كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزة يا معشوقتي

غزة يا معشوقتي

تاريخ النشر: 2016-01-23 | 12:23

كان يمكن أن أكتب قصة حب طويلة عشتها هنا، لكنها أصبحت قديمة، حيث القصة الجديدة ألغت كل القصص، إنها حكاية مدينة عربية عمقها يمتد من السطح حتى الأرض السابعة، اسمها غزة، تروي شيئاً من سحرها وصمودها، وتحكي شيئاً من خبرة دهرها التي كتبها التاريخ، إنَّ بعض المدن مثل بعض النساء، تنشأ بينك وبينها حالة من الهوى والهيام، فأنا مولع بمدينتي، مدينتي حضن، مدينتي وطن، وأنا عاشق لغزة، وغزة ذكراها لا تنسى ولا تذوب، غزة قدر.. غزة حكاية، مثل عنترة الذي هام بحب عبلة؛ فيتحرر بالحب منذ ألفي عام، بينما غزة لم تتحرر بعد، فالمدن تكتب لنا التاريخ حجراً فحجر، وعصراً فعصر، وزمناً بعد زمن.

فعلى البحر المتوسط قامت مدن وحضارات لا مثيل لها في كل العصور، هذا البحر الأزرق المترامي وسع العين، كان أيضاً بحراً عربياً حتى الأعماق، فهو مهد الحضارة في الكون، كل حضارة نعرفها طلعت من هذا الحوض، كل شيء نما على هذه الشطآن، نصفنا، أو أكثر يعيشون على شاطئ المتوسط، وحين يقيس الجغرافيون هذا البحر بالطول أو بالعرض، فهو يبدأ أو ينتهي ببلد عربي، فالطول الأقصى بين جبل طارق وسوريا هو 2200 ميل، والعرض الأقصى بين فرنسا والجزائر 488 ميلاً، وهو يتدافع بين ثلاث قارات هي: آسيا وأفريقية وأوربا.

غزة الدرة الساحلية، هكذا تصنف في جغرافيا الوطن، والتاريخ هو الذي يعطي الحياة للجغرافيا، فغزة ليست اسماً معلقاً في الذاكرة، وليست كلمة تقال، ولا مجرد تاريخ عابر في هذه الأرض، ففيها يبدو التاريخ أكثر عظمة من أي مكان آخر، لأنه في هذه المنطقة ارتقى الإنسان وتحضّر، غزة تجدها منسابة في كتبي وروزنامتي ودفاتري، فليس في الكون كله زخم وكثافة بقدر ما في هذه البقعة المؤلفة من ثلاثمائة وستين كيلو متر مربعاً، ابتداء من بيت حانون في الشمال إلى رفح في الجنوب، ولا أعتقد أن شعباً قدم من التضحيات في سبيل قضيته مثل ما قدم شعبنا، وأن مقاومته ليس لها مثال في التاريخ، فغزة، بحد ذاتها، تمثل انتصاراً، ولا تنطبق عليها قوانين الهزائم السياسية.

منذ العصور الغابرة، قُدر لهذه الأرض أن تكون ممراً لعابري السبيل من كل أمم الأرض، فعليها تقاتل الأباطرة، وفيها؛ فأهميتها الإستراتيجية وموقعها الحساس جعلاها محط أنظار الغزاة في كل العصور، وكانت المقاومة العربية على أرضها ترد الغزاة على أعقابهم، فلم تبخل غزة ولا أبناؤها بأرواحهم، (والجود بالنفس أقصى غاية الجود)، وفي كل مرة كانت غزة تنتصر بالرجال الذين أنجبتهم، وسجلت علامة فارقة في حياتها وتاريخها؛ حتى نشأ بينها وبين التاريخ إعجاب هائل؛ فكان التاريخ يُكيل لها مديحاً يقارب الغزل.

وفي العصر الحديث شكلت غزة رمزاً آخر من رموز ذلك الصراع، فكانت خط الدفاع الأول والثغر المتقدم للدفاع عن أمة العروبة والإسلام عندما اجتمعت عليها اليهودية العالمية بما تملك من المال والسلطة والخبث، وكان السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: لماذا يُنظر إلى أهل غزة بوصفهم شعباً متميزاً يختلف عن بقية أهل فلسطين؟ إنني أفكر في الرجل الذي اخترع كلمة "لماذا"؟ لأنه عرف أن لا جواب، وأصبحت "لماذا" هي السؤال وهي الجواب، وهذه عبقرية "لماذا" في جميع اللغات.

كانت غزة قبل سنة 1948م إحدى مُدن الجنوب، تتقاسم مع أخواتها زعامة الشعب الفلسطيني في فلسطين، ولكنها بعد سنة 1948م حازت قصب السبق في مقاومة الطغيان الإسرائيلي، حتى استحقت عاصمة فلسطين المحتلة بجدارة، وعاصمة النضال العربي الفلسطيني لتحقيق الذات العربية والهوية الفلسطينية؛ إذ حمل أهلها في بداية النكبة جواز سفر (حكومة عموم فلسطين)، ولم يحمله أحد غيرهم من أهل فلسطين، وكان ثبات أهل غزة على الحق مع الخذلان يكاد يساوي ما حدث في الأماكن الأخرى في التجمعات الفلسطينية، وصمدت حتى صار شعب غزة أمة واحدة، أمة متميزة لها خصائصها في استعذاب العذاب، وفي سبيل البقاء على الأرض والتمسك بالهوية.

ومن أعظم صفات رجالها الشجاعة والصبر على المكاره، والنفور من الذل، والتمسك بالأرض مهما اشتدت عواصف القهر، وصارت صور بطولاتهم وقصص استشهادهم في سائر الانتفاضات ومراحل الجهاد التي مر بها الشعب الفلسطيني حديث العالم والصحافة والتلفاز، ولا زال جهاد أهل غزة ليس له مثيل في الدنيا، وقد ضربوا المثل الأعلى الذي ليس له شبيه إلا ما أُثر من جهاد الصحابة والتابعين، فالانتفاضة سنة 1987م التي دامت سبع سنوات متواصلة، كلَّ وملَّ وتضعضع منها الكيان اليهودي، ولم يكل ولم يمل الشعب الفلسطيني، حتى قال رابين أحد زعماء اليهود: (إنه تمنى أن يستيقظ صباح يوم، فيرى البحر وقد ابتلع قطاع غزة)، والمبالغة في التمني دلالة على العجز، ففي غزة كُتب تاريخ من الدماء، وهذا التاريخ يروي حكاية معركة بعد الأخرى من حصار وقتل وهدم ومقابر جماعية، وعقاب جماعي، ورغم هذا العذاب فأهلها محبوسون في قعر بئر مظلم، وأصبح حال الغزيين يشبه حال يونس صاحب الحوت، التقمه الحوت؛ فلم يسمع نداءه إلا الله، ولست بسبيل إحصاء ضروب الصمود التي سطرها أهل غزة، وإنما ذكرت نماذج صبر أهل قطاع غزة في سبيل تثبيت الحق الذي يعتقدونه، فغزة لم تتزعزع عقيدتها، ولم يفت في عضدها نكوص بعض العرب عن دعمها وإغاثتها، فليس غريباً أن غزة صححت التاريخ الفلسطيني، وفرضت على الأمة العربية أن تكتب تاريخاً صحيحاً، لقد قطعت غزة قول كل خطيب، وحققت قول أبي تمام:

بيض الصفائح لا سود الصحائف في

متونهنّ جلاء الشك والريب

 

هذه هي غزة التي علمت الأمم فن الحياة وفن التشبث بالأرض، ففي قصتها عبرة لأولي الأبصار.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط