كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزة وصناعة الدجل العربي

صناعة الدجل في العالم العربي تبدو كداءٍ وبيلٍ ومقيم، يتغير التاريخ وتتقلب الأحوال وتختلف السياسات وتتطوّر الأفكار وتبقى صناعة الدجل كعلامة مستمرة وثابتة تفرض نفسها على العالم العربي.
الدّجل في اللغة يعني الكذب والتمويه بالباطل، أي الكذب المتعمد أو تمويه الحقائق ومعطيات الواقعة أو الواقع ووصفهما بما يناقض حقيقتهما، وأوضح الأمثلة المعاصرة حرب حركة حماس الأخيرة في غزة، تلك الحرب التي جرّت على الشعب الفلسطيني في غزة كل الويلات والأهوال.
تقول الحقائق والإحصاءات إن عدد القتلى من الفلسطينيين تجاوز الألفين، وإن عدد الجرحى تجاوز العشرة آلاف، وإن البنى التحتية والخسائر تقدر بمليارات الدولارات، بينما لم يخسر الجيش الإسرائيلي ولا إسرائيل ما يقدر بواحد في المائة مما خسره الفلسطينيون، وإن حماس وقعت على اتفاقية الهدنة دون أن تحصل على أي شيء مما زعمت أنه هدفٌ لها منذ بداية الحرب.
بكل المقاييس السياسية والعلمية والمادية يسمى ما جرى لحماس هزيمة منكرة، ولكن خطاب الحركة وجماعة الإخوان المسلمين تبنى النقيض، وقال إن حماس انتصرت، وهذا أوضح مثال على صناعة الدجل والغزارة في إنتاجه.
في التاريخ العربي الحديث، مرت صناعة الدجل بمستوياتٍ عدة، منها السياسي والثقافي والديني، وكان لكل مرحلة زعماء وأحزابٌ وتياراتٌ ورموزٌ تعبر عن تلك الصناعة وتميز بين مستوياتها وقادتها ومنظريها.
مطلع الخمسينات، قام الضباط الأحرار بانقلابهم على الملكية في مصر، وصعدت الخطابات القومية والناصرية إلى رأس الهرم في السلطة، كما في التنظير الثقافي والإعلامي، وشهدت صناعة الدجل ازدهارا كبيرا، وورث تلك الصناعة أبناء القوميين من البعثيين في سوريا والعراق في الستينات، ومعمر القذافي في ليبيا، وكانت صناعة الدجل تنتج مقولاتٍ مثل سنحرر فلسطين بالقوة «من النهر إلى البحر»، وكذلك مقولات «الوحدة العربية» التي كانت تجاربها فاشلة، وتمّ تمرير حروبٍ ضد الأنظمة الملكية العربية، كما جرى في اليمن الإمامي تحت تلك المقولة، وضربت طائرات القومية المدن العربية في اليمن وجنوب المملكة بأكثر مما فعلت مع إسرائيل.
أبناء القوميين من البعثيين خرجوا بمقولة «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة»، فغزا صدام حسين الكويت، وأطلق الصواريخ على السعودية، وانحاز حافظ الأسد لإيران، ودخلت قواته المسلحة لبنان، وظلت جبهة الجولان أهدأ الجبهات لأكثر من أربعين عاما.
هذا في صناعة الدجل السياسي الذي كانت توازيه صناعة الدجل الثقافي والفكري والإعلامي؛ ففي حرب القوميين والبعثيين عام 1967 انهزمت جيوشهم شرّ هزيمة، واحتلت أراضيهم وضربت بناهم التحتية ودمرت جيوشهم، وكان القتلى والجرحى بالآلاف، فتفتق التبرير السياسي والثقافي عن دجلٍ جديدٍ لا يسمّي الهزيمة باسمها، بل يتحدث عن «نكسة» فحسب، وتفشت نظريات المؤامرة كوباء من كل شكلٍ ولونٍ، وتفنن فيها المثقفون والكتاب.
وقامت على هذا الدجل عشرات الطروحات والتنظيرات التي تصب في نفس السياق، وكانوا يحاربون الملكيات تحت دجل الرجعية، ويرفضون الدولة الوطنية تحت دجل القومية والوحدة، ويعادون الاقتصاد الحديث تحت دجل الاشتراكية. وتحت غطاء محاربة إسرائيل دخل عبد الناصر اليمن وقصف جنوب السعودية، ودخل حافظ الأسد لبنان، وغزا صدام حسين الكويت، وقامت بعض الفصائل الفلسطينية بمحاولة لزعزعة استقرار الأردن في 1970 و«أيلول الأسود»، وكذلك فعل بعضها في بيروت 1982.
وفي سياقٍ موازٍ زمنيا تمت صناعة دجلٍ جديدٍ، ولكن هذه المرة بصبغة دينية أممية تحارب الملكيات تحت دجل الثورة، وترفض الدولة الوطنية تحت دجل الأممية والخلافة الإسلامية، ولا تمتلك أي فكرة عن الاقتصاد إلا بعض تمويهاتٍ متفرقة ومنقطعة، ولكن بخطاب شمولي جديدٍ ورث الدجل عن خطابات القومية والاشتراكية، بل والأحزاب الشيوعية في التنظيم والبروباغندا، وهو خطاب جماعة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي.
نظّر حسن البنّا لمقولة «استعادة الخلافة»، وبنى عليها أساس جماعته، وأتبع ذلك بكافة أصناف الدجل السياسي، وكان على الدوام يقول الشيء ونقيضه، وبنى التنظيم الخاص ليكون أول تنظيم إرهابي حديثٍ، ونظَّر له دينيا، وأجاز الغدر وتبناه كمنهجٍ، وجاء سيد قطب من بعد ليطرح خطابا شموليا أصوليا تكفيريا لا يكاد يستثني أحدا من المسلمين من التكفير إلا أتباعه وأتباع الجماعة، وكان كل ذلك دجلا لا علاقة له بالإسلام وتنظيرات فقهائه المعتبرين.
وقد ورثت هذا الدجل الإرهابي جماعات العنف الديني في السبعينات في مصر، كتنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية وجماعة التكفير والتوقف والتبين، ثم تنظيم القاعدة في أفغانستان عبر عبد الله عزّام وأسامة بن لادن، ثم جماعات العنف الديني في التسعينات في مصر وفي السعودية وغيرهما كثير، وصولا إلى تنظيم داعش اليوم الذي يرفع مقولة «الخلافة الإسلامية»، والذي غضب منه الإخوان وأتباعهم لا لأنه إرهابي، بل لأنه سرق فكرتهم ومشروعهم.
عودا على بدءٍ، فخطاب حركة حماس وخطاب أتباعها ومناصريها يزعم أنها «انتصرت»، ولنناقش رهانات الحركة، فهي راهنت إقليميا على تغيير المعادلة الإقليمية بتقديم مركز الثقل الإخواني الجديد في تركيا وقطر على التحالف العربي القوي في السعودية ومصر والإمارات، وفشلت في ذلك، ووقعت مرغمة على المبادرة المصرية.
كما راهنت على صواريخ المفرقعات الإيرانية التافهة أو محلية الصنع التي لا قيمة لها، ولم تصب ولا هدفا إسرائيليا واحدا ذا قيمة أو تأثيرٍ، وراهنت على ابتزاز الدول العربية السابقة، ففشلت؛ لأن كل الدعم بالمليارات الذي قدمته السعودية والإمارات والكويت اتجه للسلطة الفلسطينية الشرعية ولم يتجه لحماس، وأي نجاحٍ يمكن ذكره يتوجه أصالة للسلطة الفلسطينية ومصر.
وراهنت - أيضا - على إجبار مصر على الإقرار بها عبر ممارسة دور الوسيط بينها وبين إسرائيل، وهو ما رفضته مصر وتعاملت مع وفدٍ شكلته السلطة الفلسطينية من عدة فصائل لا مع حماس.
لقد ذهب الدجل السابق أدراج الرياح، حين كانت الحركة ومناصروها يروجون لأن حركة حماس ستهزم إسرائيل وستحطم أسطورتها وستقلب موازين القوى في المنطقة، ونحوها من الأكاذيب التي تمّ ترويجها في بداية الحرب، ومع استحضار كذبتها الكبرى في البداية بعدم مسؤوليتها عن قتل المستوطنين الثلاثة، فإن أحد مسؤوليها خرج قبل أيام واعترف بمسؤولية الحركة عن ذلك، إلا أن المهم اليوم هو رصد الدجل الجديد، وهو أن حماس انتصرت، وأنها رفعت الرأس وأعادت الكرامة، وأحيت أمجاد العرب والمسلمين، وهذا في النهاية كلامٌ مرسلٌ بلا معنى ولا قيمة على الأرض وفي الواقع، ولكنها محاولة في بناء دجلٍ جديدٍ يروجه الدجالون ويخدع به عامة الناس وتستغل به عواطفهم.
أخيرا، وللتاريخ، فقد كان القوميون والناصريون حين سمّوا هزيمة 1967 بالنكسة أكثر حياء من حركة حماس وأنصارها من جماعات الإسلام السياسي حين يروجون لهذه الهزيمة النكراء بأنها انتصارٌ.

عن الشرق الاوسط السعودية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط