تاريخ النشر: 2026-10-06 | 14:22
تاريخ النشر: 2026-10-06 | 14:22
مقدمة: أسئلة موجعة لا يسع الضحية صمتها
إذا كان «غشاء البكارة» في المقال السابق قد مثّل ذلك الحاجز الذي ظلّ يحيط بالمنظومة الأمنية الإسرائيلية، فإن السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 لم يكشف هشاشة ذلك الحاجز فحسب، بل فتح الباب أمام سؤال أكبر بكثير:
ماذا كان الهدف من كل ما حدث؟ وماذا كان المقابل الذي أُريد الوصول إليه؟
هنا لا نتحدث عن لحظة عسكرية عابرة، ولا عن عملية انتهت بانتهاء ساعاتها الأولى، وإنما عن قرار هزّ المنطقة بأكملها، ثم أعقبه رد إسرائيلي واسع خلّف كارثة إنسانية ودمارًا هائلًا في قطاع غزة.
وقد أعلنت حركة حماس مسؤوليتها عن عملية «طوفان الأقصى»، وقدمت لها تفسيرات وأهدافًا متعددة. لكن البيانات والشعارات شيء، وحسابات النتائج شيء آخر.
ففي السياسة والحروب، لا يكفي أن تسأل: ماذا فعلت؟
بل يجب أن تسأل أيضًا: ماذا كنت تتوقع أن يحدث بعد ذلك؟
وهنا تكمن العقدة الكبرى.
غياب حسابات اليوم التالي والمقامرة بمصير السكان
قيادة أي تنظيم عسكري عندما تتخذ قرارًا بحجم السابع من أكتوبر، لا تتعامل فقط مع الساعات الأولى للعملية، وإنما يفترض أنها تضع في حساباتها رد فعل الخصم، وطبيعة ميزان القوى، وقدرة الطرف الآخر على تحويل الصدمة إلى حرب شاملة.
فإذا كانت القيادة تدرك أن قطاع غزة محاصر، وأن إسرائيل تمتلك تفوقًا عسكريًا هائلًا، وأن مساحة القطاع لا تسمح بحرب تقليدية طويلة دون أثمان هائلة على السكان، فإن السؤال يصبح مشروعًا: أين كانت حسابات اليوم التالي؟
لا أقول إنني أعرف ما دار داخل غرف القرار، ولا أملك حق اختراع النوايا أو محاكمة ما لم يُثبت. لكنني أملك، ككاتب وصحفي فلسطيني، حق طرح السؤال الذي يوجع: هل كانت هناك خطة سياسية واضحة لما بعد العملية؟ وهل كان الثمن المتوقع محسوبًا؟ وهل كان في الحساب مصير أكثر من مليوني إنسان يعيشون في قطاع غزة؟
هنا تحديدًا يجب أن نخرج من سحر اللحظة الأولى. فقد يكون اختراق منظومة أمنية متطورة حدثًا عسكريًا كبيرًا، لكن قيمة أي عملية لا تُقاس فقط بقدرتها على مفاجأة الخصم، وإنما بقدرتها على تحويل تلك المفاجأة إلى نتيجة سياسية تحمي الشعب وتخدم القضية.
المفارقة المؤلمة: انكشاف غزة والمساءلة السياسية
وإلا فإننا نصل إلى المفارقة المؤلمة: تم اختراق الغشاء الأمني… لكن هل انكشفت معه غزة؟
لقد تحولت غزة بعد ذلك إلى مسرح لحرب مدمرة؛ سقط آلاف المدنيين، ودُمرت أحياء كاملة، ونزحت عائلات، وفقدت أجيال من الفلسطينيين بيوتها وأمنها ومستقبلها. وهنا لا يستطيع أحد أن يطلب من الضحية أن تصمت بحجة أن السؤال قد يزعج القيادة.
فالقيادات تُسأل.
والقرارات الكبرى تُراجع.
والحروب لا ينبغي أن تكون خارج دائرة المساءلة السياسية والتاريخية.
ولذلك فإن السؤال ليس: هل كانت هناك شجاعة في اتخاذ القرار؟ (فالشجاعة وحدها لا تكفي).
السؤال الحقيقي: هل كان القرار حكيمًا في حساب نتائجه؟
التداعيات الكارثية والمقامرة الفاشلة بأرواح البشر
عندما اتخذ القرار بالدخول في أتون معركة خاسرة وغير متكافئة، وأنتم تعلمون أن الجبهة الداخلية للمجتمع الغزي لم تكن مهيأة نفسياً ولا لوجستياً لهذه الحرب، كيف تزجون بأكثر من مليوني فلسطيني للإبادة الجماعية؟
ماذا حصلتم من وراء هذه الإبادة؟ بالطبع لا توجد إجابة مقعنة دفعتكم للمقامرة بمصير شعبنا في غزة.
قلتم عن تحرير الأقصى؛ فما زال دنسه قائماً.
قلتم عن تبييض السجون؛ فزاد عدد المعتقلين أضعافاً مضاعفة عما كان عليه.
قلتم رداً على المذابح والإعدامات اليومية؛ فما زال العدو يبطش ويقتل وأنتم مكتوفو الأيدي في مواجهته، سوى أن أيديكم بدت حرة في قتل وتعذيب أبناء شعبنا تحت حجج وذرائع كاذبة.
والنتيجة؟ أننا مشردون متسولون بالشوارع، غطاؤنا السماء وفراشنا الأرض، ولا حول لنا ولا قوة. يا الهي، نفختم كروشكم وملأتم جيوبكم بالأموال باسم معاناة شعبنا الأبي، بينما هتكتم نسيج المجتمع وأعدتمونا إلى الوراء عشرات السنين!
إذا قلتم بأن العالم انتفض لأجلكم، أنتم واهمون؛ فالعالم انتفض لدماء الأبرياء وليس لعظمة هيستريتكم. فانتهكت الأعراض، وانتهكت القيم، وذبح شعبنا دون حماية من سلاح العدو الغاشم ودون رحمة.
توظيف الإنسان للإبادة: هل تختلف العقلية؟
إذا كانت المنظومة الأمنية الإسرائيلية قد وظفت «غشاء البكارة» للمرأة وسفك دماء جنودها والمدنيين مقابل الوصول إلى أهدافها التي ذكرتها في المقال السابق، فهل تختلف العقلية الأمنية لقيادة حماس عن العقلية الأمنية الإسرائيلية من حيث التفكير؟
هل سحقت حماس أقدس ما يملكه الإنسان الفلسطيني من خلال توظيف ميكيافيلي (الغاية تبرر الوسيلة)، وعرض روح الإنسان ودمه وما يملك للإبادة الجماعية من أجل مآرب وأهداف رجسة، وشعبنا لا ناقة له فيها ولا جمل؟
فماذا حققت حماس من أهداف الحرب؟ وهل وصلت إلى ما كانت تسعى له؟
على ما أظن، لقد تناغمت مع الاحتلال في إنهاء القضية الفلسطينية وشطبها تاريخياً، وإنهاء الوجود الفلسطيني من على أرضه، وإلا فما الذي يفسر هذه المقامرة الفاشلة بأرواح الناس؟
فلسطين أكبر من حركة، وأكبر من فصيل، وأكبر من أي قيادة. وغزة ليست ملكًا لأحد حتى تُدفع وحدها ثمناً لأي حساب سياسي أو عسكري.
خاتمة: محاسبة من قادوا الكارثة
لقد سقط «الغشاء الأمني» الإسرائيلي في السابع من أكتوبر، لكن بعد كل ما جرى، بقي غشاء آخر ينبغي أن ينكشف: غشاء الحسابات السياسية.
ماذا كان الهدف النهائي؟
ما الذي كان متوقعاً؟ وما الذي تحقق وما لم يتحقق؟
ومن دفع الثمن؟ ومن يتحمل مسؤولية مراجعة التجربة؟
هذه ليست أسئلة للشماتة، إنها أسئلة الفلسطيني الذي يريد أن يفهم، وأسئلة غزة التي دفعت من دمها وبيوتها وأمنها ومستقبل أبنائها. وعليه، فإن من قادوا هذه المقامرة الفاشلة ودفعوا بشعبنا إلى أتون الإبادة يتحملون المسؤولية الكاملة، وshould (يجب) تقديمهم للعدالة والمحاكمات العسكرية الفلسطينية ليكونوا عبرة لكل من يتلاعب بمصير الأوطان والشعوب.
فإذا كان السابع من أكتوبر قد كسر حاجزاً أمنيًا، فإن التاريخ سيظل يبحث عن إجابة للحاجز الأصعب:
كيف تتحول الصدمة العسكرية إلى إنجاز سياسي، دون أن يتحول الشعب نفسه إلى ثمن؟
وهنا فقط يمكن أن نفهم أن المعركة الحقيقية ليست في لحظة الاقتحام الأولى… بل في اليوم التالي. فمن يعرف كيف يبدأ المعركة ولا يعرف كيف يحمي شعبه من نتائجها، يترك خلفه سؤالاً أثقل من كل الشعارات:
«كل هذا الثمن… مقابل ماذا؟»