء الحكومة مع أي وفد زائر , يأتي الزائر لمنتجع الموفمبيق و منطقة الجندي المجهول الأكثر رقياً في غزة, و سلسلة مطاعم معتوق دون أي تفكير بزيارة منطقة الزنة في مدينة خانيونس, وخربة العدس برفح وعزبة بيت حانون , مخيم الشاطئ المكتظ بالفقراء , مئات العشوائيات المنتشرة بغزة, منطقة الكرفانات بخزاعة شرق خانيونس )_ أن يتجول بسوق الزاوية وسط مدينة غزة, وعندما رأى بعينه أفخم أنواع التمور والحلوى والمكسرات والفاكهة بشتى أنواعها قال " اللهم حاصر السودان كما حاصرت غزة! ", وفي السياق نفسه تشهد غزة تشوهاً في أنماط الاستهلاك ومواكبة شعبها للموضة ولأنماط الاستهلاك الغربية والشرقية وهذا يتم ملاحظته بشكل كبير في أسواق غزة, ومن ناحية أخرى تظهر ديكتاتورية السوق في تنامي التناقضات التالية : سيادة الفقر المجتمعي مقابل الثراء الفردي بحدود تميل إلى اللا عدالة واللا إنسانية في كثير من الأحيان وتزداد تعقيداً باستمرار , منتجعات ومرافق راقية يقابلها كرفانات وعشوائيات وبأدنى خدمات إنسانية, باعة متجولين يقابلهم حيثان وأباطرة المال الذين يلتهموا الأخضر واليابس دون وجود عوائق قانونية أو أخلاقية تمنع ذلك, عربات متنقلة بالحيوانات يقابلها سيارات حديثة كسيارات الإسكودا رمش 2015, أبراج متعددة الأبراج والشقق والخدمات يقابلها بيوت مدفونة وبلا بنية تحتية وبلا خدمات أساسية في بعض مناطق غزة, رواتب لمدراء مؤسسات المجتمع المدني تقترب شهرياً من 10 آلاف دولار أحياناً وفقاً لتقارير بعض المراكز الحقوقية في غزة مقابل 100 دولار شهريا لأسرة فقيرة وممتدة يبلغ تعداد أفرادها سبعة كحد أدني وهي عبارة عن مستحقات الشؤون والحماية الاجتماعية, أنشطة اقتصادية مالية ومصرفية وخدماتية تبلغ أرباحها الشهرية ملايين الدولارات مقابل مئات المزارعين وصغار المنتجين والتجار باتوا ضحية لديكتاتورية السوق والعائلة والجغرافيا, ارتفاع درجة الحرمان و انعدام الأمن الغذائي لآلاف الأسر(67% من الأسر الغزية تعاني من نقص في الأمن الغذائي ) مقابل استهلاك نسبة محدودة من الأسر الثرية في أيام العيد الأربع بعض أصناف الحلوى والمكسرات والتي تواكب أنماط الاستهلاك بالخارج والتي تبلغ مصاريفها دخول أسرة لشهور متعددة, وفي صورة للتشوه ولمواكبة أنماط الاستهلاك غير التقليدية استهلك الغزيين قرابة 1000 طن من الشيكولاتة و600 طن مكسرات في موسم عيد الفطر , هذا الأبراتاهيد الاقتصادي الناجم عن ديكتاتورية السوق قد ساهم بازدياد معدلات الفقر والذي تسبب في تراجع الطلب الكلي وبذلك تعمقت الأزمة البنيوية والتي تظهر في فائض الإنتاج وعدم القدرة على الشراء ( المشكلة في اقتصاد قطاع غزة في وجود فائض سلعي وليس في نقص السلع والمنتجات , فالأسواق تشهد تكدساً بالبضائع ولا يقابلها طلباً والسبب عدم وجود دخل وتباطؤ الإنتاج المحلي وانهيار شبه كامل للإنتاج الزراعي والصناعي ), تلك الديكتاتورية قد أوجدت همجية في العلاقات الاقتصادية بين الشرائح المجتمعية ويتضح ذلك من خلال اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء بشكل يعكس المجتمع الغزي أقرب ما ينقسم مع مرور الوقت لشريحتين شديدة التناقض يقترب لواقع المجتمع المصري والذي تسوده عبارة عيشني اليوم وموتني بكراً, مجتمعاً يوجد به تناقضات تتداخل بشدة مع الوقت وهذا الشئ بات واضحا في غزة, ديكتاتورية السوق تهدف لبقاء نسبة كبيرة من الغزيين ضمن خط الفقر وبذلك يكون الفقراء وقوداً للأغنياء عبر قدرة الأغنياء على تمرير قوانين الضرائب وسياسات الحكومات المالية والتي تستهدف استنزاف جيوب الفقراء من جهة وتعزيز هيمنة رأس المال من جهة أخرى, حيث أن فرض ضرائب كالتكافل الاجتماعي مثلاً قد رسخت مبدأ رئيسي وحقيقة حاضرة وهي أن الفقراء يمولون الأغنياء( فقراء غزة وفي ظل الأبراتاهيد والفصل الاقتصادي يمولون الأغنياء في أبشع صور الاستغلال الاقتصادي ), كذلك لا زالت قوانين الضرائب والسياسات المالية المنتهجة فلسطينياً لصالح الأغنياء وكبار الشركات؛ وما يؤكد ذلك هو اعتماد السلطة الفلسطينية على نسبة كبيرة في تمويل موازناتها على الضرائب غير المباشرة (المقاصة مع إسرائيل) على حساب ضرائب الدخل المباشرة والتي أدت لتفاقم مشكلة الفقر وإفقار المجتمع الفلسطيني الفقير أصلاً( الضرائب غير المباشرة في الأراضي الفلسطينية "المقاصة" تبلغ 6 أضعاف الضرائب المباشرة ) , وهذا يعني أن هناك نفوذاً متزايد لرأس المال باستمرار, كذلك قدرتهم على إخفاء مشاكلهم المالية وعدم عقابهم عند مخالفتهم للقوانين في حالة تشبه إلى حد كبير سيادة قانون ساكسونيا والذي يُحاكم فيه ظل الأغنياء ( أن يُحاكم ظل الغني في المحكمة بدلاً من الغني نفسه وهنا عدالة ساكسونيا حيث أن سلطة القضاء ارتأت أن تكمن العدالة في محاكمة الظل) كما جرى في أوروبا في العصور الوسطى.

وفي الختام فإن التغير في أنماط الاستهلاك في غزة والتي ارتبطت بمفاهيم العولمة , لها وجه إيجابي يتمثل في وجود شق حضاري ومعالم مهمة في غزة , ومن تلك الشواهد مثلاً وجود منطقة الواحة والتي استهدفتها إسرائيل سابقاً, وتعدد الأبراج السكنية ووجود فيلا وقصور تضاهي بعض دول الإقليم, ووجود صالات وفنادق بخدمات مميزة وبعضها قد استهدفتها إسرائيل في تصعيداتها العسكرية المختلفة, فإضافة للبعد الأمني لتلك الاستهدافات فهناك بعداً آخر وهو تدمير كل من هو فلسطيني وتدمير كل مشهد يعبر عن وجود شق حضاري أو مواكبة اللحاق بركب التقدم أية كان, ولكن تبقى قضية الأبراتاهيد الاقتصادي المرتبطة بغياب العدالة الاجتماعية هي الحالة الأكثر ألماً ونزفاً في قطاع غزة .

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط