كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غسان كنفاني: المثقف العضوي بحق

غسان كنفاني: المثقف العضوي بحق

تاريخ النشر: 2021-07-09 | 08:16

في ذكرى استشهاده التاسعة والأربعين يجدر بنا المرة تلو الأخرى أن نعيد استذكار غسان كنفاني، وقراءته وإعادة الكشف عن مكامن إبداعه وتألقه. ولا يرتبط الأمر فقط بتعريف الأجيال الناشئة على إبداعات هذا المثقف الفذ والأديب المميز، بل ربما أمكن ايضا بمزيد من الغوص والتحليل في أعمال الشهيد اكتشاف مساحات جديدة من إبداع هذا المناضل الاستثنائي الذي يحتل بجدارة مكانة مرموقة وراسخة في الأدب العربي والعالمي.

 وتشتد الحاجة ايضا للتوسع في دراسة هذا الأديب الشهيد لما يمثله من نموذج عربي فريد لشخصية "المثقف العضوي" التي بشر بها القائد الشيوعي الإيطالي أنطونيو غرامشي في عشرينات القرن الماضي.

اصدر غسان كنفاني خلال حياته القصيرة جدا 18 كتابا، تنوعت بين الرواية والقصة القصيرة والنقد الأدبي والمسرحيات والمقالات والدراسات التاريخية، يالإضافة إلى عمله الصحفي اليومي رئيسا لتحرير مجلة الهدف الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وقبلها في مجلة الحرية التي كانت ناطقة باسم حركة القوميين العرب، وجريدتي المحرر والأنوار اللبنانيتين، وهو إلى جانب ذلك كان فنانا ورساما، وإنسانا مندفعا في حبه للحياة وعيشه إياها باعتبارها فرصة  للعطاء والمساهمة في إضافة شيءمميز وترك بصمات للتاريخ، وكان مشغولا ومسكونا بهموم شعبه المشرد في المخيمات والمنافي، وإلى كل  ذلك كان مسؤولا رئيسيا وعضوا في أعلى هيئة قيادية (المكتب السياسي) للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

من المؤكد أن وظيفة واحدة من كل ما ذكر أعلاه كانت كافية لتملأ وتشبع حياة اي شخص قيادي وبالذات حين يكون مثقفا، لكن غسان كان رجلا مختلفا ومتميزا، وهو الذي تحفل سيرة حياته بأسباب كثيرة للدهشة، منها على سبيل المثال كيف استطاع هذا المثقف الشاب قبل بلوغه سن السادسة والثلاثين (سنة استشهاده اغتيالا عام 1972 على يد المخابرات الصهيونية) أن ينتج كل هذا الكم من العطاء الأدبي والابداعي والبحثي التاريخي والسياسي والصحفي اليومي؟ كيف تسنى له كل ذلك وهو الذي اصيب مبكرا بمرض السكري بكل ما يعنيه ذلك من الم يومي ومعاناة ووقت مخصص للعلاج، وقيود على حجم العمل وطريقة الحياة والطاقات البدنية لجسد إنسان حقيقي ؟

وإذا قيمنا مجالات عطاء غسان وإبداعاته يفترض أن نلاحظ أنه انخرط بكليته في مجالين وعرين وشائكين، بل وشديدي الإشغال لأي إنسان، من شأن واحد منهما على الأقل أن يحد من طاقات غسان الإبداعية، والمقصود بذلك الانهماك اليومي والانخراط الكلي في السياسة والعمل الحزبي من جهة، والصحافة من جهة أخرى، لكن غسان كان مختلفا، والجواب الوحيد الذي يفسر هذا التميز هو جواب غرامشي الآنف الذكر عن المثقف العضوي، أي الموظف المنخرط بكليته في قضايا طبقته الاجتماعية وشعبه، ويبدو انه كانت لدى غسان اسباب أخرى تضاف لشخصيته الاستثنائية، ومنها على الأرجح أنه كان مسكونا أو مشغولا بهاجس الموت المبكر، اغتيالا أو مرضا، لذلك كان مقتنعا بأن الفرصة المتاحة امامه لقول ما عنده هي فرصة محدودة.

في التاريخ السياسي الفلسطيني الذي تبع استشهاد غسان، طغت صورة البطل الشهيد على صورة المثقف العضوي والأديب المبدع، وهي صورة مشرفة بالفعل ووضّاءة ومؤثرة، مع أن الصورة الثانية أكثر خلودا واستقرارا وربما تاثيرا على مر الأجيال، ولعل انتماء غسان الحزبي هو الذي حاصر غسان في هذا الإطار الضيق، سواء لأسباب إيجابية حسنة النية كما يفعل رفاق غسان في الجبهة الشعبية الذين خلدوا اسمه بعمليات فدائية ومجموعات مقاتلة ومؤخرا بروضات أطفال ومدارس، او لأسباب معاكسة كما يفعل القائمون على مؤسسات العمل الرسمي، مع أن كبار رموز الثقافة الفلسطينية وبالأخص محمود درويش وسميح القاسم وإميل حبيبي أنصفوا غسان المبدع الذي كان إبداعه مستقلا عن استشهاده وسابقا له.

كتبت الكثير من الدراسات المتخصصة عن أعمال غسان الروائية والقصصية المميزة، وما حملته من إضافات نوعية لصورة الفلسطيني الجديد، الخارج من رماد النكبة وهزيمتها، فالفلسطيني الذي يظهر في كتابات غسان ليس ذاك الذي يتحسر على نكبته وخساراته، بل هو الفدائي الذي يتمرد على واقعه الجديد ويعمل بكل ما أإوتي من قوة وعنفوان وإرادة على تغيير هذا الواقع وهزّ الواقع المحلي والإقليمي هزّا عنيفا، وهو في هذا السياق لا يسلم بثقافته الموروثة ولا بالأحكام التي يحاول الحكام تكريسها، ولا يسلم حتى بوجود هؤلاء الحكام والقيادات أنفسهم ولا بشرعية وجودهم وأهليتهم للقيادة، وهو في الوقت الذي يفضحهم ويعريهم، يكشف الجمال الكامن في شخصياته الشعبية البسيطة والتلقائية، يكشف غنى شخصيات هؤلاء اللاجئين الذين خسروا وطنهم ولم يخسروا  إنسانيتهم.

في دراساته الأدبية والتاريخية ارتاد غسان كنفاني مناطق كانت مجهولة للدارسين والمثقفين وبشكل خاص دراساته الطليعية والريادية عن الأدب الصهيوني والأدب الفلسطيني المقاوم في فلسطين المحتلة عام 1948،

اما دراسته لثورة 1936 فهي بحق دراسة تأسيسية في منهجها البحثي المادي التاريخي، وذلك على الرغم من محدودية حجمها وفصولها الذي ربما يعود لقلة المصادر التي كانت متاحة لغسان وقت الكتابة إلى قلة الوقت الذي كرسه لهذا الغرض، حيث أن مئات الشهادات الموثقة والأرشيف البريطاني والصهيوني والمذكرات العربية اتيحت فقط في السنوات الأخيرة وبعد استشهاد غسان بوقت طويل، ففي الصفحات المحدودة من دراسته، يكشف غسان طبيعة المصالح الفئوية الضيقة التي كانت تقف وراء مواقف القيادات التقليدية الإقطاعية الدينية الفلسطينية، ورهاناتها الخاسرة والعبثية على الأجنبي، وعدم ثقتها في شعبها وفي خياراته الكفاحية، وهكذا فإن ما كشفه غسان عن إجهاض ثورة 1936 يمكن أن يفسر أسباب الهزيمة الكبرى التي شكلتها النكبة، بل وأسباب الخسائر المتوالية التي لا زال الشعب الفلسطيني يمنى بها حتى الآن.

×
أخبار
بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط