كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

فكرة أو طُرْفَة .. لإنهاء كذب السلاطين ودُعاتِهم على شعوبهم بتحليلِ لغتنا الجميلة

فكرة أو طُرْفَة .. لإنهاء كذب السلاطين ودُعاتِهم على شعوبهم بتحليلِ لغتنا الجميلة

تاريخ النشر: 2016-06-21 | 12:21

انتشار آفة الكذب دافع المقالة:

       اعتدتُ قبل أن أتسامر وجهازي اللاب قراءةً وتدبراً وكتابةً أنْ أطالع الأخبار من بعض المواقع الإلكترونية فهالني ما اعتيدَ عليه فيها من مضامين وكلمات تحمل معنى:" هذا يُكذّب ذاك". و" ذاك يكذّبُ هذا".

والإعلام ينقلُ ويُجاري بل يزيد ما شيء له أنْ يزيد؛ ليُشعلَ الأمرَ بما يتوافقُ وَهوى سيده؛ وليصلَ الكذبُ مداه فيرتقي إلى الرتبة الأعلى، وهي رتبة" الخَرْطِ" التي لها في لغتنا العربية علاقة صوتية ودلالية بكلمة" الخَلْط" التي يذيعُ أمرُها عندما تتشابكُ الأمور؛ فتكونُ نتيجةُ" الخرْطِ" اختلاطاً يجعل غيرَ البصيرِ بل البصير بالأمور حائراً!.

مَن يُصدِّق؟ كلٌّ يدّعي الصدقَ ونقاءَ الضمير وطهارة الكلمة، كما طهارة البندقية التي ما غدرت بل عقرت يوماً أخاها، وكلٌّ يَدّعي أنَّ غريمَهُ كَذّابٌ أَشِر؛ لأنه لا يَبغي مصلحةَ الرعيةِ مثْله.

وهنا تبرز لغة الضاد؛ لِتبرزَ لهم أنهم جهلاءُ بتاريخِ أسلافهم الذي إنْ رجعوا إليه أنبأهم أنَّ فطْرةَ أجدادهم العقلاء الحكماء جعلتهم يقولون في مثل هذا الحال الفاضح:( اختلطَ الحابلُ بالنابل). وفي روايةٍ أخرى" التبس الحابِلُ بالنابِلِ"، وهو مثلٌ يُضرَبُ  في الشدة والاختلاطِ عندما تشتبك الأمور، ويقع الحليم في دوامة الحيرة.

جاء في المحكم لابن سيده ولسان العرب لابن منظور" ويقال للداهية من الرجال: إنه لحَبْلٌ من أحبالِها. وكذلك يقال في القائم على المال: و( ثارَ حابِلُهم على نابِلِهم)؛ إذا أوقدوا الشر بينهم. و( التَبَسَ الحابِلُ بالنابِلِ): الحابلُ سَدى الثوب، والنابل اللُّحْمَة، يقال ذلك في الاختلاط. و( حوَّل حابِلَه على نابِلِه)؛ أي أعلاه على أسفله. و( اجعلْ حابِلَه نابِلَه، وحابِلَه على نابِلِه) كذلك".

وفي تاج العروس للزَّبيدي" الحابِلُ: صاحبُ الحِبالَة، والنَّابِلُ: الرَّامِي بالنَّبل، ويكونُ صاحِبَ النَّبل؛ أي اختلَطَ أمرُهم، وقد يُضْرَبُ للقَوم يَنْقَلِب حالُهم، ويثور بعضُهم على بعض. وقال أبو زيد: يُضْرَبُ في فَسادِ ذَواتِ البَين".

ألستَ معي-عزيزي القارئ- في أن هذا المثلَ العربيَّ الحكيمَ يكشفُ مضمونُهُ عن خصائص هذه الظاهرةِ المقيتة التي نتحدث عنها في هذه المقالة. وأن من وُصِم بها تنكَّر لقيمِ أجداده الذين مقتوا الكذب، كما يُبرز أهمية نزاهةِ اللسان، وأن من خصائص المؤمن أنه لا يكذب، وأن الكلمَ الكذبَ ضارٌّ ببنيان أي مجتمع، فهو مادةُ تغذية الإشاعة مصدر الفتن. ما أكبرَ تأثيره الضار! قالI في سورة الكهف:}وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا(5){. وقال U  في سورة الصف} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3){.

وأيّا يكن فهمُنا لماهية المؤمن متديناً أم مصدقاً لما يسمَع، أو معتقداً بصواب ما يُسمَع أو يُملى عليه؛ لِيروِّج له فإن العُدولَ عن الصوابِ لَأمرٌ مقيتٌ مبغوضٌ فاعله؛ لأنه بإثارته للفِتن وإشعاله لنيران شرورها بين الناس ولاسيما المتخاصِمين يوقد الضغينةَ فيهم، ويقضي على تحابّ الأفراد والجماعات وتلاحمِهم؛ لينتهي الأمر بهم إلى التفكك والتآمر على بعضهم بعضا، والتخاصم والتشاحن؛ وصولاً إلى التعارك ونزيفِ الدم.      

أَ لأجلِ سلطانٍ بشريٍّ زائل؟!:

وأياً يكن معنى لفظ السلطان السياسي فالمقصود به في هذه المقالة" المسؤول" أو" المكلَّف" بعملٍ عامٍّ أياً كان لقبه أو وظيفته. أما في كتب اللغة فترتد كلمة السلطان إلى الجذر( س. ل. ط)، ومن معانيه المناسِبة لمقام المقال ما ذكره ابنُ منظور في معجمه لسان العرب" السَّلاطةُ: القَهْرُ، وقد سَلَّطَه اللّهُ فتَسَلَّطَ عليهم، والاسم سُلْطة، بالضم...، وقد سَلُطَ سَلاطةً وسُلوطةً، ولسانٌ سَلْطٌ وسَلِيطٌ كذلك. ورجل سَلِيطٌ؛ أَي فصيح حَدِيدُ اللسان بَيّنُ السَّلاطةِ والسُّلوطةِ. يقال: هو أَسْلَطُهم لِساناً، وامرأَة سَليطة أَي صَخّابة".

إن سلاطة اللسان ولاسيما في الكذب والافتراء والتملقِ والنفاق والقدح والاتهام الباطل والتدليس والتزوير مصدرُها- كما أعتقد- سوءُ الحُلُقِ ومخالفة الضمير والطمع في نعيم دنيوي زائل.

ومن معاني السُّلْطانِ أيضاً" الوالي، وهو فُعْلان، يذكر ويؤنث، والجمع السَّلاطِينُ. والسُّلُطانُ: قُدْرةُ المَلِك...، وقال الليث: السُّلْطانُ قُدْرةُ المَلِكِ، وقُدرةُ مَن جُعِلَ ذلك له، وإِن لم يكن مَلِكاً، كقولك: قد جعلت له سُلطاناً على أَخذ حقِّي من فلان... وقال أَبو بكر: في السلطان قولان: أَحدهما أَن يكون سمي سلطاناً لتَسْلِيطِه، والآخر أَن يكون سمي سلطاناً لأَنه حجة من حُجَج اللّه... والتسْلِيطُ: إِطلاق السُّلْطانِ، وقد سلَّطه اللّه وعليه. وفي التنزيل العزيز: }ولو شاء اللّهُ لسلَّطَهم عليكم{.... وسُلْطانُ كل شيء: شِدَّتُه وحِدَّتُه وسَطْوَتُه".

وأخيراً، كيف نثق بصدقيةِ" هذا الذي كذّب ذاك" أو" ذاك الذي كَذّبَ هذا"؛ فكلُّ كاذبٍ لسلطانهِ مطيعٌ مُمتثِل، لا يمكنُهُ مخالفتُهُ أو التملصُ منه؛ خوفاً من بطشه، وطمعاً في عطائه ونعَمِهِ عليه. 

وإذا جاز لي أنْ أتمثّلَ العقل الجمعي لأيِّ مجتمعٍ تَفشَّت فيه ظاهرة الكذب المقيتة كتابةً أم تفوهاً رادحاً؛ لينطق لساني بلسان حاله، فأراه يقول: إن الوصول إلى مَن هو الصادق؟ ومن هو الكاذب؟ في حال السلطان ودعاته ليس بالأمر الصعب؛ لأنه مُجرَّبٌ في الدول وشعوبها المتحضرة التي تحتكم إلى الشورى، وعدم تزييف الحقائق وتضليل شعوبها.

إنها ببساطة تقوم بإذاعة جلسات مجالسها التشريعية" البرلمانية" على الهواء مباشرة، فلماذا لا نحذو هذا الحذو، ونفعل فعلهم فنقوم بإذاعة جلسات التصالح مثلهم، ولك أيها القارئ أن تقترح حلولاً أخرى؛ فالمهم عندي كيف نصل إلى من هو...؟

وإن لم نجدْ حلاً نتفق عليه في معرفة من هو...؟ فسنبقى كما تقول أحجية الساعة التي قرأناها ونحن صغار في المرحلة الابتدائية التي نصُّها" تلف وتدور في طبق من البلور". أو نتذكر مَثَلَ أبي زيد الهلالي" كأنك يا أبو زيد ما غزيت" أو" تيتي تيتي زَيْ ما رُحْتِ زي ما جيتِ" أو" مثْل ما رُحْتِ...إلخ".

سنبقى-عزيزي القارئ- نتغذى تصبيراً على المثل العربي" مواعيد عُرْقوب" القائم شرحه ومقامه على الكذب المتواتر. وفي معنى العُرقوب جاء في لسان العرب" وعُرْقُوبُ القَطا: ساقُها، وهو مما يُبالَغُ به في القِصَر، فيقال: يومٌ أَقْصَرُ من عُرقُوبِ القَطا".

وإذا التفتنا إلى معنى القِصَر في معنى لفظ العرقوب فإنه يتبادر إلى الذهن هذا المثل العربي:" الكذب حبلُهُ قصير" أو" حباله قصيرة" الذي سمعناه من أجدادنا- تغمدهم الله برحمته الواسعة، وَهدى الله كلَّ من يكذب على الناس إلى العودة إلى رشده- وذاع تكراره على ألسنتهم وألسنتنا نفوراً في مقامات الدجل والكذب.

وفي تحليل كلمات المثل جاء في لسان العرب" ومن أَمثالهم في خُلْفِ الوَعْدِ: مواعِيدُ عُرْقوب. وعُرْقُوبٌ: اسم رجل من العَمالِقة؛ قيل: هو عُرْقوبُ بن مَعْبَدٍ، كان أَكذبَ أَهل زمانه؛ ضَرَبَتْ به العَرَبُ المَثَلَ في الخُلْف، فقالوا: مَواعِيدُ عُرْقوبٍ. وذلك أَنه أَتاه أَخٌ له يسأَله شيئاً، فقال له عُرْقوبٌ: إذا أَطْلَعَتْ هذه النخلةُ، فلكَ طَلْعُها؛ فلما أَطْلَعَتْ، أَتاه للعِدَةِ، فقال له: دَعْها حتى تصيرَ بَلَحاً، فلما أَبْلَحَتْ، قال: دَعْها حتى تَصيرَ زَهْواً، فلما أَبْسَرَتْ، قال: دَعْها حتى تَصير رُطَباً، فلما أَرْطَبَتْ، قال: دَعْها حتى تصير تمراً، فلما أَتْمَرَتْ عَمدَ إِليها عُرْقُوبٌ من الليل، فَجَدَّها، ولم يُعْطِ أَخاه منهُ شيئاً، فصارت مَثَلاً في إِخْلافِ الوعد؛ وفيه يقول الأَشْجَعي:

وعَدْتَ، وكان الخُلْفُ منكَ سَجِيَّةً         مَواعيدَ عُرْقُوبٍ أَخاه بيَتْرَبِ

بالتاءِ، وهي باليمامة؛ ويروى بيَثْرِبِ وهي المدينة نَفسُها؛ والأَوَّلُ أَصَحّ، وبه فُسِّر قول كعب بن زهير:

كانتْ مَواعِيدُ عُرْقُوبٍ لها مَثَلاً         وما مَواعِيدُها إِلاَّ الأَباطيلُ".

 وجاء في معجم" أساس البلاغة" للزمخشري في مادة( ع. ر. ق. ب)" وهو أكذب من عرقوب يثرب. وتقول: فلان إذا مطل تعقرب، وإذا وعد تقرب".

ومن أمثال العرب في هذا المضمون المنفّر من الكذب المكشوف قالت العرب- كما جاء في تهذيب اللغة للأزهري( ج. أ. ي)-:"( شَرٌّ ما أجاءك في مُخَّةِ عرقوب)، ومنهم من يقول:( شَرٌّ ما ألجأَكَ). والمعنى واحد. وتميمٌ تقول: شَرٌّ ما أشاءك...؛ أي ألجأتْه. معنى قوله( إلي مُخَّةِ عُرقوب): أن العرقوب لا مُخَّ فيه؛ فلا يَحتاج إليه إلا من لا يقدر على شيء. قال أبو عبيد: ويُضرب هذا لكلِّ مضطر إلى ما لا خير فيه ولا يَسُدُّ مَسَدًّا". وقال صاحب لسان العرب:" يُضْرَبُ هذا، عند طَلبِكَ إِلى اللَّئِيم، أَعْطاكَ أَو مَنَعك".

ألا هل بلغت اللهم فاشهد

اللهم أصلح الأحوال.

لغوي فلسطيني عربي مسلم

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط