كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

“فتح الأم” في مواجهة “فتح الرِّدة”… معركة الهوية داخل الحركة

“فتح الأم” في مواجهة “فتح الرِّدة”… معركة الهوية داخل الحركة

تاريخ النشر: 2026-05-20 | 11:47

ليست كلُّ الكلمات التي تُقال في السياسة تمرُّ مرورًا عابرًا، فبعضُ التصريحات تحملُ داخلها زلازلَ تنظيمية ورسائلَ أعمق من ظاهرها، خصوصًا حين تصدر عن قائدٍ تاريخي بحجم عباس زكي، الرجل الذي عايش تفاصيل الثورة الفلسطينية منذ بداياتها، ويعرف جيدًا كيف تُبنى الحركات وكيف يمكن أن تتآكل من الداخل.

وحين قال عبارته اللافتة:
“انتظروا عودة فتح الرِّدة إلى فتح الأم الحقيقية”
فإنه لم يكن يُطلق توصيفًا عابرًا، ولا يكتب جملة للاستهلاك الإعلامي، بل كان يعبّر عن أزمةٍ عميقة داخل البيت الفتحاوي، أزمة تتعلق بالهوية، والانتماء، وطبيعة المسار الذي وصلت إليه الحركة بعد سنوات طويلة من التحولات والصراعات الداخلية.

إن مصطلح “فتح الرِّدة” هنا لا يُفهم بالمعنى الديني، بل بالمعنى التنظيمي والسياسي؛ أي فتح التي ارتدت – وفق رؤية قائلها – عن بعض مبادئها الأولى، وعن روحها الثورية الجامعة، وتحولت في بعض مفاصلها إلى حالة من التنافس الداخلي، والإقصاء، وصراع النفوذ، والابتعاد عن نبض القاعدة الفتحاوية التي صنعت تاريخ الحركة بدمها وتضحياتها.

فـ حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح لم تكن يومًا مجرد إطار تنظيمي يبحث عن السلطة أو المواقع، بل كانت مشروعًا وطنيًا تحرريًا حمل قضية شعب كامل، ودفعت في سبيله آلاف الشهداء والأسرى والجرحى والمنفيين. ولذلك فإن الخوف الحقيقي عند القيادات التاريخية لا يكون من الخصوم فقط، بل من لحظة ابتعاد الحركة عن ذاتها وعن فكرتها الأصلية.

حديث عباس زكي بدا وكأنه صرخة رجل يرى أن هناك فجوة تتسع بين “فتح الثورة” و“فتح الواقع الحالي”.
بين فتح التي كانت بيتًا لكل المناضلين، وفتح التي يشعر كثيرون أن أبوابها أصبحت تضيق بأبنائها.
بين فتح التي كانت توحّد الساحات، وفتح التي أنهكتها الانقسامات والتكتلات والحسابات الداخلية.

إنه حديث عن فتح التي:

كانت تقدّم الكادر قبل الولاء الشخصي.

وتحمي تاريخ المناضل بدل أن تدفعه إلى الهامش.

وتؤمن بالحوار لا بالإقصاء.

وتعتبر التنظيم حالة نضالية لا شبكة مصالح.

ولذلك فإن عبارة “العودة إلى فتح الأم” تحمل معنى أعمق من مجرد مصالحة داخلية؛ إنها دعوة للعودة إلى الروح الأولى للحركة، إلى أخلاقها الثورية، وإلى مفهوم الشراكة الوطنية والتنظيمية الذي قامت عليه منذ انطلاقتها بقيادة ياسر عرفات ورفاقه المؤسسين.

ففتح الأم، في الوعي الفتحاوي القديم، ليست اسمًا تنظيميًا فقط، بل حالة وطنية جامعة:
فتح الشهداء.
فتح الأسرى.
فتح المخيمات.
فتح التي صنعت الهوية الوطنية الفلسطينية، ورفعت علم فلسطين في أصعب المراحل، وكانت العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني.

أما “فتح الرِّدة”، وفق هذا التوصيف السياسي، فهي الحالة التي ابتعدت عن تلك القيم، وأغرقتها الحسابات الداخلية، حتى بات كثير من أبناء الحركة يشعرون بالغربة داخل بيتهم التنظيمي.

وربما تكمن خطورة تصريح عباس زكي في أنه يكشف حجم الوجع الداخلي داخل الحركة، لا سيما في ظل ما شهدته الساحة الفتحاوية خلال السنوات الأخيرة من صراعات، واستقطابات، وحملات تخوين وتشويه، وتراجع واضح في العلاقة بين القاعدة التنظيمية وبعض مراكز القرار.

فالرجل لم يكن يتحدث من موقع الخصومة مع فتح، بل من موقع الخوف عليها.
ولم يكن يهاجم الحركة، بل كان يحاول الدفاع عن صورتها التاريخية التي يشعر أنها تتعرض للاهتزاز.

وفي الحقيقة، فإن أكبر تهديد لأي حركة تحرر وطني لا يكون دائمًا من الخارج، بل من لحظة فقدان البوصلة الداخلية، حين يتحول التنظيم من مشروع وطني جامع إلى ساحة صراع داخلي، وحين تتراجع قيمة التاريخ النضالي أمام معادلات النفوذ والمصالح.

اليوم، يبدو السؤال الذي طرحه عباس زكي بين السطور أكثر خطورة من التصريح نفسه:
هل ما زالت فتح تشبه فتح التي عرفها الفلسطينيون؟
وهل تستطيع الحركة أن تعيد ترميم بيتها الداخلي، وتستعيد ثقة كوادرها وجماهيرها، وتعود فعلًا إلى “فتح الأم”؟

إنها ليست معركة أشخاص… بل معركة هوية ومسار ومستقبل.
معركة بين فتح التي وُلدت من رحم الثورة، وفتح التي تخشى قواعدها أن تضيع وسط صخب الانقسامات الداخلية.

وفي زمن التحولات الكبرى، تبقى الحركات العظيمة قادرة على البقاء فقط حين تمتلك شجاعة مراجعة نفسها، والعودة إلى جذورها الأولى قبل أن يفوت الأوان.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط