كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

غسان نايف قبها؛ نموذج القيادة الإنسانية في زمن الحصار

غسان نايف قبها؛ نموذج القيادة الإنسانية في زمن الحصار

تاريخ النشر: 2026-02-08 | 12:29

في الأزمنة العادية قد تُقاس القيادة بقدرتها على إدارة الموارد وتوزيع الأدوار، أمّا في الأزمنة الاستثنائية، حيث تضيق الجغرافيا وتتشظّى الحياة تحت وطأة القهر السياسي، فإن القيادة تتحوّل إلى امتحانٍ وجوديّ، يُختبر فيه معدن الإنسان قبل كفاءته، وصدقه قبل مهارته، من هذا الأفق تتبدّى تجربة السيد غسّان نايف قبها لا بوصفها مسارًا إداريًا متدرّجًا؛ بل باعتبارها تجربة وعيٍ تشكّل في قلب التعقيد، ونضج تحت ضغط القيود، وتحوّل مع الزمن إلى رؤية متكاملة لمعنى المسؤولية حين لا تكون السلطة امتيازًا؛ إنما عبئًا أخلاقيًا ثقيلًا، لقد نشأت هذه التجربة في بيئة لا تسمح بالترف السياسي، ولا تحتمل الخطأ، حيث يُحاسَب القرار بآثاره المباشرة على حياة الناس، لا بنيّاته المعلنة.

يتولّى غسّان قبها اليوم رئاسة بلدية برطعة، وهي مسؤولية لا يمكن فهم أبعادها خارج السياق القاسي الذي تعيشه القرية، كونها واقعة داخل الجدار، ومحاصَرة بالحواجز، ومقيّدة الحركة، تُدار شؤونها اليومية تحت سطوة الاحتلال واختلال موازين القوة، فهنا لا تُقاس البلدية بعدد معاملاتها؛ بل بقدرتها على حماية الناس من الاختناق، وعلى إبقاء شرايين الحياة مفتوحة في جسدٍ جغرافي مُحاصر، في هذا الواقع، لم يتعامل قبها مع موقعه بوصفه منصبًا إداريًا تقليديًا؛ إنما بوصفه موقع اشتباك عقلاني مع منظومة قهر معقّدة، تتطلّب إدارة دقيقة، ووعيًا قانونيًا، وحسًّا سياسيًا هادئًا، وقدرة على تحويل الممكن المحدود إلى إنجاز فعلي يحفظ للناس كرامتهم واستمراريتهم.

ومن هذا الإدراك العميق لطبيعة المكان، جاءت مقاربته للمشاريع التنموية مقاربة مختلفة في جوهرها؛ إذ لم تكن المشاريع عنده استعراضًا تنمويًا، ولا محاولة لتجميل واقعٍ قاسٍ؛ بل أدوات مدروسة لتفكيك آثار العزل، ومواجهة نتائج الحصار بأسلوب تراكمي طويل النفس، فقد سعى إلى تنفيذ العديد من المشاريع التي تُخفّف من وطأة الحواجز على تفاصيل الحياة اليومية، وتُعيد تنظيم الفضاء العام بما يسمح للناس بالتحرّك والعمل والبقاء، لقد كانت المشاريع، في فلسفته، جزءًا من معركة الصمود المدني، تُدار بعقل بارد، بعيدًا عن الانفعال، لكنها مشبعة بإرادة ثابتة في حماية المجتمع من التآكل، وفي تثبيت الناس في أرضهم رغم كل ما يُفرض عليهم من قيود.

وفي هذا السياق شديد الحساسية، اكتسبت إدارة المال العام بعدًا مضاعفًا في الأهمية، إذ أدرك قبها أن الموارد في بيئة محاصَرة ليست مجرد أرقام؛ بل شريان حياة، وأن أي سوء تقدير أو خلل في الأولويات قد ينعكس مباشرة على قدرة الناس على الاحتمال، لذا، اتسم أداؤه المالي والإداري بالانضباط الصارم، وبالحرص على توجيه الموارد حيث تكون الحاجة أكثر إلحاحًا، وحيث يكون الأثر أكثر عمقًا واستدامة، ولم يكن القرار المالي عنده إجراءً تقنيًا؛ إنما موقفًا أخلاقيًا يُبنى على سؤال جوهري: كيف نخدم الناس بأقصى ما تسمح به الإمكانات، دون أن نُثقل كاهلهم أو نبدّد ما تبقّى لهم من ثقة بالمؤسسات، وننهض وفق تنمية شاملة ومُستدامة؟!

أما على المستوى الإنساني، فقد تميّزت تجربته بقربٍ واعٍ من الناس، لا قربٍ عاطفي ساذج؛ بل قربٍ مبنيّ على فهمٍ عميق لأثر الحصار والاحتلال في النفس قبل المكان، كان يدرك أن الحواجز لا تعيق الحركة فحسب؛ إنما تُراكم في الإنسان شعورًا دائمًا بالقلق والهشاشة، وأن وظيفة البلدية في مثل هذا السياق لا تقتصر على تقديم الخدمة؛ بل تمتدّ إلى إعادة شيء من الإحساس بالأمان، ومن الشعور بأن هناك من يرى الناس ويسمعهم ويتحمّل عنهم جزءًا من العبء، لذا، كان حضوره في تفاصيل المجتمع حضور مسؤولٍ يعرف أن العدالة تبدأ من الإنصات، وأن الكرامة لا تُصان بالقرارات الكبرى وحدها؛ بل بالعناية بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة اليومية.

وقبل موقعه الحالي، شغل غسّان نايف قبها منصب وكيلٍ مساعد في وزارة الشباب والرياضة، وهي محطة مهمّة أسهمت في تعميق رؤيته، ونقل تجربته من المحلي الضيّق إلى الفضاء الوطني الأوسع، في هذا الموقع، تعامل مع ملف الشباب بوصفه قضية مصيرية تتصل بمستقبل المجتمع كله، لا نشاطًا هامشيًا أو ترفًا مؤقتًا، وأدرك أن الشباب في البيئات المقهورة هم الأكثر عرضة للإحباط، لكنهم في الوقت ذاته الأكثر قدرة على التحوّل إلى قوة بناء إن أُحسن توجيههم وتمكينهم، ومن هنا، جاءت مقاربته قائمة على بناء الإنسان المتوازن، والقادر على التنظيم والانضباط والعمل الجماعي، وعلى تحويل الرياضة والثقافة إلى أدوات استراتيجية في حماية المجتمع من التفكك واليأس.

وحين اتخذ قبها قرار المشاركة في خدمة القرية، لم يكن هذا الفعل مجرد انتقال بين مواقع، ولا محاولة لإعادة إنتاج الحضور؛ بل امتدادًا طبيعيًا لمسارٍ متواصل لم يعرف الانقطاع، وقد جاء هذا القرار تعبيرًا عن قناعة راسخة بأن المسؤولية في البيئات المحاصَرة لا تحتمل التراجع، وأن الانسحاب في لحظات التعقيد يترك الفراغ للعبث بالمصلحة العامة، وتحرك بخبرة ناضجة، ووعي متشكّل تحت ضغط الواقع، واستعداد لتحمّل كلفة القرار العام، مدركًا أن الشرعية الحقيقية لا تُمنح من موقعٍ أعلى، بل تُستمد من الثقة المتبادلة مع الناس، ومن القدرة على البقاء في خدمتهم حين تضيق الخيارات، وحين يشتدّ الظرف، ويصبح الفعل المدني أداة للصمود وبناء الأمل.

إن تجربة غسّان قبها، في مجملها، تمثّل نموذجًا نادرًا لقيادة محلية تشكّلت داخل الجدار لا خارجه، واشتغلت في قلب القيود لا على هامشها، وحاولت أن تُعيد تعريف العمل البلدي بوصفه فعل صمود يومي، لا إدارة روتينية، فهي تجربة رجلٍ لم يرفع صوته أكثر مما رفع مستوى عمله، ولم يراهن على الخطاب بقدر ما راهن على الأثر، وترك في برطعة معنى يتجاوز المنصب، ويتمثّل في وعيٍ جماعي بأن القيادة، حين تُمارَس بصدق، قادرة على أن تفتح في الجدران الضيّقة نوافذ للحياة.

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط