كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزة 2026: "النكبة" لم تعد ذكرى.. واقعٌ يومي يعيد إنتاج مأساة اللجوء الأول

غزة 2026: "النكبة" لم تعد ذكرى.. واقعٌ يومي يعيد إنتاج مأساة اللجوء الأول

تاريخ النشر: 2026-05-14 | 16:00

غزة- وفا:  داخل خيمة مهترئة غرب مدينة غزة، تحاول أم علي السباعي منح أطفالها الثلاثة ما تبقى من شعور بالأمان، بعدما استُشهد زوجها في الأسابيع الأولى من حرب الإبادة التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

تجلس الأم الشابة فوق فراش رقيق، تراقب أبناءها وهم يقتسمون وجبة بسيطة حصلوا عليها بعد ساعات من الانتظار أمام "التكية"، بينما تحاول هي تخفيف آلام حصى الكلى التي أصيبت بها، نتيجة قلة شرب المياه، خوفا من الذهاب ليلا إلى الحمام البعيد عن خيمتها.

تقول السباعي لـ"وفا": "أحيانا أقف ساعات طويلة للحصول على غالون ماء أو طبق طعام، وابني يبيع بعض الفطائر التي أصنعها حتى نستطيع شراء احتياجات بسيطة لا تكفي شيئاً".

مشهد السباعي لا يبدو بعيدا عن صور اللجوء الأولى التي عاشها شعبنا عام 1948، حين أُجبر مئات آلاف المواطنين على مغادرة بيوتهم وقراهم تحت وطأة المجازر والتهجير.

غير أن المواطنين في غزة اليوم لا يستعيدون النكبة كذكرى تاريخية فحسب، بل يعيشونها واقعا يوميا يتكرر أمام أعينهم، وسط القصف والنزوح والجوع والخيام.

يحيي شعبنا الفلسطيني، في الخامس عشر من أيار/ مايو من كل عام ذكرى نكبة فلسطين، ذلك التاريخ الذي شهد إعلان قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، على أنقاض الهوية والجغرافيا الفلسطينية.

فمن بين أكثر من 1300 مدينة وقرية كانت تضج بالحياة، دمرت آلة الحرب الإسرائيلية نحو 531 منها تدميرا كاملا، وهجرت قسراً من نحو 957 ألفا أي ما يعادل ثلثي الشعب الفلسطيني الذي كان تعداده آنذاك 1.4 مليون نسمة، ليتشتتوا في مخيمات اللجوء داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي دول الشتات.

لكن مشاهد النزوح الحالية في غزة تعيد إنتاج المأساة بصورة أكثر قسوة، إذ نزح نحو مليوني فلسطيني من أصل 2.2 مليون كانوا يقيمون في القطاع عشية العدوان، وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فيما دمرت قوات الاحتلال ما لا يقل عن 330 ألف وحدة سكنية، تشكل أكثر من 70% من مساكن القطاع.

يقول محمد حسان، النازح من بيت حانون شمال القطاع: إن العدوان سرق منه منزله وحياته الطبيعية وحتى شعوره بأن النكبة حدث مضى وانتهى.

حسان، البالغ من العمر 38 عاما، تنقل بين مناطق النزوح سبع مرات منذ بدء العدوان، قبل أن يستقر أخيراً داخل خيمة قرب مخيم المغازي وسط قطاع غزة.

ويقول لـ"وفا": "كنا نسمع عن النكبة من أجدادنا وكأنها قصة قديمة، لكننا نعيشها الآن بكل تفاصيلها"، مضيفا: "في عام 1948 دمرت العصابات الصهيونية قرى ومدنا فلسطينية بأكملها، واليوم يعيد الاحتلال ذلك بمحو بيت حانون ورفح ومخيم جباليا وأجزاء واسعة من خان يونس عن الخارطة".

داخل الخيام، لا يواجه النازحون فقدان المنازل فقط، بل أيضا ظروفا صحية وبيئية قاسية، فمع تدمير شبكات المياه والصرف الصحي، باتت الحشرات والقوارض والأمراض جزءا من الحياة اليومية.

يشير حسان إلى أن بناته الثلاث يعانين أمراضا جلدية بسبب انتشار البراغيث والبعوض والفئران، مؤكدا: "نعيش بين الركام ومياه الصرف الصحي، والخيمة تتحول صيفا إلى نار، وشتاءً إلى برد لا يُحتمل".

ووفق مصادر طبية، فقد دمرت قوات الاحتلال نحو 700 ألف متر طولي من شبكات الصرف الصحي ومحطات الضخ، ما تسبب في طفح مياه الصرف الصحي وانتشار الحشرات والأمراض المعدية.

وقال طبيب الأمراض الجلدية والتناسلية شفيق الخطيب لـ"وفا": إن انتشار القوارض والحشرات يهدد بظهور أمراض خطيرة، بينها التهابات فيروسية وأمراض جلدية ومعوية، إلى جانب احتمالية انتقال أمراض معدية نتيجة تلوث البيئة.

ولم تتوقف آثار الحرب عند النزوح والسكن، بل امتدت إلى القطاع الصحي الذي تعرض لانهيار غير مسبوق.

في أحد المستشفيات المكتظة بالمرضى والجرحى، تحاول سمر الحلبي، المصابة بسرطان الثدي، التعايش مع الألم بعد خضوعها لعملية جراحية لاستئصال الثدي والغدد الليمفاوية.

وبعد يومين فقط من العملية، اضطرت الحلبي إلى مغادرة المستشفى بسبب عدم توفر أسرّة كافية، رغم حاجتها إلى الرعاية الطبية المستمرة.

تقول: "لا توجد مُسكّنات ولا مضادات حيوية ولا حتى مواد غيار للجروح، وأحاول شراء ما أحتاج إليه إن وُجد، فالعلاج أصبح رحلة عذاب يومية".

ولا تختلف معاناة محمد زقوت كثيراً، إذ ينتظر منذ أيام حصول والدته، التي تعرضت لجلطة ونزيف دماغي، على تشخيص طبي مناسب، في ظل نقص أطباء الأعصاب وانشغال المستشفيات باستقبال الأعداد الكبيرة من المصابين.

ووفق مصادر طبية، فقد قتلت قوات الاحتلال 1670 من أفراد الطواقم الطبية منذ بدء حرب الإبادة، كما دمرت أو أخرجت عن الخدمة 38 مستشفى و96 مركزاً للرعاية الصحية، إضافة إلى قصف 197 سيارة إسعاف.

وقال المدير الطبي لمركز غزة للسرطان محمد أبو ندى لـ"وفا": إن المستشفيات تعاني نقصاً حاداً في الأدوية، خاصة العلاج الكيميائي، مشيراً إلى أن المتوفر حالياً لا يتجاوز 30% من احتياجات المرضى.

وأضاف أن أجهزة الفحص المبكر والتصوير الطبي تعطلت بسبب القصف وانقطاع الكهرباء ونقص الوقود، ما جعل علاج مرضى السرطان في غزة مهمة شبه مستحيلة.

ووفق تقارير طبية ودولية، يوجد في قطاع غزة أكثر من 12,500 مريض سرطان، فيما توفي 436 مريضاً منذ بدء عدوان الاحتلال، بسبب نقص العلاج وعدم القدرة على الوصول إلى الخدمات الصحية.

وفي خيام النزوح غرب خان يونس، يحاول الأهالي إنقاذ ما تبقى من مستقبل أطفالهم عبر مدارس بدائية أُقيمت داخل خيام صغيرة بعد تدمير معظم مدارس القطاع.

داخل مدرسة "نون"، التي يرعاها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي "UNDP"، تجلس الطفلة شام كلخ على مقعد بلاستيكي صغير، محاولة استعادة جزء من طفولتها التي دُفنت تحت الركام.

فقدت شام والديها وإخوتها في غارة شنها الاحتلال على منزل العائلة في خان يونس خلال آب/ أغسطس 2024، ونجت وحدها مصابة بحروق وجروح.

تقول معلمتها حنين أبو هربيد: إن الطفلة، رغم المأساة التي عاشتها، أصبحت من الطالبات المتفوقات وتحاول التمسك بالحياة والتعليم، مضيفة أن المدرسة، المقامة على مساحة لا تتجاوز 250 مترا مربعا، تضم أكثر من 300 طالبة يدرسن على ثلاث فترات يوميا، بعد تدمير معظم مدارس القطاع.

ووفق وزارة التربية والتعليم، فقد تعرض نحو 95% من مدارس قطاع غزة لأضرار متفاوتة نتيجة القصف الإسرائيلي، فيما تحولت المدارس التي لا تزال قائمة إلى مراكز إيواء للنازحين.

وتشير مصادر طبية إلى أن العدوان خلّف أكثر من 56 ألف طفل يتيم فقدوا أحد والديهم أو كليهما، بعد أن أبادت قوات الاحتلال أكثر من 2700 أسرة بالكامل ومسحتها من السجل المدني.

وفيما تتكرر مشاهد الخيام والنزوح والفقد، يرى المواطنون في غزة أن النكبة لم تعد مجرد فصل في كتب التاريخ، بل واقعا يوميا يتجدد منذ 78 عاماً، بأشكال مختلفة، لكن بالنتيجة ذاتها: اقتلاع الفلسطيني من حياته وأرضه وذاكرته.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط