كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

فرصة ضائعة أم خطوة متقدمة نحو التحرر؟

فرصة ضائعة أم خطوة متقدمة نحو التحرر؟

تاريخ النشر: 2022-05-29 | 09:30

حمادة جبر
حمادة جبر

شكلت انتفاضة الكل الفلسطيني ومعركة سيف القدس 2021، علامة فارقة في استنهاض الروح الفلسطينية. وأعادت توحيد وتفاعل كل الفلسطينيين مع قضيتهم في كل أماكن تواجدهم. وقد لا نبالغ لو قلنا بأنه لو كان للفسطينيين قيادة منتمية للشعب ولقضيته، لكنا ربما نكتب اليوم عن أولويات الفلسطينيين ما بعد التحرر من دولة إسرائيل الصهيونية العنصرية. هذا المقال سيحاول الإجابة عن إذا ما كانت انتفاضة الكل الفلسطيني فرصة ضائعة قد لا تعود، أم أنها خطوة متقدمة نحو التحرر.

نهوض في زمن الاستسلام والتصفية

فاجأت انتفاضة الكل الفلسطيني الأعداء والأصدقاء في شموليتها وتوقيتها الذي جاء في زمن الإستسلام والتصفية حيث صفقة القرن، وموجة التطبيع العربي. والأهم أنها جاءت في زمن قيادة فلسطينية رسمية مهزوزة ومتخاذلة، مجترة للمواقف وفاقدة للمصداقية، وليست فاقدة للشرعية فحسب، بل تستمد أسباب إستمرار وجودها من مُحتلها وحلفاءه. وهنا لا افتراء على أحد، فقد وصل الأمر بأن يعترف رئيس منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية بلسانه في وصف حاله وواقع سلطته من على منبر مجلس الأمن في الأمم المتحدة في شباط/فبراير 2018، حيث قال: "نحن بنشتغل عند الاحتلال، نحن نعمل عند الاحتلال".

  ففي الضفة الغربية، حيث الاحتلال ومستوطنوه وممارساتهم اليومية ضد الفلسطينيين من قتل، وقمع، واستيطان، ومصادرة أراض، واقتلاع أشجار، واعتقالات، وهدم بيوت وحواجز، يجد فلسطينيو الضفة الغربية أنفسهم في واقع يصعب التعامل معه، فهم يعرفون أن المسؤول الأول عن نكبتهم المستمرة هو إسرائيل، ويعرفون كيف يناضلون ضدها. ولكن المعضلة التي يواجهونها هي في كيفية التعامل مع سلطة الأمر الواقع ووظيفتها الأمنية التي أنشئت بخطيئة "أوسلو"، وغير المعنية بإنهاء الانقسام خدمة لمصالح فئوية ضيقة. وعندما اعتقد الفلسطينيون أن بامكانهم التغيير من خلال الانتخابات التي توقفت منذ 2006، والتي أجمعت الفصائل الفلسطينية على خوضها في 22 أيار/مايو 2021، قام الرئيس بالغائها من طرف واحد بتاريخ 30 نيسان/أبريل 2021، بحجة عدم سماح إسرائيل لاجرائها في القدس، ولكن هناك شبه إجماع من الفصائل والمتابعين بأن السبب الحقيقي لإلغائها هو الخوف من الخسارة، حيث كانت ستخوض حركة فتح التي يرأسها محمود عباس بثلاث قوائم (قائمة الرئيس، قائمة محمد دحلان، وقائمة ناصر القدوة ومروان البرغوثي) معبرة عن الأزمة المستمرة والمتفاقمة التي تعيشها الحركة. ولقد أمعنت أجهزة أمن السلطة بقمعها وسلطويتها بقتل الناشط السياسي نزار بنات الذي كان على رأس قائمة مرشحة للانتخابات الملغاة. وعلى ذكر الانتخابات الملغاة، لا بد من تسجيل نقطة على حركة حماس التي لم تكن وفية للأصوات التي منحتها الأغلبية في الانتخابات التشريعية الأخيرة، وذلك بعدم دفاعها عن حل المجلس التشريعي غير الدستوري الذي قام به الرئيس في أواخر عام 2018، حيث كان عليها اشتراط الذهاب لانتخابات جديدة بإعادة تفعيل المجلس التشريعي إلى حين اجراء الانتخابات التشريعية الجديدة. وبالرغم من إلغاء الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في 22 أيار/مايو 2022، فقد انقلب السحر على الساحر بأن كانت انتفاضة الكل الفلسطيني بمثابة الاستفتاء ضد نهج قيادة منظمة التحرير وسلطتها، والتفاف ساحق حول نهج المقاومة واستعادة زمام المبادرة الشعبية لاستنهاض الروح الفلسطينية، لإعادة ضبط البوصلة التي عبثت بها قيادة منظمة التحرير نحو كل فلسطين وفي قلبها القدس، ونضال مشترك لمصير مشترك لكل الفلسطينيين. 

أما في أراضي الـ48، لقد أعاد الجيل الجديد فلسطينيي الداخل إلى قلب الصراع بتمسكهم بفلسطينيتهم في وجه الأسرلة، بعد أن تخلت عنهم منظمة التحرير في اتفاق أوسلو، وتركتهم كأقلية يواجهون عنصرية إسرائيل وحدهم. وقد عرف الجيل الجديد الذي أعاد التواصل مع أقرانه في الضفة الغربية وغزة والشتات، بأنه لا بديل عن النضال المشترك لمصير مشترك لكل الفلسطينيين، وقد استطاع هذا الجيل الجديد مد الجسور بين الفلسطينيين في كل أماكن تواجدهم، ونجحوا على مدار سنوات بتنظيم فعاليات ومسيرات متزامنة أحياناً في حيفا ويافا والقدس ورام والله والنقب وغزة والشتات. في المقابل، زادت إسرائيل من عنصريتها وقمعها لهم، وتوجت ذلك بقانون القومية العنصري في ظل عجز الأحزاب العربية في الداخل وفشل قياداتها بفهم طبيعة ولب الصراع، وتماهي تلك القيادات مع قيادة منظمة التحرير ومشروعها الاستسلامي والفاشل القائم على ما يسمى حل الدولتين. لقد أربكت مشاركة فلسطينيي 48 في انتفاضة الكل الفلسطيني أجهزة الأمن الاسرائيلية، ولأول مرة منذ تاريخ قيامها، اضطرت إسرائيل لسحب الكثير من قواتها وآلياتها من الضفة الغربية إلى الداخل لضبط الأمن في عكا وحيفا وأم الفحم ويافا واللد وبئر السبع، وغيرها من مدن وبلدات الداخل.

وفي قطاع غزة، بعد عدة حروب مدمرة، بقي الفلسطينيون تحت حصار متعدد الجهات بقيادة إسرائيل التي لم تلتزم بشروط وقف إطلاق النار المتعددة مثل رفع الحصار أو تخفيفه، ونكث وسطاء التهدئة وممولي إعادة الإعمار بوعودهم. وكانت حركة حماس قد تنازلت عن كل شروطها على النظام الانتخابي (قوائم/دوائر)، وتزامن الانتخابات التشريعية والرئاسية في سبيل إجراء الانتخابات التشريعية، حيث كانت تراهن على أنها من خلال الانتخابات ستكون قادرة على التخلص من أعباء حكم غزة من جهة، وستنال قبولاً دولياً بها كحركة سياسية من جهة أخرى. لذلك، لا شك أن قرار إلغاء الانتخابات، كان عاملاً حاسماً بقرار حركة حماس الذهاب لمواجهة عسكرية مع إسرائيل (معركة سيف القدس). 

فرصة ضائعة؟

قد تكون انتفاضة الكل الفلسطيني كشفت ضعف إسرائيل في مواجهة الوحدة الشعبية الفلسطينية، ولكن الأكيد أن الوحدة وروح التحدي التي أظهرها الفلسطينيون في فلسطين التاريخية خلال انتفاضة الكل الفلسطيني، كانت لحظة تاريخية وجب التقاطها. ولكن عدم وجود قيادة منتمية للشعب ولقضيته، أدى ويؤدي وسيؤدي إلى ضياع فرص مشابهة مثل الوحدة والتضامن والتحدي التي أظهرها الفلسطينيون مجدداً بعد عام من انتفاضة الكل الفلسطيني، في ردهم على استشهاد الصحافية شيرين أبو عاقلة. 

ولعل الفوز الكبير لكتلة حركة حماس في انتخابات مجلس طلبة جامعة بيرزيت التي جرت الأسبوع الماضي، هو تجديد لموقف الشارع الرافض لنهج قيادة منظمة التحرير وتأكيد للالتفاف حول نهج المقاومة. وقد أثبتت انتخابات جامعة بيرزيت مجدداً، أن الجامعة عبارة عن مجتمع فلسطيني مصغر يمثل كل الفلسطينيين، فالنتائج أظهرت تفوق كتلة حركة حماس على كل كتل مكونات منظمة التحرير بنسبة 55% مقابل 45% من مقاعد مجلس طلبة الجامعة، وهي نسبة مطابقة أو قريبة لننتائج استطلاعات الرأي العام الفلسطيني للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية التي تظهر بأن أكثر من نصف الفلسطينيين لا يوافقون على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين، بل إن نسبة مشابهة (53%) تعتقد أن حركة حماس هي الأجدر بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية كما أظهر استطلاع المركز رقم 80 الذي أجري في حزيران/يونيو 2021.

ولكن على حركة حماس أن لا تسيء فهم الالتفاف حول المقاومة بأنه التفاف حول كل نهج وفكر حركة حماس بما في ذلك المقاومة المسلحة. فالمقاومة المسلحة مهما بلغت قوتها لا يمكن أن تكون بديلاً عن المقاومة الشعبية الشاملة. فالمقاومة الشعبية السلمية بقيادة المقدسيين، أثبتت أنها قادرة على قلب ميزان القوة لصالحها، ليس ابتداءً بمعركة "البوابات الإلكترونية" في صيف 2017، ومروراً بهبة باب الرحمة ووقفات الشيخ جراح وباب العامود، وإغلاق مسرب القدس-تل أبيب من شارع رقم 1 أهم شوارع إسرائيل وأكثرها حيوية، عندما أعاقت الشرطة الإسرائيلية وصول فلسطينيي الداخل لمؤازرة المقدسيين من مسرب تل أبيب-القدس من شارع رقم 1، مما اضطر الشرطة إلى وقف إعاقاتها وفتح المسربين والمغادرة. وليس انتهاءً بجنازات الشهيدة شيرين أبو عاقلة والشهيد وليد الشريف الشهر الحالي (مايو/أيار 2022).

2022

حتى تاريخ كتابة هذا المقال (23 /5 /2022)، كل المؤشرات تشير إلى أننا أمام ذات الظروف التي سبقت ورافقت انتفاضة الكل الفلسطيني قبل عام. وعليه، أدعو القيادة الفلسطينية إلى الارتقاء لموقف الشعب الذي لن ينتظرها طويلاً، والعمل على المساهمة في توفير كل أسباب إطلاق مقاومة شعبية شاملة مثل: (1) الإعلان عن سحب الاعتراف بإسرائيل، وانتهاء حل الدولتين وتبني استراتيجية قيام دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية. (2) تبني المقاومة الشعبية السلمية المتمثلة أساساً بالمسيرات والاعتصامات الكبرى، والعصيان المدني، والمقاطعة. وإعطاء صلاحيات واسعة للبلديات والمجالس المحلية وتشكيل لجان شعبية في أحياء المدن والقرى لمساندة البلديات والمجالس المحلية في حفظ الأمن الداخلي وقيادة العمل الشعبي المقاوم. (3) حل الأجهزة الأمنية للسلطة (دراسة الإبقاء على جهاز الشرطة فقط) التي بفضل وجودها، قامت إسرائيل العام الماضي بنقل الكثير من جنودها وآلياتها من الضفة الغربية لمواجهة الفلسطينيين في أراضي 48. كذلك يجب جمع أسلحة تلك الأجهزة وتسليمها لطرف ثالث مثل الأمم المتحدة وذلك لتحقيق ثلاثة أهداف: أولاً، لتفادي محاولة إسرائيل جر الفلسطينيين لسيناريو الانتفاضة الثانية؛ وثانياً، خدمةً لاستراتيجية حل الدولة الواحدة القائمة على المقاومة الشعبية السلمية؛ وثالثاً، لضم المزيد من الإسرائيليين اليهود لمشاركة الفلسطينيين في نضالهم لإنهاء النظام العنصري وقيام دولة ديمقراطية وحقوق متساوية لكل مواطنيها. (4) دعوة الجمعية العامة للأمم المتحدة لإعادة تبني وتفعيل قرارها رقم 3379 الذي اعتبر الصهيونية مساوية للعنصرية حيث إن إسرائيل أصبحت اليوم أكثر عنصرية وأكثر انكشافاً من وقت إقرار القرار المذكور عام 1975. وكانت الجمعية العامة قد ألغت القرار المذكور بعد 45 يوماً فقط من عقد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 الذي قدم إسرائيل للعالم كدولة طبيعية وشرعية، بل وطالبة للسلام بمباركة عربية وفلسطينية. (5) دعم وتبني حركة مقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات وسحب الاستثمارات (BDS).

أخيراً، إلى الإسرائيليين: بعد 74 عاماً على نكبتهم وقيام دولتكم، الفلسطينيون اليوم مصممون أكثر من أي وقت مضى على التحرر، ولا يمكن كسر إرادتهم. كذلك تشير تصريحات قياداتكم واستطلاعات الرأي لديكم على وجود خوف وخطر وجودي حقيقي على دولتكم. وتشير آخر الإحصاءات بأن عدد الفلسطينيين ما بين النهر والبحر قد تجاوز عدد الإسرائيليين اليهود. لكن في المقابل، ولأول مرة منذ قيام إسرائيل، لقد تجاوز عدد اليهود الإسرائيليين الذين ولدوا في فلسطين التاريخية عدد اليهود الإسرائيليين الذين ولدوا خارجها. وعليه، أدعوكم إلى الانضمام إلى الفلسطينيين في نضالهم لتفكيك نظام دولتكم العنصري، وإنشاء دولة ديمقراطية واحدة على أنقاضه، لكل من يعيش بين النهر والبحر في فلسطين التاريخية. 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط