كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

فتح بين السلطة والتحرر الوطني: لماذا لا يجوز تهميش الشتات الفلسطيني؟

فتح بين السلطة والتحرر الوطني: لماذا لا يجوز تهميش الشتات الفلسطيني؟

تاريخ النشر: 2026-06-10 | 13:04

لا يمكن قراءة مخرجات المؤتمر العام الثامن لحركة فتح بمعزل عن السؤال الأهم: هل ما زالت الحركة تحافظ على طبيعتها التاريخية كحركة تحرر وطني للشعب الفلسطيني بأسره، أم أن مركز الثقل فيها أخذ يميل بصورة متزايدة نحو مؤسسات السلطة ومتطلباتها على حساب الامتداد الوطني الأوسع للشعب الفلسطيني في الشتات؟

هذا السؤال لا يستهدف أشخاصاً أو مواقع بعينها، بل يتصل بمستقبل الحركة نفسها، وبقدرتها على الاستمرار كإطار وطني جامع يقود مشروع التحرر الفلسطيني، لا كمجرد إطار سياسي مرتبط بإدارة السلطة وشؤونها.

فتح ولدت في الشتات قبل أن تصل إلى الوطن

من الحقائق التي لا يجوز تجاهلها أن حركة فتح لم تولد في رام الله أو غزة أو أي مدينة فلسطينية خاضعة للاحتلال، بل ولدت في فضاءات اللجوء والاغتراب العربي، وفي مقدمة ذلك الكويت والسعودية ودول الخليج العربي.

في تلك البيئة تشكلت النواة الأولى للحركة على أيدي المؤسسين الأوائل الذين آمنوا بأن الشعب الفلسطيني يجب أن يستعيد قراره الوطني المستقل بعيداً عن الوصاية والتبعية. ومن هناك بدأت عملية البناء التنظيمي والتعبئة الوطنية وجمع الموارد وتأسيس البنية الفكرية والسياسية للحركة.

لقد كانت الكويت والسعودية على وجه الخصوص الحاضنة الأولى للمشروع الفتحاوي، ومنها انطلقت الكوادر الأولى التي قادت العمل الوطني الفلسطيني لاحقاً. كما لعبت مصر والأردن ولبنان وسورية أدواراً مركزية في احتضان الثورة الفلسطينية ومراحل تطورها المختلفة.

ولذلك فإن الحديث عن دور الشتات ليس حديثاً عن أطراف بعيدة عن مركز الحركة، بل عن البيئة التي ولدت فيها الحركة نفسها وتشكلت فيها شخصيتها الوطنية.

الشتات ليس امتداداً للقضية... بل هو جزء من جوهرها

تكمن خصوصية القضية الفلسطينية في أن غالبية الشعب الفلسطيني عاشت ولا تزال تعيش خارج حدود الوطن.

ففي الأردن والخليج العربي ومصر ولبنان وسورية وأوروبا والأمريكيتين يعيش ملايين الفلسطينيين الذين يشكلون جزءاً أصيلاً من الشعب الفلسطيني، وليسوا مجرد داعمين له من الخارج.

كما أن قضية اللاجئين، التي تمثل جوهر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ترتبط مباشرة بهذه التجمعات الفلسطينية المنتشرة في الشتات.

ومن هنا فإن أي تراجع في حضور الخارج داخل مؤسسات القرار الوطني لا يعني فقط تراجع تمثيل مجموعة من الكوادر التنظيمية، بل يعني عملياً تراجع حضور أحد أهم مكونات الشعب الفلسطيني نفسه.

فكيف يمكن الحديث عن حركة وطنية جامعة فيما يغيب أو يتراجع تمثيل ملايين الفلسطينيين الذين يحملون قضية العودة ويحفظون الذاكرة الوطنية الفلسطينية في المنافي ومخيمات اللجوء؟

بين منطق السلطة ومنطق التحرر الوطني

من الضروري التمييز بين السلطة الفلسطينية وبين حركة فتح.

فالسلطة هي نتاج مرحلة سياسية محددة، ووظيفتها إدارة شؤون المواطنين ضمن الواقع القائم وما يفرضه من قيود وتعقيدات.

أما حركة فتح فقد نشأت قبل السلطة بعقود طويلة، وقادت المشروع الوطني الفلسطيني باعتبارها حركة تحرر وطني تسعى إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال الوطني.

ولا تعارض بين الأمرين ما دامت الحركة قادرة على الحفاظ على توازنها الداخلي.

لكن الخلل يبدأ عندما تصبح القيادة الفعلية للحركة محصورة في إطار النخب المرتبطة بمؤسسات السلطة ووظائفها وأولوياتها.

فطبيعة العمل الحكومي والإداري تفرض حسابات مختلفة عن حسابات حركة التحرر الوطني. وهي بطبيعتها أكثر ارتباطاً بإدارة الواقع القائم، بينما يفترض بحركة التحرر أن تنشغل بتغييره وتجاوزه.

ومن هنا فإن الحركة تحتاج إلى توازن دائم بين من يحمل هموم الإدارة اليومية للشعب الفلسطيني، وبين من ينشغل بتطوير المشروع الوطني الأشمل ورسم آفاقه المستقبلية.

لماذا يحتاج القرار الوطني إلى الخارج؟

يخطئ من يعتقد أن دور الخارج الفلسطيني تراجع أو فقد أهميته.

فالواقع يشير إلى العكس تماماً.

ففي أوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية تدور اليوم معارك سياسية وإعلامية وقانونية لا تقل أهمية عن المعارك الميدانية.

وهناك تتشكل جماعات الضغط، وتُبنى العلاقات مع البرلمانات والحكومات والأحزاب ومراكز الدراسات والجامعات ووسائل الإعلام الدولية.

وهناك أيضاً تخاض المعارك القانونية المتعلقة بجرائم الحرب والاستيطان والحقوق الوطنية الفلسطينية.

كما أن الكفاءات الفلسطينية المنتشرة في العالم تمثل ثروة استراتيجية هائلة في مجالات السياسة والاقتصاد والقانون والإعلام والعلوم والتكنولوجيا.

إن استبعاد هذه الخبرات أو تهميشها داخل مراكز القرار الوطني لا يمثل خسارة تنظيمية فحسب، بل خسارة وطنية حقيقية.

لماذا كانت الساحات ممثلة تاريخياً في القيادة؟

لم يكن وجود ممثلين عن السعودية والكويت والأردن وغيرها من الساحات في اللجنة المركزية أو المجلس الثوري مجرد مجاملة تنظيمية.

بل كان تعبيراً عن فهم عميق لطبيعة الحركة وطبيعة الشعب الفلسطيني.

لقد أدركت فتح عبر تاريخها أن القيادة التي تنحصر في جغرافيا واحدة تفقد قدرتها على رؤية المشهد الوطني بأبعاده المختلفة.

ولهذا كانت الحركة حريصة على أن تكون مختلف التجمعات الفلسطينية شريكة في صناعة القرار.

وكان ذلك أحد أسرار نجاحها وانتشارها وتحولها إلى الحركة الوطنية الفلسطينية الأكبر والأوسع حضوراً وتأثيراً.

ما الذي تخسره فتح عندما يتراجع تمثيل الخارج؟

عندما يتراجع حضور الشتات في مراكز القرار فإن الحركة تخسر أكثر من مجرد توازن تنظيمي.

إنها تخسر تنوع الخبرات والرؤى.

وتخسر جزءاً من قدرتها على التواصل مع التجمعات الفلسطينية الكبرى في العالم.

وتخسر كثيراً من أدوات التأثير السياسي والدبلوماسي والإعلامي والقانوني.

كما أنها تخاطر بتعميق الانطباع بأن الحركة أصبحت أقرب إلى إطار سلطوي محلي منها إلى حركة تحرر وطني عالمية الامتداد.

وهذا تحديداً ما يجب تجنبه في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ القضية الفلسطينية.

نحو شراكة وطنية شاملة

المطلوب ليس إقامة مواجهة بين الداخل والخارج، ولا التقليل من أهمية أي منهما.

فالداخل يمثل خط المواجهة الأول مع الاحتلال، ويتحمل أعباء الصمود اليومي والتضحيات المباشرة.

والخارج يمثل العمق الاستراتيجي والسياسي والدبلوماسي والقانوني والاقتصادي للقضية الفلسطينية.

ولا يمكن لأي منهما أن يحل محل الآخر.

إن المعادلة الوطنية الصحيحة هي الشراكة والتكامل لا الإقصاء والتهميش.

ففتح التي انطلقت من الشتات وقادت نضال الفلسطينيين في الوطن واللجوء والمنافي مطالبة اليوم بالحفاظ على هويتها الجامعة وعلى توازنها التاريخي بين الداخل والخارج.

وإذا كانت السلطة الفلسطينية ضرورة وطنية فرضتها مرحلة سياسية معينة، فإن حركة فتح مطالبة بأن تبقى أكبر من السلطة وأوسع من حدودها وأبعد من قيودها، لأنها ليست حركة موظفين أو مؤسسة إدارية، بل حركة تحرر وطني لشعب ما زال يناضل من أجل حريته واستقلاله وعودة لاجئيه.

ولهذا فإن تعزيز حضور الشتات في مراكز القرار ليس مطلباً فئوياً أو تنظيمياً، بل ضرورة وطنية واستراتيجية للحفاظ على وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة قضيته ووحدة حركته الوطنية.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط