كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

فارس القدس ونسر الأقصى.. الأسير علاء البازيان

فارس القدس ونسر الأقصى.. الأسير علاء البازيان

تاريخ النشر: 2021-01-05 | 11:22

حسن العاصي
حسن العاصي

فقد بصره، ولا زال يكابد ألم السجن، ولوعة الفراق، وأحزان البعد والحرمان، وأوجاع الأمراض التي أنهكت جسده النحيل، لكنها لم تنل من عزيمته الفولاذية.

يشبه قبة الصخرة في القدس الشريف بثباته. ومثل جدران المدينة القديمة حيث وُلد، يقف الأسير المناضل الفلسطيني المقدسي الكفيف "علاء البازيان" في زنزانته شامخاً بكل عنفوان بوجه الجلادين الصهاينة.

فقد والده التسعيني الصابر الذي أمضى عمره متنقلاً من سجن لآخر خلف فلذة كبده، في شهر أيلول/سبتمبر العام 2009 دون أن يتمكن من رؤيته لمدة عشر سنوات متواصلة قبل وفاته. حين سمع بخبر وفاه والده  قال "تمنيت يا والدي أن أحضنك لساعات، وأن أكلم مرضك ليدعك وشأنك لأنني أحبك كثيراً، وفقداني لك يعني خسارتي لآخر قلاع العز والفخار"

ثم بعد أقل من عام، في شهر تموز/ يوليو من العام 2010 فقد والدته المرابطة، حيث انتقلت الحاجة المقدسية "انتصار البازيان" إلى جوار ربها بعد صراع مرير وطويل مع مرض السرطان. عاجلها الموت قبل أن تتمكن من تحقيق أمنيتها التي انتظرتها طوال أربعة وعشرون عاماً لاحتضان ابنها وإقامة حفل زفافه.

 وكانت والدة الأسير حُرمت من زيارته خلال آخر سبعة أعوام قبل وفاتها بسبب مرضها الشديد، وبسبب قرارات إدارة السجون الإسرائيلية. غادرت الحياة دون أن يراها ابنها الأسير، دون أن يودعها، دون أن تحتضنه، دون أن يقبل يديها للمرة الأخيرة قبل أن تُوارى الثرى.

حين أخبروه بوفاة والدته، وأن جميع سكان البلدة القديمة في القدس صغاراً وكباراً قد ساروا في جنازتها، وأن جدران البلدة قد بكتها قبل أن يبكيها الرجال والنساء، بكى بكاءًا كثيراً وقال "سامحيني يا أمي على كل لحظة ألم سببها لك اعتقالي، عن كل الوقت الذي أمضيته وأنت تجرين خلفي من سجن لآخر، كم كنت أتمنى أن أتنفس آلامك وأن أستشعر حزنك ومرضك، تمنيت يا والدتي أن اقتلع من جسدك الطاهر ذلك المرض الخبيث كما أقتلع الأشواك من غصن الورد، لأغرسه في جسدي لتعيشي سعيدة ومعافاة"

يُشبه صخور القدس

الأسير الباسق علاء البازيان رمز من الرموز النضالية للحركة الاسيرة الفلسطينية، وقامة وطنية سامقة، وعلامة كفاحية بارزة. سنديانة مقدسية متجذرة، وواحداً من الأسرى القدامى. يعتبر من عمداء الأسرى وسادس أقدم أسير مقدسي.

ترعرع في البلدة القديمة التي هي قلب مدينة القدس، فيها المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

لكن المدينة تغيرت كثيراً ملامحها منذ شاهدها المناضل الصامد الأسير  آخر مرة منذ واحد وأربعون عاماً، قبل أن تُصاب عينيه ويفقد البصر.

الشاب المقدسي ذاته الذي أرهقته تصاريف الأيام قد تغيرت معالم وجهه أيضاً، وشاب شعر رأسه بما تحمّل ما تنوء الجبال عن حمله، لكن إيمانه بعدالة ومشروعية قضيته لم يتغير، وكذلك نظارته السوداء التي تخفي خلفها حكاية فتى مقدسي رفض الخضوع لطغيان الاحتلال لم تتغير كذلك.

علاء الملقب "أبو كمال" الذي ترعرع في أزقة مدينة القدس وفي حواري بلدتها القديمة، لم يستطع رؤية جنود الاحتلال الصهيوني يجوبون شوارع المدينة، فالتحق مبكراً بالعمل الوطني، وتعرض للإصابة والاعتقال في سن مبكرة، تعرض لأبشع أنواع التعذيب، لكنه مناضل صلب وفدائي عقائدي، صاحب انتماء راسخ.

 القضية الوطنية بالنسبة له مقدسة وفوق جميع الاعتبارات الأخرى. لم تردعه سادية السجان، ولا ظلام السجون، ولا التعذيب، ولا فقدان البصر والعائلة، ولا ألم الأمراض المزمنة، عن مواصلة طريقه في النضال ومقاومة الاحتلال الصهيوني، ولم تفلح كافة الأساليب التي استخدمها السجّان الفاشي في كسر إرادته وإضعاف معنوياته، بل على العكس تماماً، زاده الألم إصراراً فوق إصرار على المضي قدماً، ليكون واحداً من أبرز القادة المُنظمين والمُلهمين في الحركة الأسيرة الفلسطينية داخل السجون الصهيونية.

مأساة الاعتقال

ولد الأسير المقدسي "علاء الدين أحمد رضا البازيان" الملقب ـ أبو كمال ـ  في عام 1958 في حارة السعدية في البلدة القديمة بالقدس الشريف. وفي عام 1977 انضم إلى صفوف الثورة الفلسطينية. بتاريخ 20/4/ 1979 حاول مع مناضل آخر وضع عبوة ناسفة داخل سيارة أحد الضباط الصهاينة، لكن القنبلة انفجرت بهما. على الفور استشهد كمال النابلسي، وأصيب علاء البازيان بجروح خطيرة في كافة أنحاء جسده وعينيه.

تم إلقاء القبض عليه من قبل قوات الاحتلال حيث تعرض إلى أقسى أنواع التعذيب. وتمت مساومته على جراحه، على أن يعترف بمسؤوليته عن التفجير مقابل معالجة عينيه، لكنه رفض، فقام الأطباء الصهاينة بخياطة عينيه دون علاجهما، ثم تم استئصال طحاله الذي تضرر بالانفجار. أُفرج عنه في 22/4/1981 لعدم توفر الأدلة ضده. لكن بعد شهور قليلة عادت والقت قوات الاحتلال القبض عليه بتاريخ 4/12/1981 وحكمت عليه المحكمة الصهيونية بالسجن لمدة عشرين عاماً.

 تم إطلاق سراحه ضمن عملية تبادل الأسرى في عام 1985. لكن قوات الاحتلال الفاشي عادت واعتقلته بعد اقل من عام في 20/6/1986، وحكمت عليه بالسجن المؤبد مدى الحياة بتهمة تشكيل وتنظيم مجموعات فدائية تعمل ضد جيش الاحتلال.

في 11/10/2011 تم الإفراج عنه ضمن صفقة "شاليط" لتبادل الأسرى. وأعيد اعتقاله من جديد بتاريخ 18/6/2014 وتم الحكم عليه بالمؤبد مرة أخرى.

 يبلغ الأسير الفلسطيني المقدسي المرابط "علاء البازيان" من العمر الآن اثنان وستون عاماً، وبلغت حصيلة سنوات اعتقاله ثمانية وثلاثون عاماً في سجون وزنازين الاحتلال الصهيوني الفاشي.

أيها الأقوام

السؤال الهام الكبير والملح الذي نوجهه إلى كل ذي شأن بقضية الأسرى، السلطة الفلسطينية، جامعة الدول العربية، المؤسسات الحقوقية ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، وإلى كل حر وشريف في هذا العالم البائس: إلى متى يستمر اعتقال علاء البازيان وبقية الأسرى؟ حتى متى تتواصل هذه المأساة الوطنية الإنسانية؟ هل يظل الأسرى الفلسطينيين يودعون الأمهات والآباء وذويهم وهم في يذرفون الدموع بصمت؟ ومتى نكف عن رسائل وخطابات التضامن، وبرقيات التعازي وعبارات المواساة، ونبدأ بتحرك يفضي إلى تحرير الأسرى الفلسطينيين من السجون الصهيونية وإطلاق سراحهم جميعاً؟

يا معشر بني آدم:    

حين يصبح الواقع الحقيقي أكثر دهشة وغرابة ووحشة من كل ما يتخيله العقل البشري، تفقد القيم والأخلاق قيمتها ومعناها، وترتبك القواعد والمفاهيم.

هؤلاء الأسرى بشر مثلكم من لحم ودم، مضى على معظمهم أكثر من ربع قرن في سجون الاحتلال الصهيوني الفاشي، وبعضهم أمضى أكثر من أربعين عاماً، دون أن يلمسوا ويقبلوا أيادي الآباء والأمهات، دون أن يحضنوا الشقيقات والأشقاء وأبناءهم كما تفعلون، دون أن يشاهدوا شروق وغروب الشمس كما يروق لبعضكم، دون أن يأكلوا طعاماً منزلياً كما تتناولون يومياً، دون زواج وعائلة وإنجاب، دون أن يفعلوا الأشياء البسيطة التي تتذمرون أنتم منها. بعضهم شهد تغيير أبواب السجن الحديدية المصفحة مرتين خلال فترة اعتقاله.

 ألم يحن الوقت للقيام بأوسع حملة تضامن فلسطينية ـ عربية ـ دولية للضغط على حكومة الكيان الصهيوني من أجل إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين من سجونها؟

أما حان الوقت كي يستيقظ ضمير هذا العالم ويرى ما تفعله إسرائيل بحق آلاف الأسرى الفلسطينيين؟

سلاماً عليك أبا كمال، سلاماً عليك يا أمير الثوار، سلاماً عليك يا فارس الفرسان، سلاماً عليك وعلى جميع الأسرى، سلاماً عليك وعلى القدس توأم الشام وشقيقة المسيح، على الكروم وبساتين التين، وعلى شراب البن وأكواب القهوة في الشرفات العتيقة.

تستحقك الحرية الكاملة أيها النسر الكفيف المُبصر الفؤاد. العار للمُبصرين العميان.

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط