تاريخ النشر: 2026-09-24 | 15:11
تاريخ النشر: 2026-09-24 | 15:11
حين يتحول الاختلاف إلى إساءة، تصبح حماية أدبيات الحركة مسؤولية كل فتحاوي
ليست حركة فتح مجرد اسمٍ عابر في المشهد الوطني، ولا إطارًا تنظيميًا تختصره المواقع والصفات؛ إنها مدرسة نضالية تشكّلت من رحم التضحية، وترسّخت في ميادين المواجهة والاعتقال والعمل الوطني، وحملت عبر أجيالها منظومةً من القيم والأدبيات التي جعلت من الانتماء مسؤوليةً وسلوكًا قبل أن يكون شعارًا.
ومن هذه المدرسة تعلمنا أن الاختلاف لا يُسقط الأخوّة، وأن النقد لا يتحول إلى خصومة، وأن قوة الموقف لا تحتاج إلى إهانة الإنسان. لكننا اليوم أمام سلوكيات تستدعي التوقف والمراجعة، حين ينتقل الخلاف حول مقال أو منشور أو موقف إلى التجريح والتشهير والتعرض للسمعة والخصوصية، وكأن الاختلاف يمنح صاحبه حق الاعتداء على كرامة الآخرين.
وهنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي أن نتجاوزه: كيف ندافع عن حركةٍ نعتز بتاريخها، ونحن نمارس في خلافاتنا ما يتناقض مع أخلاقها وأدبياتها؟
فتح لا تُدار بمنطق الذباب الإلكتروني
لنكن واضحين: لا تُصان مكانة حركة فتح بحملات الإساءة، ولا تُحمى وحدتها بالحسابات الوهمية والشتائم والتجييش ضد المختلفين. فهذه الممارسات، أيًا كان مصدرها، لا تعكس جوهر الانتماء الوطني والتنظيمي الذي نريده، ولا تليق بحركةٍ قدّمت أجيالًا من المناضلين والتضحيات.
القوة ليست في عدد الحسابات التي تهاجم، ولا في حجم الضجيج الذي يصنعه أصحابها، ولا في القدرة على إسكات صوتٍ مخالف. القوة الحقيقية في وضوح الحجة، ونزاهة الموقف، والقدرة على إدارة الاختلاف دون إسقاط الأخلاق من الحساب.
إن حركة فتح لا تحتاج إلى من يجعل اسمها غطاءً للإساءة، بل إلى أبناءٍ يدركون أن الانتماء إليها يحمّل صاحبه مسؤولية الحفاظ على صورتها وقيمها في القول والفعل.
ناقش الفكرة… ولا تهدم صاحبها
من حق كل أخٍ في الحركة أن يختلف مع مقال أو منشور أو موقف تنظيمي وسياسي. ومن حقه أن ينتقد، ويفنّد، ويرفض، ويطالب بالمراجعة والمساءلة. لكن هذا الحق لا يتحول إلى رخصة للتجريح أو التشهير أو المساس بالكرامة والسمعة والعائلة.
هناك فارق كبير بين أن تناقش فكرةً تراها خاطئة، وبين أن تستهدف صاحبها لمجرد أنه كتبها. وبين أن تعترض على قرار أو أداء، وبين أن تنقل الخلاف إلى اتهاماتٍ شخصية لا تخدم الحقيقة ولا التنظيم.
ناقش ما كُتب، ولا تطارد من كتب. فنّد الفكرة، ولا تُهِن صاحبها. اختلف مع الموقف، ولا تُسقط الأخوّة.
فإذا كان هناك تجاوز، فليكن الرد بالحجة والأدلة. وإذا كانت هناك ملاحظة تنظيمية، فلتُطرح عبر الأطر المعنية. أما تحويل الخلاف إلى حملاتٍ من التحريض والإهانة، فهو لا يصحح مسارًا ولا يحمي تنظيمًا، بل يفتح أبوابًا جديدةً للشرخ والانقسام.
لا قداسة للأشخاص… ولا حصانة للإساءة
إن شغل أي موقعٍ تنظيمي، مهما علت مكانته، لا يجعل صاحبه فوق النقد أو المساءلة. وفي الوقت ذاته، فإن ممارسة النقد لا تمنح صاحبها حق التجريح أو التشهير أو إطلاق الاتهامات دون دليل.
الموقع مسؤولية، وليس حصانة. والنقد حق، لكنه ليس فوضى.
والتنظيم القوي ليس الذي يخشى السؤال، بل الذي يمتلك القدرة على الاستماع والمراجعة ومعالجة الأخطاء ضمن الأصول، ويحفظ لأعضائه كرامتهم، دون أن يحوّل الحماية إلى تبرير للتجاوز، أو يجعل المساءلة ذريعةً للإهانة.
لا قداسة للأشخاص داخل العمل التنظيمي، كما لا شرعية للإساءة تحت ذريعة النقد. وما نحتاجه هو ميزانٌ واحدٌ يحكم الجميع: احترام النظام، والاحتكام إلى الحقيقة، وصون كرامة الإنسان.
لا تجعل نفسك أداةً في خصومة غيرك
من أخطر ما يمكن أن يصيب العمل التنظيمي أن يتحول بعض أبنائه إلى أدواتٍ في خصومات لا يعرفون تفاصيلها، فيتبنون رواياتٍ منقولة، ويندفعون إلى الهجوم دون تحقق، ظنًا منهم أن إثبات الولاء لا يكون إلا بالاصطفاف ضد طرفٍ آخر.
وهنا على كل أخٍ فتحاوي أن يسأل نفسه قبل أن يكتب أو يهاجم:
هل أعرف حقيقة الموضوع؟ هل اطلعت على التفاصيل؟ هل أدافع عن مبدأ، أم أُستخدم في خصومةٍ لا أعرف بدايتها ولا أهدافها؟
إن الدفاع عن موقفٍ لا يبرر ظلم المخالف، والوقوف إلى جانب أخٍ لا يعني الاعتداء على أخٍ آخر. فالولاء الحقيقي لا يُقاس بحدة الشتائم، ولا بكثرة الهجوم، بل بقدرة الإنسان على التثبت والإنصاف والالتزام بأدبيات الحركة.
تريث قبل أن تحكم، وتحقق قبل أن تتهم، وفكّر قبل أن تجعل من نفسك طرفًا في معركةٍ قد لا تكون معركتك.
لا توزعوا شهادات الوطنية والأخلاق
ليست الوطنية ملكًا لأحد، ولا الأخلاق شهادةً يوزعها الأفراد وفقًا لمواقفهم الشخصية. والاختلاف في الرأي لا يمنح أحدًا سلطة إسقاط الانتماء عن الآخرين أو التشكيك في وطنيتهم وكرامتهم.
يمكننا أن نختلف، وأن ننتقد، وأن نطالب بالمحاسبة والمراجعة، لكن ذلك كله يجب أن يستند إلى الحجة والأدلة، لا إلى التخوين والتقزيم والتشهير.
فمن أراد التصحيح، فليقدّم الدليل. ومن أراد الاعتراض، فليوضح موقفه. ومن أراد المحاسبة، فليحتكم إلى الأطر والأصول. أما تحويل الخلاف إلى معركةٍ شخصية، فليس إصلاحًا، ولا نضالًا، ولا سلوكًا يليق بحركةٍ وطنية.
هذه أمانةٌ حملناها… وعلينا أن نسلّمها
وأكتب هذه الكلمات إلى إخوتي وأخواتي أبناء فتح الغرّ الميامين، لا من موقع الواعظ الذي يدّعي امتلاك الحقيقة، بل من واقع تجربةٍ نضالية عشتها في السجون وخارج أسوار المعتقلات.
هناك، في سنوات الاعتقال، تعلمنا من رجالٍ سبقونا في درب النضال أن الانتماء ليس مجرد شعار، وأن الأخلاق ليست ترفًا، وأن كرامة الإنسان لا تصبح مباحةً لمجرد اختلافنا معه. تعلمنا أن نختلف دون أن نتدنى، وأن نواجه دون أن نتخفى، وأن نحمل اسم فتح بما يليق بتاريخها وتضحيات أبنائها.
وما تعلمناه لم يكن ملكًا لجيلنا وحده، بل أمانةٌ ينبغي أن نُوصلها إلى أجيال فتح القادمة. لا نريد أن نورثها لغة الخصومات والتشهير، ولا ثقافة الانتقام والاصطفاف الأعمى؛ نريد أن نورثها الوعي، والكرامة، والشجاعة، والانضباط، وأدب الاختلاف.
فالحركة التي نعتز بها لا تُقاس فقط بتاريخها، بل بما يفعله أبناؤها اليوم حين يختلفون، وكيف يحفظون أخوّتهم حين تتباين المواقف.
الكراسي عابرة… والأثر هو الباقي
إن المواقع التنظيمية مسؤوليات مؤقتة، والألقاب لا تصنع وحدها قيمة الإنسان. فالمواقع تتبدل، والصفات تتغير، لكن الذي يبقى هو سيرة الإنسان، وأخلاقه، وأثره في الناس والوطن والحركة.
فلا تجعلوا التنافس على المواقع سببًا لتفكك الأخوّة، ولا تحولوا التنظيم إلى ساحةٍ يتقدم فيها الصخب على العطاء، والولاء الشخصي على المصلحة العامة.
فتح تحتاج إلى أبناءٍ يخدمونها، لا إلى من يستخدمون اسمها غطاءً لتصفية الحسابات. تحتاج إلى وعيٍ يحمي وحدتها، وإلى نقدٍ مسؤول يساهم في تصحيح مسارها، لا إلى سلوكياتٍ تزيد الشرخ اتساعًا.
فلنستعد ثقافة فتح قبل أن نرفع شعاراتها
إن استعادة هيبة التنظيم لا تبدأ بكثرة المنشورات ولا بارتفاع الأصوات، وإنما تبدأ من استعادة المعنى الحقيقي للانتماء: أن نختلف دون أن نتباغض، وأن ننتقد دون أن نشهّر، وأن نواجه دون أن نتخفى، وأن نرفض الخطأ دون أن نرتكب خطأً أكبر منه.
فمن يحب فتح حقًا، لا يجعل أبناءها وقودًا لخصوماته. ومن يحترم أدبياتها، لا يستخدم اسمها غطاءً للإساءة. ومن يريد حماية تنظيمها، يبدأ بحماية أخلاقه حين يختلف.
وفي النهاية، لا يبقى للإنسان عدد الحسابات التي حشدها ضد الآخرين، ولا مقدار الإساءة التي ألحقها بهم، ولا الضجيج الذي صنعه حول اسمه. الذي يبقى هو الموقف، والأثر، واحترام الناس.
فتح أكبر من الأشخاص، وأرفع من المواقع، وأبقى من الخصومات، وأسمى من لغة الإساءة.
ومن أراد أن يرفع رايتها، فليبدأ برفع مستوى سلوكه. ومن أراد أن يدافع عن أدبياتها، فليجعل أخلاقه شاهدًا على انتمائه.
فالحركة لا يحميها الذباب الإلكتروني، وإنما يحميها الوعي، والانضباط، والصدق، والنقد المسؤول، والوفاء لقيمها الوطنية والتنظيمية.