كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غزغزني شوكه!

غزغزني شوكه!

تاريخ النشر: 2020-03-10 | 18:19

"هالعكوب العكبته، غزغزني شوكه... آه

بإيدي أنيته وطبخته، غزغزني شوكه... آه

عكوب بلدي...  لأبويه وولدي..."

استيقظت باكرًا أفكّر في صحن العكوب الذي قدّمته لي صديقتي اللدودة خيريّة، التي أجتهد دائمًا تجنّب لقياها لخلل ما في شخصيتها، ولا أعرف ما هو بالتحديد، فهي قويّة جدًّا جسديًّا ونفسيّا مُدجّنة وذكيّة لحد الجنون، ولعوب لدرجة لا تطاق، ولها عشرات الوجوه التي لا تعرف أيًّا منها تلبسه عند لقياها، وما أن تكتشفه إلا وتستبدله بوجه آخر، فتضيع بين حانا ومانا، وكنت بعكسها مثل قاموسي، بسيطة وعشوائيّة وطليقة وغير مُدجّنة، ولا أقرأ بين السطور وأنا في حضور شخص ما، وأخلط كثيرًا بين دموع الأفراح والأتراح وأنّني أخون الأشكال والتصنيفات جميعها. بقربها أسكت واهرب بتفكيري، لأبدو غبيّة وضعيفة وأجعلها دائمًا تبدو القوية والملمّة بكل شيء، ولا يبدر منّي أي تعليق، لأنّني أراها واشعر بالإحراج من تصرفاتها بعيون ابنائها، لذلك أخاف من مجالستها، لأنّ مجمل حديثها لغو وسخافات وطرطشات وسقط زند طائش. مزعجة خيريّة في كل الحالات، إذا كانت حزينة أو فرحة أو هادئة أو عصبية فهي تؤذي مُجالسها بكل الحالات. كنت ابتعد عنها لفترات طويلة وتعاود الاتصال بي فيرقّ لها قلبي. فنحن بنات القرية التي لم تنجح المدينة بلفنا تحت ابطها كباقي سكان المدينة، نحنّ على بعضنا.

اتصلت بي خيريّة في ساعات الصباح الباكر قبل ذهابي إلى العمل لأقوم بزيارتها ولكنني لم أفعل، فضّلت الذهاب لزيارة جارة عجوز في أواخر عمرها، فهي أحقّ منها بهذه الزيارة.

اعتقدت في حينه، أنّني تخلصت منها ومن دعوتها، لكنّها اتصلت بي ثانية حين عودتي من العمل في ساعات المساء واصرّت على دعوتي لأتناول عندها طبخة العكوب التي حضّرتها بنفسها، فهي من بلدة شهيرة بهذه الأكلة الطيبة، وكانت تعرف مسبّقا بأنّني لا أطبخ هذه الأكلة لسبب واحد بأنني لم اتعرف عليها في مطبخ والدتي مع أنّني أكلتها عدة مرّات في بيت إحدى الصديقات.

في الأمس، كانت خيريّة في زيارتي وأكلنا معّا خبّيزة قطفتها بنفسي من الأرض، وقد طبختها مع عروق الشومر على غير المتّبع، وعندما شبعنا، أخذنا نتحلّى على حبات الجوز التي اشتريتها من سيّدة تجمع حبات الجوز المتساقطة من الاشجار التي تمّ قطفها، ثم تبيعها بأرخص من السعر المعروف بكثير... ثمّ شربنا شاي زهورات اشتريتها من عند العطار في مدينة عكا.. اعتقدت أن دعوتها لي اليوم في المساء، كانت بمثابة رد لزيارتها عندي، وبأنها ستكرمني وسترد الصاع صاعين بما ستقدّمه لي من ضيافة. تردّدت كثيرًا ولكنّي في النهاية ذهبت إليها بعد الحاحها الشديد، وقلت في نفسي: حسنًا، سأضيّع القليل من الوقت خاصة أنّني اعاني الكثير من الملل في ساعات المساء.

عندما وصلت إليها، لم تكن تضحك كعادتها بشكل هستيري، واعتقدت بانها ارتكبت خطأ ما مع أولادها أو زوجها أو في عملها، فالشعور بالذنب كان جليًّا على وجهها. ولكن عندما ذاب الثلج، بان المرج... 

جلست على طاولة الطعام، واذ بها تقدم لي صحن العكوب وهو صحن صغير لا يتعدى اللقمتين. نظرت في الصحن شمالا ويمنيا ولم تأتني إلا الصفنة وسألتها بصدق وغرابة:

اين العكوب؟

قالت بما يزيد الطين بلّة ويبلبل الفكر أكثر وأكثر:

إذًا انت تعرفين العكوب!

ومُرت كما يمُور المرجل بالخطايا قائلة: انا فلاحة حتى النخاع وأحبّ الأرض وما تنتج، لم اطبخ العكوب ولم تطبخه والدتي سابقا ولكنّني أعرفه جيّدًا ثمّ انني ملمّة بالأكلات الفلسطينية التقليدية وخاصة تلك التي تخرج من بطون الأرض. ثمّ هرشت وسعلت وتنحنحت وقالت:

هذا هو العكوب. انا بصراحة أحب الاضلاع ولا أحب رؤوس العكوب وأنا قدّمت لك صحنا صغيرا لأنني أعرف بانّك لا تحبين اللحمة.

شعرت كم كنت غبية في الماضي، وسأشعر كم أصبحت أغبى لأنني ما زلت لا أعرف إلا القليل عن البشر فقلت مبتسمة:

أعتقد أن هذا ما تبقّى عندك من أكلة العكوب.

فعلا عندما قدّمت لي خيريّة صحن العكوب كان به بعض القطع الصغيرة التي لا تشبه اضلاع العكوب، فاعتقدت ان هناك بعض الرؤوس الضائعة، وعندما تلمستها بالملعقة وقربتها من عيني فهمت بأنّ هذه قطع لحمة، فازداد اشمئزازي من صحن العكوب. لم أرد أن تشعر خيريّة بنفوري منها، فتناولت حبّة خيار كانت قد اجتهدت ووضعتها بقرب صحن العكوب وقضمتها وأرجعت لها الصحن كما هو.

اخفيت غضبي بين اضلاع صدري وجاريتها بالحديث وانتهزت الفرصة الأولى وعدت أدراجي إلى البيت وأنا أقسم بأعظم الأيمان بأنّني لن اذوق ملح بيتها بعد اليوم ويحرم عليّ أكلها.

وفي طريقي إلى البيت فكزت رجلي وتعوّرت، فقلت هذا جزاء من يأكل العكوب من غير صحنه... سأعيش في عالمي الخاص، وسأبحث عن مجنون يشبهني وسأعشق رجلا مثلي ضائعًا بين أحضان الكتب!! وأحسست بنرجسية مفرطة، فبدأت في كتابة قصة العكوب وأنا اردد مطلع أغنية للفنان الفلسطيني مصطفى الكرد:

"هالعكوب ال عكّبته، غزغزني شوكه... آه

بإيدي أنيته وطبخته، غزغزني شوكه... آه

عكوب بلدي...  لأبويه وولدي..."

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط