كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

فخ الوصاية: اللجنة الوطنية لإدارة غزة بين الواقعية والمخاطر

فخ الوصاية: اللجنة الوطنية لإدارة غزة بين الواقعية والمخاطر

تاريخ النشر: 2026-01-19 | 07:44

حسن لافي
حسن لافي

أثناء قراءتي لتصريح البيت الأبيض حول تشكيل “مجلس السلام”، وتفحّصي لأسماء أعضائه، توقفت عند مسمّى المندوب السامي لغزة (نيكولاي ميلادينوف). هذا المسمّى استدعى مباشرة إلى الذهن تجربة الانتداب البريطاني على فلسطين، وصورة المندوب السامي الأول هربرت صموئيل، الذي قُدِّم آنذاك بوصفه ممثلًا لبريطانيا العظمى و”العالم الحر” وعصبة الأمم، لمساعدة الفلسطينيين على بناء دولة حديثة بعد الحكم العثماني، قبل أن تنتهي تلك المرحلة بنكبة عام 1948 وتهجير غالبية الشعب الفلسطيني من أرضه.
 
لسنا أمام تكرار حرفي للتاريخ، لكن من الصعب تجاهل أن المشروع الصهيوني لم يغيّر جوهره: السيطرة على الأرض وتفريغها من أهلها، وإن تبدّلت الأدوات والعناوين. من هنا، يصبح من الضروري قراءة أي صيغة سياسية جديدة لا من زاوية نواياها المعلنة فقط، بل من زاوية أثرها المباشر على الوجود الفلسطيني على أرضه وحقوقه الوطنية. إن اختيار شخصية مثل ميلادينوف، الدبلوماسي الأممي السابق، وتعيينه "مندوباً سامياً" كحلقة وصل بين "مجلس السلام" واللجنة الوطنية، يعزز فكرة تدويل الوصاية على القطاع، ويؤكد أننا أمام ترتيبات إقليمية ودولية لا تهدف بالضرورة إلى تمكين القرار الوطني المستقل.
 
الأولويات الوطنية الثلاث: الصمود والهوية والحياة

في هذا السياق، تبرز الحاجة الفلسطينية إلى إعادة ترتيب الأولويات. إن البقاء شرط سابق لأي مسار سياسي، وعليه، فإن الأولوية الأولى هي تثبيت الناس على أرضهم. الثانية هي اغتنام أي فرصة واقعية لتحسين شروط الحياة في غزة، وزراعة الأمل، وتعزيز إرادة النضال من أجل نيل الحقوق الوطنية، في مجتمع أنهكته الحروب والحصار. أما الثالثة، فهي حماية الهوية الوطنية الفلسطينية بوصفها العنوان الجامع، في لحظة تتعرض فيها هذه الهوية لمحاولات تهميش وتفكيك متعمّدة، وتحويل القضية الفلسطينية من قضية شعب يسعى لتقرير مصيره، إلى مجرد مسألة إنسانية لأناس يبحثون عن مأكل ومشرب ومسكن. الرهان في كل ذلك يبقى على الشعب الفلسطيني نفسه: صموده، ووعيه، وتمسكه بأرضه وهويته.
 
الإعمار: معركة سياسية لا ملف تقني

إعلان بدء المرحلة الثانية، ثم الإعلان عن تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة برئاسة علي شعث، يشكّلان تطورًا سياسيًا مهمًا، رغم ما يحيط بهما من غموض وأسئلة مشروعة. هذه الأسئلة لا تلغي حقيقة أن ما يجري هو انتقال إلى صيغة جديدة لإدارة واقع شديد التعقيد فرضته الحرب وموازين القوى.
 
العنوان المركزي في المرحلة المقبلة فلسطينيًا هو الإعمار، وهو ليس ملفًا تقنيًا أو إنسانيًا فحسب، بل قضية سياسية بامتياز. نجاح هذا الملف مرتبط أولًا بقدرة الولايات المتحدة على إلزام إسرائيل بالانسحاب من قطاع غزة، وبدء الإعمار في كامل الجغرافيا الغزية، وثانيًا برفع الحظر عن إدخال متطلبات الإعمار والتعافي المبكر، من كرفانات ومواد بناء وبضائع أساسية يحتاجها الناس للبقاء، لا للرفاه. إن الخطة المعلنة تتحدث عن إعمار بتكلفة تقديرية بـ 53 مليار دولار على مدى خمس سنوات، وهي أرقام ضخمة تضع الملف في قلب التجاذبات السياسية الدولية.
 
اللجنة الوطنية: بين الواقعية والمخاطر

من حيث المبدأ، يمكن النظر إلى هذه الخطوة كبداية قابلة للبناء إذا أُديرت بحس وطني واقعي، وبلا أوهام. غير أن ذلك يتطلب إدراك طبيعة البيئة التي ستعمل فيها اللجنة: صلاحيات محدودة، وتعدد جهات مؤثرة، وفي مقدمتها إسرائيل، التي ستسعى بكل الوسائل إلى إفراغ المرحلة الثانية من مضمونها أو توجيهها بما يخدم مصالحها الخاصة فقط.
 
لهذا السبب، فإن رفع سقف التوقعات الشعبية من اللجنة لن يكون في مصلحتها، بل قد يحمّلها ما لا تملك أدواته. المطلوب منذ البداية مصارحة الناس: هذه خطوة ضرورية ومبشّرة نسبيًا، لكنها ليست حلًا شاملًا، ولا تملك مفاتيح كل أزمات غزة المتراكمة.
 
إن التعامل مع هذه الخطوة يتطلب وعياً كاملاً بالفرق بين الوعود المعلنة والمخاطر الكامنة. فبينما تهدف هذه الترتيبات إلى إعادة الإعمار وتوفير متطلبات الحياة، يكمن الخطر في تحويل الإعمار إلى أداة للضغط السياسي أو ربطه بشروط سيادية، مثل نزع السلاح. وبينما يُعلن عن الانتقال إلى صيغة جديدة لإدارة القطاع، فإن الخشية الحقيقية هي تحول الإدارة المؤقتة إلى وصاية دائمة تفرغ القرار الوطني من مضمونه. كما أن محاولة توحيد الجهود الفلسطينية عبر ربط اللجنة بالسلطة قد تؤدي إلى تعميق الانقسام بسبب غياب التوافق الوطني الشامل أو فرض أسماء غير متفق عليها. والأهم، أن فتح أفق سياسي يقود إلى الدولة الفلسطينية قد يتحول إلى مجرد تحويل للقضية إلى مسألة إنسانية وتثبيت الأمر الواقع دون أفق سياسي واضح.
 
القرار الوطني على المحك

جوهر أي جهد سياسي أو إداري في هذه المرحلة يجب أن يظل واضحًا: تثبيت الفلسطيني في أرضه. الخطورة الحقيقية اليوم ليست في شكل الإدارة، بل في احتمال فقدان القرار الوطني دون ضمانات واضحة، في سابقة نادرة بتاريخ حركات التحرر الوطني، حيث يُقبل بالوصاية تحت ضغط الواقع، لا في سياق تحرر مكتمل الشروط.
 
إن التحدي الأكبر يكمن في التناقض الجوهري بين ضرورة "تعزيز إرادة النضال" وبين ما تضمنته الخطة الأمريكية المعلنة للمرحلة الثانية من شروط صريحة لـ "نزع سلاح حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى"، بالإضافة إلى الإشارة إلى نشر "قوة استقرار دولية" لمراقبة الحدود وتدريب الشرطة الفلسطينية. هذه الشروط تعزز فكرة الوصاية وتضع القرار الوطني في مأزق حقيقي.
 
ومن هنا تفرض نفسها الأسئلة الجوهرية التي لا يمكن تجاوزها، والتي يجب أن تكون معايير للمراقبة الشعبية والوطنية:
 
1. من يملك القرار الحقيقي؟ هل اللجنة الوطنية هي صاحبة القرار أم أنها مجرد واجهة لإدارة تفرضها قوى خارجية (مجلس السلام) وإقليمية؟
2. هل المرحلة الانتقالية محددة بسقف زمني وخارطة طريق واضحة؟ أم أنها مفتوحة بلا أفق سياسي، مما يهدد بتحويل "إدارة الأزمة" إلى بديل دائم عن "حلّها"؟
3. هل تمهّد هذه الصيغة لإعادة وحدة سياسية وحكومية وجغرافية للوطن؟ بما يتيح استعادة مسار سياسي دولي يفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية، أم أنها تكرس الانفصال الجغرافي والسياسي؟
 
ومن الجدير بالإشارة أن غالبية القوى الفلسطينية، بمن فيهم معارضو السلطة، يدفعون باتجاه ربط اللجنة بالسلطة الفلسطينية. وهذا يضع مسؤولية خاصة على السلطة، بأن تتعامل مع هذه اللحظة بوصفها فرصة وطنية، لا مجرد ترتيب إداري، وأن تبني عليها في اتجاه المصالحة الوطنية الشاملة، بما فيها المصالحة الفتحاوية الداخلية، لتجاوز تحديات الانقسام.
 
في المحصلة، ما يجري اليوم ليس خيارًا وطنيًا مثاليًا ولا مسارًا مكتمل الشروط، بل واقع فرضته الحرب وموازين القوى. التعامل معه يجب أن يكون بوعي سياسي لا بأوهام، وبحذر وطني لا بخوف مشلول. تشكيل اللجنة وإطلاق المرحلة الثانية يمكن أن يكونا مدخلًا لتثبيت الناس في أرضهم، أو بوابة جديدة لتآكل القرار الوطني، والفارق بين الاحتمالين هو كيفية إدارة هذه المرحلة، ومدى جدية المجتمع الدولي في إنجاحها.
 
الاختبار الحقيقي ليس في الأسماء ولا في العناوين، بل في النتائج: هل تحمي هذه الصيغة الوجود الفلسطيني على أرضه؟ هل تفتح أفق حياة كريمة دون ثمن سياسي يمسّ الهوية والحقوق؟ وهل تبقى خطوة انتقالية محددة بسقف زمني وخارطة طريق واضحة، تقود في نهاية المطاف إلى دولة فلسطينية مستقلة، لا إلى وصاية دائمة؟ إذا لم تُضبط هذه المرحلة بهذه المعايير، فإن الخطر لن يكون في تعثر الإعمار أو فشل لجنة، بل في تحويل إدارة الأزمة إلى بديل عن حلّها، والوصاية إلى وضع دائم. أما إذا أُديرت بوعي ومسؤولية، فقد تتحول — رغم محدوديتها — إلى فرصة حقيقية لحماية الناس، وتحصين الهوية الوطنية، وإعادة بناء الحد الأدنى من القرار الفلسطيني المستقل.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط