كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

فشل مشروع القرار العربي في مجلس الأمن (رب ضارة نافعة )

فشل تمرير مشروع قرار في مجلس الأمن يحدد أجلا لإنهاء الاحتلال مع العودة للمفاوضات وقضايا أخرى ذات صلة كان متوقعا ، سواء لغياب تسعة أصوات من أعضاء مجلس الأمن أو بسبب الفيتو الأمريكي ، وحتى فيما لو تم تمرير القرار فإن القرار كان سيفتح منفذا للمفاوضات ولكن من غير المؤكد أنه سينهي الاحتلال ويضع حدا للصراع في فلسطين والمنطقة .

عدم الحصول على التسعة أصوات يثير التساؤلات إن كان مندوب فلسطين في الأمم المتحدة ووزارة الخارجية ومسؤول ملف المفاوضات يعلمون بعدم توفر 9 أصوات ومع ذلك أصروا على عرض المشروع للتصويت لتجنيب واشنطن استعمال الفيتو كما يتهم البعض ! ، أم أن موقف نيجيريا فاجأهم؟ وهذا بحد ذاته يستدعي وقفة مساءلة حول عما جرى .

أما وقد جرى ما جرى ، ومن باب (رب ضارة نافعة) ، فإن الأمر يستدعي من القيادة وكل المكونات السياسية والاجتماعية الفلسطينية عمل مراجعة استراتيجية شمولية بعيدا عن المناكفات السياسية والحسابات الحزبية الضيقة ، لأن القضية الوطنية برمتها باتت على المحك ، حتى يجوز القول بأننا أمام منعطف مصيري سيحدد إما أن تقوم الدولة الفلسطينية على كامل الضفة وغزة وعاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين ، أو لا تقوم نهائيا ، أو يتم الاستعاضة عنها بدولة قد تكون دويلة غزة ، أو الأردن بعد امتداد (الفوضى الخلاقة) الأمريكية إليه بمساعدة داعش .

ما جرى يستدعي استخلاص دروس أهمها :-

1- يجب إعادة النظر في التعامل مع واشنطن كوسيط أو راع نزيه للسلام في المنطقة. فبالرغم من أن مشروع القرار تجاوب مع الرؤية الأمريكية المعلنة للسلام القائمة على حل الدولتين ورؤيتها لوضع القدس كعاصمة لدولتين ورؤيتها لحل قضية اللاجئين ومبدأ تبادلية الأراضي الذي كان مطلبا أمريكيا منذ البداية ، إلا أن واشنطن وقفت ضد القرار ، وهذا يستدعي إعادة النظر في مدى مصداقية وجدية واشنطن في رؤيتها لحل الدولتين .

2- ارتباطا بما سبق ، يجب إعادة النظر والحذر من التفسير الذي يقول بأن الضغط الإسرائيلي على واشنطن وعلى الدول الأخرى كان السبب في معارضتهم لمشروع القرار العربي . هذا القول يبرئ واشنطن ويُظهرها وكأنها مع الحقوق الفلسطينية والعربية ولكنها مغلوبة على أمرها ، وبالتالي فإن أصحاب هذا التفسير والمروجين له لا يريدون القطع مع إمكانية استمرار المراهنة على واشنطن كصديق أو وسيط في أية مفاوضات قادمة . واشنطن معنية مثل إسرائيل أو أكثر بعدم تمرير مشروع القرار، حماية لإسرائيل ولا شك ، ولكن أيضا حماية للمصلحة الأمريكية الاستراتيجية ، حيث لا تريد واشنطن أن يخرج هذا الملف المهم من يدها ، مما قد يُفسر بأنها فشلت في حل أو إدارة الصراع العربي الإسرائيلي ، مما ينذر بخروج ملفات أخرى من يدها ، وهذا ما يهدد مكانتها الدولية .

3- يحتاج الأمر لقراءة علمية للرأي العام الدولي وكيفية توظيفه ، وإعادة نظر في عمل الدبلوماسية الفلسطينية الذي يركز ويراهن على موقف واشنطن والمواقف الأوروبية ويتجاهل شعوب ودول العالم الثالث التي كانت تاريخيا إلى جانبنا ، وإلى أي مدى نجحت الدبلوماسية الفلسطينية في توظيف تأييد وتعاطف الرأي العام العالمي مع عدالة قضيتنا .

4- إن سياسة الغموض والسرية وعدم إشراك الشعب والقوى الوطنية في صياغة مشروع القرار ، بل وعدم معرفتهم بصيغة القرار حتى يوم عرضه للتصويت عزز من حالة الانقسام الداخلي ، وهذا يؤثر سلبا على الحراك الدبلوماسي وربما أثر على مواقف بعض الدول من مشروع القرار .

5- يجب أن نقرأ بشكل جيد ما جرى في مجلس الأمن واستخلاص الدروس والعبر في تعاملنا مع المنظمات الدولية بعد الانضمام لاتفاقية روما وبقية المنظمات الدولية . فهذه المنظمات بما فيها محكمة الجنايات الدولية ليست محصنة من النفوذ الأمريكي ولعبة المصالح . ونخشى من صدمة جديدة في محكمة الجنايات كصدمة مجلس الأمن ، خصوصا إن فتحت المحكمة كل الملفات بما فيها ملفات فلسطينية وربما عربية وإسلامية . إذن مع أهمية خطوة الانضمام لمنظمات دولية جديدة وخصوصا محكمة الجنايات إلا أن الأمر يحتاج لدرجة عالية من التنسيق ووحدة الموقف بين القوى السياسية الفلسطينية في المرحلة المقبلة على الأقل فيما يتعلق بالملفات والقضايا التي قد تتعامل معها محكمة الجنايات .

6- الانضمام لمحكمة الجنايات لا يشكل حراكا سياسيا ودبلوماسيا يحل محل الأمم المتحدة أو المفاوضات أو الفعل الوطني المقاوم ، فالمحكمة ليست مكلفة بحل الصراعات الدولية أو إجبار دولة على إنهاء احتلالها لدولة أخرى . حتى مع افتراض أن محكمة الجنايات الدولية قررت فتح ملف الجرائم الإسرائيلية ، فإن الأمر قد يستغرق سنوات ، وفي حالة استدعاء قادة إسرائيليين للمحاكمة فمحاكمتهم ستستغرق سنوات أيضا ، حتى وإن حصل كل ذلك سيستمر الفلسطينيون تحت الاحتلال وسيستمر الاستيطان والتهويد ، ويبقى السؤال : وماذا بعد ؟.

7- التعامل مع الشرعية أمر مهم ، ولكن يجب أن لا يكون بشكل انتقائي وارتجالي ، فهناك كثير من القرارات السابقة يمكن استحضارها وتفعيلها . الفشل في تمرير مشروع القرار الحالي لا يعني إدارة الظهر للأمم المتحدة والشرعية الدولية بل يتطلب إعادة النظر في أسلوب تعاملنا معهما ، والابتعاد عن الاستخفاف والارتجالية في التعامل مع منظمة أسسها الغرب وعلى رأسه واشنطن ويملكون كل أوراق الضغط والتأثير المالي والسياسي على دولها ومجريات الأمور فيها .

8- لا يمكن تحقيق انتصارات سياسية ودبلوماسية والجبهة الداخلية ضعيفة . ذلك أن الحقوق لا تُستعاد بقرارات دولية فقط ، فهذه مجرد عوامل مساعدة للنضال الوطني في وجه الاحتلال ، ولو أن تقديم القرار لمجلس الأمن كان متساوقا مع مقاومة شعبية وحالة صدام مع إسرائيل لتغيرت مواقف الدول المعارضة للقرار ، بل لتغير الموقف الأمريكي خشية مما هو أسوء من القرار .

9- الرفض الأمريكي والإسرائيلي لمشروع القرار لا يبرئ القرار من العيوب ، ويجب أن لا يغير من الموقف الفلسطيني المتحفظ والمعارض لمضمون القرار وآلية اتخاذه . فواشنطن وتل أبيب تعارضان القرار لابتزاز القيادة الفلسطينية لدفعها نحو مزيد من التنازلات ، ولأنهما يدركان أن لا خيارات استراتيجية عند القيادة الفلسطينية يمكنها تهديد أمن ومصالح إسرائيل وواشنطن . وبالتالي يجب سحب مشروع القرار من الأمم المتحدة وعدم اعتباره بأي شكل من الأشكال معبرا عن ثوابتنا وحقوقنا الوطنية .

10- ما جرى في مجلس الأمن وما جرى قبل ذلك في قطاع غزة ، يؤكد على فشل النخبة السياسية الحاكمة ، سواء نخبة السلطة الفلسطينية في مراهنتها على الحراك الدبلوماسي فقط بدون توافق وطني وبدون توظيف قوة الشعب ومساندته ، أو حركة حماس في مراهنتها على مقاومة مسلحة انتقائية وموسمية بدون استراتيجية وطنية. الخلل لا يكمن في الحراك الدبلوماسي والشرعية الدولية ، كما لا يكمن في مبدأ المقاومة ، بل في غياب استراتيجية وطنية توافقية تجمع ما بين الدبلوماسية والمقاومة .

وأخيرا نقول إن فشل تمرير القرار يجب أن لا يُصيبنا بالإحباط لأن مصير قضيتنا ووجودنا الوطني الممتد منذ أربعة آلاف عام غير مرتهن بقرار دولي ، بل نعتقد أنه كان من الحَسن عدم التصويت على القرار ، لأنه لو مر في ظل حالة الانقسام التي نعيشها وفي ظل الحالة العربية المتردية واحتمال استمرار تفرد واشنطن بالمفاوضات ما بعد صدور القرار ، كان من المتوقع أن تغرق القضية الوطنية مجددا في متاهة المفاوضات والمساومة على حقوقنا الوطنية ، حيث صياغة القرار لا تقل خطورة وغموضا عن نصوص اتفاقية أوسلو وكأن الكاتب واحد. المهم أن تجتمع قيادة منظمة التحرير صاحبة الولاية على الشعب الفلسطيني برئاسة الرئيس أبو مازن لتقول كلمتها وتضع خطة عمل للمرحلة القادمة ، ونتمنى أن تكون أول خطوة في هذا السياق رد الاعتبار للقرار الوطني المستقل تحت قيادة منظمة تحرير جديدة تستوعب كل الفاعلين السياسيين بما فيهم حماس والجهاد والمبادرة الوطنية . 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط