كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

فلسطينيو الجليل والمثلث والنقب والساحل ينتفضون مع شعبهم

فلسطينيو الجليل والمثلث والنقب والساحل ينتفضون مع شعبهم

تاريخ النشر: 2021-05-20 | 07:10

امتدت الهبة الشعبية الرمضانية المقدسية، في الشيخ جراح وباب العامود والمسجد الأقصى، إلى التجمعات الفلسطينية كافة، بمن فيهم الفلسطينيون في الجليل والمثلث والنقب والساحل، حيث وفد إلى القدس عشرات الآلاف منهم وانتفضوا في بلداتهم، إسنادا لأهلهم في الشيخ جراح ونصرة للأقصى واحتجاجاً على الحرب الإجرامية القذرة، التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، وتعبيراً عن غضبهم على سياسات التمييز والتهويد والقمع والبطش بهم.
ليست هذه الهبة خطوة خاصة بفلسطينيي الداخل، بل هي مشاركة فعالة ومهمة في الموجة الانتفاضية العارمة، التي قام بها الشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كافة. هي بهذا تفسر ذاتها، بأنها تندرج في إطار بديهة أن الباقين في وطنهم في إطار المواطنة الإسرائيلية، التي فرضت عليهم بعد النكبة، هم جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، يتألمون لآلامه وهي كثيرة، ويفرحون لأفراحه على قلتها.

هذه الهبة هي تمرد على تجزئة الشعب الفلسطيني، فحتى لو كان تقسيم الشعب الفلسطيني إلى غزة وضفة وقدس وداخل وشتات، هو أمر واقع على الأرض، إلا أنه مرفوض في الوعي والوجدان، فالانتماء هو انتماء مباشرة للكل الفلسطيني، والهوية هي عربية فلسطينية غير مؤسرلة. لقد عززت الهبة الروابط الوطنية والإنسانية بين الفلسطينيين، على طرفي الخط الأخضر، وكل من حاول في الآونة الأخيرة السير بالاتجاه المعاكس وراهن على التذيل لليمين الصهيوني، أو اليسار الإسرائيلي أو كليهما، خسر الرهان، وخسارته هذه هي مكسب صافٍ للشعب. ما حرك الهبة في الداخل هو الحراك في القدس. فقد ألهمت مظاهرات الشباب المقدسي ضد نصب الحواجز في مدرج باب العامود، وصدام الشيخ جراح ومواجهات المسجد الأقصى، أبناء وبنات شعبنا في الداخل، وبالأخص الشباب فخرجوا إلى الشوارع بالآلاف للتعبير عن غضبهم وسخطهم، وشد الآلاف منهم الرحال إلى الشيخ جراح والمسجد الأقصى، وشاركوا في المعركة جنبا إلى جنب مع أهل القدس. وما من مشهد يعبر عن هذا الالتحام مثل مشهد الآلاف وهم يسيرون مشيا باتجاه القدس عشية ليلة القدر، بعد أن أوقفت الشرطة الإسرائيلية الحافلات التي أقلتهم، فهب أهل القدس بسياراتهم وحافلاتهم، إلى الشارع السريع بين القدس ويافا ونقلوهم إلى المسجد الأقصى.

القمع والبطش

ما أن هبت الجماهير إلى الشوارع حتى سارعت الشرطة الإسرائيلية إلى محاولة قمع المظاهرات والاعتداء على المحتجين، وجرح المئات واستشهد الشاب محمد محمود محاميد برصاص الشرطة، خلال المواجهات ليلة العيد في أم الفحم. لقد تبين مرة أخرى أن إسرائيل لا تحترم «المواطنة الإسرائيلية» التي يحملها فلسطينيو الداخل وتتعامل معهم، عند الأزمات، كأعداء وليس كمواطنين. هذا بالضبط ما قام به الأمن الإسرائيلي في أكتوبر 2000، حين اغتال 13 شخصا في مظاهرات الغضب، التي اجتاحت مدن وقرى الداخل احتجاجا على العدوان على المسجد الأقصى. قد تتحمل المؤسسة الإسرائيلية المواطن العربي وهو يطالب (بأدب) بمصالحه المدنية، لكنها تبطش به حين يطلب حق الكلام كصاحب الوطن والبلد، للتعبير عن غضبه على السياسات العدائية تجاهه وتجاه شعبه. فحتى حين قام شباب مدينة أم الفحم في فبراير الماضي بالاحتجاج السلمي على تفشي العنف والجريمة، وعلى تواطؤ الشرطة، اعتدت عليهم الشرطة بالعنف والوحشية، ما أدى إلى جرح العشرات منهم. فالقضية بالنسبة لإسرائيل ليست مضمون الاحتجاج فحسب، بل هوية المحتجين أساسا. لقد جرح المئات نتيجة قمع الشرطة، وفاق عدد المعتقلين الألف معتقل، وقدمت لوائح اتهام ضد المئات منهم. في المقابل ليس هناك في السجون معتقلون يهود ولم تقدم لائحة اتهام ضد أي يهودي، على الرغم من وجود أشرطة وأدلة دامغة تدين المستوطنين اليهود، بتهم محاولة القتل والحرق والاعتداء وإطلاق النار، وحتى من قاموا باغتيال مواطن اللد، جرى إطلاق سراحهم. العنصرية تنخر عميقا في البوليس الإسرائيلي، أكثر بكثير من الشرطة الأمريكية، التي تتبع سياسات أكثر لينا تجاه السود.

هبة الساحل الفلسطيني

كانت مدن الساحل الفلسطيني ساحة لأعنف وأشد المواجهات، حيث بادر أهلها إلى التظاهر والاحتجاج على ما يجري في القدس، فواجهتهم الشرطة الإسرائيلية بقمع اجرامي غير مسبوق، وقامت هذه الشرطة بحراسة قطعان اليمين الفاشي العنصري وهم يعتدون على المتظاهرين العرب، وعلى المارة وعلى الناس في بيوتها. لقد اجتاحت عشرات مظاهرات الغضب شوارع عكا وحيفا واللد والرملة ويافا.

والغضب هنا ليس على ما يحدث في الأقصى وفي الشيخ جراح فحسب، بل لأن هناك جروحا مفتوحة لا تختلف عما يجري في الشيخ جراح، حيث تقوم إسرائيل في هذه المدن بتنفيذ مخطط تطهير عرقي استمرارا لما كان في النكبة. في مدن الساحل ما زالت ذاكرة النكبة حية، وهي تواجه ما يواجهه الشيخ جراح من مشاريع اقتلاع وزرع للمستوطنين في قلب الأحياء الفلسطينية. والعدوان على الناس، هنا وهناك، يجري تنفيذ عدوان مشترك للشرطة ولقطعان المستوطنين. في مدن الساحل وفي الشيخ جراح السياسية الإسرائيلية نفسها، ما يوحي بأن المسألة ليست مسألة احتلال فقط، بل مسألة نظام أبرتايد على كل أرض فلسطين.

المستوطنون الذي اعتدوا على أهلنا في مدن الساحل، ينتمون إلى ما يسمى «الأنوية التوراتية» وهي بؤر استيطانية جرى زرعها في قلب الأحياء التي يسكنها الفلسطينيون في يافا واللد والرملة وعكا منذ سنوات، بهدف «المحافظة على الطابع اليهودي» وهم يفعلون ذلك عبر زرع البؤرة ثم السعي لتوسيعها، فيتصدى لهم أهل البلد، وتحدث مشاحنات من حين إلى آخر. كما يقوم المستوطنون على مدار السنة باستفزاز الناس من خلال نشر أعلام إسرائيلية كبيرة الحجم، والاحتفال بمكبرات الصوت بمناسباتهم، وشتم الناس والاعتداء على ممتلكاتهم. وفي إطار هذا المشروع جرى إسكان مئات العائلات اليهودية، التي تنتمي إلى التيار الديني المتطرف سياسيا. وخلال المواجهات الأخيرة استنجد هؤلاء بمئات المستوطنين من الضفة الغربية، وعلى الرغم من أن الشرطة كانت على علم كامل بحملات التجنيد والدعوة لجلب الأسلحة للاعتداء على العرب، حيث عجـت بها وسائل التواصل الاجتماعي وقام البعض بجمعها وإرسالها لضباط الأمن، فهي لم تفعل شيئا لوقفهم، بل هناك أشرطة تُظهر كيف يلقي المستوطنون الحجارة على البيوت العربية والشرطة حولهم تحميهم.
تصدى الفلسطينيون في مدن الساحل لاعتداءات الشرطة والمستوطنين، وهم لا يملكون سلاحا ولا دعما من أحد، وزادت حدة ردهم بعد جرح واعتقال المئات واستشهاد موسى مالك حسونة دفاعا عن اللد وعن القدس. لقد زرت هذا الأسبوع مع زملائي في لجنة المتابعة العليا لفلسطيني الداخل عائلة الشهيد والتقينا الوالد والوالدة والزوجة، وكان اللقاء مشحونا بعزيمة الإصرار على مواصلة النضال، والدفاع عن القضية التي استشهد موسى من أجلها. الروح الوطنية العالية نفسها، لمسناها حين زرنا عائلة المواطن وابنته، اللذين لقيا حتفيهما بعد سقوط صاروخ بجوار بيتهما، حيث قالوا لنا «نحن نتهم إسرائيل المعتدية بما جرى». لمسنا هذه الأجواء في اللد والرملة ويافا وعكا وحيفا، فشعبنا في مدن الساحل يشعر بالاحتقان والغضب على الدولة والحكومة في إسرائيل، وهو اليوم في الخط الأمامي لكفاح الداخل الفلسطيني.

مواصلة النضال

تتميز الهبة الحالية في الداخل الفلسطيني بأنها شاملة، وتمتد من معليا في الشمال حتى راهط في الجنوب، وشاركت فيها جميع فئات وشرائح المجتمع، وبشكل خاص جيل الشباب. لقد قام المتظاهرون باقتحام الشوارع المركزية، وأغلقوها لساعات طويلة واصطدموا بقوات الأمن والشرطة. وشارك أكثر من 30 ألفا في مظاهرة قطرية، دعت اليها لجنة المتابعة، في مدينة سخنين، والتزمت فئات وشرائح المجتمع كافة بالإضراب العام الثلاثاء الماضي، الذي أعلنته لجنة المتابعة، وانضمت إليه الفصائل والمؤسسات الفلسطينية كافة.

أستطيع أن أجزم بأن الطاقة النضالية العفوية، التي شهدها الداخل، هي غير مسبوقة في حجمها وزخمها وحدتها وتلقائيتها، خاصة أن الشباب الغاضب هو الذي قادها ورسم إيقاعها. هذه العفوية هي ظاهرة صحية وصحيحة، ويجب تشجيعها ودعمها، بدون أي محاولة لحرفها عن مسارها المستقل.

لقد تعلمنا من تجربة الحراكات الشبابية الفلسطينية في العقد الأخير، أن أضعف حلقة فيها هي مسألة الاستمرارية والمواصلة. هي عادة ما تعتمد على الفعل المباشر، وعلى رفض الواقع، وهذا صحيح وصحي، لكنها تبتعد عن أي بنية تنظيمية ورؤية استراتيجية تضمن المضي في الفعل الكفاحي. هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة جدية لضمان استمرار الحراكات الشبابية، التي تلعب دورا محوريا في هذه الهبة وغيرها. في المقابل على الأحزاب السياسية في الداخل إيجاد الطرق الكفيلة بتطوير ذاتها وعملها وصياغة برامجها وسياساتها، بما يتجاوب مع المتغيرات. الوحدة في هذه الظروف مطلوبة وضرورية، لكننا نريدها وحدة كفاحية تستند إلى المبادئ، التي اندلعت هذه الهبة على أساسها، والباب مفتوح لمن ابتعد عنها ويريد العودة إلى الصف الوطني، بعد أن يقبل بالموقف الوطني.

من هنا ننطلق مجددا ونواصل الكفاح بوحدة وطنية كفاحية فاعلة، وبحراكات شبابية ناشطة ومتحدية للغبن والاضطهاد، وبالتحام مع بقية أجزاء شعبنا، وبهمة وبعزيمة صاحب الحق، الذي يتمسك بحقه ويناضل لنيله.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط