كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

فراشة أحلام بشارات 

فراشة أحلام بشارات 

تاريخ النشر: 2021-03-16 | 10:08

زياد جيوسي
زياد جيوسي

   في البدء لا بد من الإشارة إلى أن المكتبة العربية تفتقر إلى حد ما أدب الأطفال والفتيان، فدور الكتاب مهم جدا في حياة صغار السن ويلبي حاجات يحتاجونها، وهذا ما تربينا عليه منذ الطفولة في عصر لم نكن نعرف الكهرباء ولا التلفاز ونقرأ على ضوء "لمبة الجاز"، وكما قال المؤلف د. نجم عبد الله كاظم في مؤلفه الضخم "رواية الفتيان" عن أدب الفتيان: "تمتلك رواية الفتيان خصوصية لا يخطئها قارىء ولا ناقد. أهم ما يكمن وراءها علاقاتها برواية الكبار وكتاباته بشكل عام من جهة وبقصص الأطفال والكتابات الموجهة لهم بشكل عام من جهة أخرى. وهذا يعني بالضرورة أنها تقوم على مقومات وخصائص فنية وموضوعية هي بدورها نتاج عناصر هذا الفن واشتغالها الداخلي الخاص وطرق معالجة كاتبها لموضوعاتها"، وفي نفس الوقت نفتقد إلا إلى القلة القليلة من النقاد المختصين بأدب الطفل، وهنا نجد خروجاً عن المألوف بوجود رواية كاملة مقدمة للفتية من الجنسين بقلم الكاتبة الفلسطينية أحلام بشارات، وهذا يعني أنها مقدمة لجيل ما قبل مرحلة الشباب إذا أخذنا بعين الاعتبار أن بعض التصنيفات تضع عمر الفتية بين الثامنة والثامنة عشرة من العمر، وفي نفس الوقت لا بد من الإشارة إلى أن استخدام عبارة "رواية للفتيان" مجردة تعطيها الجانب الذكوري وتنقص من حق الفتيات، فكان الأجدر أن تعنون بعبارة: "رواية للفتيان والفتيات"، وإضافة لذلك لا بد أن أشير إلى التوفيق الكبير باختيار اسم الرواية، فاسمها: "إسمي الحركة فراشة" وهو أحد فصول الرواية، وهو اسم يشير إلى مرحلة الطفولة الجميلة وأحلامها وأسرارها البريئة، فكل الأطفال يولدون كالفراشات ولكن عوامل البيئة والمجتمع هي التي تغيرهم، لذا كان العنوان موفقاً فصور الطفل الذي سيكبر ويصبح فتى أو فتاة محلقا كالفراشة التي تبدع في تحليقها بين الزهور والجمال. 

   قسمت الرواية إلى عدة فصول وكل منها يحمل عنواناً مختلفاً والتي شكلت بمجملها رواية تحمل سمات العمل الروائي، وليس مجرد لقب الرواية، وقد تمكنت الكاتبة ببراعة من استخدام لغة عربية سليمة، لكنها سهلة بعيدة عن التعقيد بما يتناسب مع المرحلة العمرية للقراء، وابتعدت عن اللهجة المحكية مما يدفع القراء لتشرب عبارات عربية مكتوبة بأسلوب جيد، ومع هذا فقد وقعت الكاتبة بخطأ استخدام كلمتي "ستي وسيدي" في بعض المقاطع وليس في كلها بديلا عن كلمتي "جدي وجدتي"، وهما الأصح لغوياً رغم أن الكلمتين في البداية مستخدمة بكثرة في اللهجة المحكية، وكتبت الرواية بأسلوب مازج الجد بالهزل والفكاهة بالبكاء والحلم بالواقع. 

   أيضا في حلم بطلة الرواية كانت تخفي حلمها بالسفر خارج فلسطين وبشكل خاص عن أختها تالا التي ستثرثر بذلك للجميع، وعن زميلتها بالمدرسة "ميس" حتى لا تسمع منها أن السفر خارج فلسطين حرام لأنها أرض الرباط، وفي هذه إشارة واضحة إلى تيار سياسي يترك تأثيره، وحبذا لو تمت الإشارة أن مغادرة الوطن لا تجوز من زاوية التشبث به خوفا من أطماع المحتل، ففلسطين وطن بكامله وليست فقط عبارة أرض الرباط المرتبطة بمفهوم ديني. 

   تمكنت الكاتبة بمهارة من انتقاد عدد كبير من السلوكيات للأمهات والأهل بشكل عام، فانتقدت الثرثرة لدى النساء وتقزيم مستقبل الفتاة الصغيرة بالزواج فقط حين تكبر، كما انتقدت الكبار ممثلين بالأم التي تبخل بشراء منشفة صالحة، وزوجة العم التي تتباهى بالمشتريات إلى درجة التبذير، وفي نفس الوقت تمكنت الكاتبة بأسلوب سلس من الإشارة إلى الكثير من التساؤلات البريئة التي تدور بأذهان الفتية والأطفال دون أن يعرفوا لها سببا ولا يجدون إجابة شافية لو سألوا، مثل ألآم بطن زينب أختها الكبيرة ولم تعرف الجواب إلا حين بلغت مبلغ النساء، وفي الجانب الاجتماعي أشارت لعدة مسائل منها الفروق في الحياة والسلوك بين القرية والمدينة. 

   وفي الجانب الوطني تمكنت الكاتبة أن توصل الكثير من الأفكار بأسلوب سلس مثل عمل والد بطلة الرواية في مزرعة عند المحتلين، في الوقت الذي يرسل أطفاله إلى المدارس ليتعلموا تاريخ قضيتهم ومجازر الاحتلال، وكذلك الإشاعات التي تخرج وتصف البعض بالعمالة للمحتلين، أو تنعكس على أسرة العميل الحقيقي وهم لا ذنب لهم، وكذلك مشروعية أو عدم مشروعية السرقة من عند المحتل، وكذلك بإشارة راوية النص إلى مأساة الاقتتال الداخلي بين اقوى قوتين في الوطن في ظل الاحتلال، وكذلك الحديث عن سرقة البحرين والبحيرة في فلسطين، وعن الشوق الذي تملكها لبلدها في سفرتها الأولى مع والدها إلى عمَّان، وعن الفارق بين معيشة أطفال فلسطين في الخارج مقارنة مع معيشتهم في فلسطين المحتلة حيث الحواجز واستشهاد الأطفال وقتلهم بدم بارد من جنود الاحتلال. 

   كما أن الإشارات للعوامل النفسية لدى هذا السن، تمكنت الكاتبة من الإشارة إليها بمهارة، فأشارت إلى سلوك بطلة القصة بارتداء ملابس أمها سرا وخاصة قميص نومها، أو تلوين وجهها وهي تجرب أحمر الشفاه، أو نتف بعض الشعر من الحاجبين سراً، وتساؤل الطفل سالم الذي استشهد أبوه حول نوم عمه في سرير أبيه، وهو لا يدرك انه تزوج من أمه، وكما قالت والدة بطلة الرواية: "عليه أن يستر عِرض أخيه"، فتثير هذه الكلمة التساؤل في ذهن الطفلة: "يبدو العٍرض وكأنه كارثة مثل الإحتلال"، وكذلك السؤال حول استشهاد نزار. 

   يمكن القول أن الكاتبة تمكنت من خلال حبكة روايتها من وضع كم كبير من الأسئلة والتساؤلات التي تدور في أذهان الفتية من الجنسين، فكانت كالفراشة تدور في أذهان الفتية والبحث عن تساؤلاتهم، مما يجعل من هذا الكتاب مادة هامة على الأهل أن يطلعوا عليها أيضا وليس الفتية وحدهم، من أجل أن يعرفوا كم التساؤل في أذهان أبنائهم ويجيبوا على هذه التساؤلات بدون أن يستمعوا للأسئلة، وخصوصا أن هذا الجيل الآن مطلع على الكثير من خلال التلفاز والفضائيات والشبكة العنكبوتية. 

   وفي النهاية لا بد من الإشارة إلى مهارة الكاتبة في الخاتمة بعد ابداعها في فصول الرواية والتي أحتفظ بها منذ كانت مشروعا لرواية، فقد توحدت روح بطلة الرواية مع روح الشهيد، وحلقا معاً كفراشتين نحو القدس وقالت: "نبت لي جناحان فصرت فراشة"، ولا بد من الإشارة إلى أن إضافة المصطلحات المستخدمة وتفسيرها كان مسألة هامة حتى تسهل على الفتية فهم المعاني، وأعتقد أن وجودها في أسفل كل صفحة ورد فيها مصطلح سيكون أفضل من وضعها وكأنها فهرس في نهاية الرواية، فالكاتبة باتجاهها بعدة كتب لهذا التصنيف من الكتابة، اختطت طريقا صعبا وحافلا بالأشواك، لكنها تمكنت بجدارة أن تتجاوز حقول الألغام فيها، علما أن الكاتبة أصدرت العديد من قصص اليافعين منها جنجر ومصنع الذكريات، وترجمت لها ثلاثة روايات للانجليزية بما فيها هذه الرواية. 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط