كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

فلسطين... ثلاث عواصف عربية بثلاث نكبات

فلسطين... ثلاث عواصف عربية بثلاث نكبات

تاريخ النشر: 2015-11-12 | 08:43

ما أن بدأت عاصفة الحزم العربية ضد انقلاب الفلول والحوثيين في اليمن شهر آذار/مارس الماضي حتى تعالت الأصوات المطالبة والمتسائلة والمستهجنة عدم القيام بعاصفة حزم مماثلة لتحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي.

كما دائماً كانت بعض الأصوات حسنة النية وترغب في استمرار التركيز أو العمل العربي المشترك من أجل فلسطين، لكن معظمها للأسف صدر عن الحشد الشعبي الإعلامي الذي يستخدم القضية الفلسطينية عدالتها وجماهيريتها من أجل التغطية على انخراطه الفعلي في الجرائم التي يرتكبها النظام العصابة في الشام. كما في تأسيس الامبراطورية الفارسية في  العواصم أو الدول العربية الأربع حسب التصريح الشهير لعلي يونسي مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني.

والحقيقة وللأمانة وللتاريخ، إنه لم تكن  ثمة عاصفة حزم عربية واحدة ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، بل ثلاث عواصف انتهت بثلاث نكبات اثنتين منها: عسكرية والثالثة سياسية، علماً أن دول الخليج، وضمن  ثوابت التاريخ والجيوبوليتيك لم تتأخر عن القيام بواجبها في العواصف العربية ومساندتها مع الانتباه إلى أن عبء مواجهة الغزوات الأجنبية كما صنع حضارتنا ثقافتنا وانتصارتنا، لم يكن يوماً ملقى على عاتقها، بل على عاتق الحواضر الكبرى الثلاث القاهرة دمشق وبغداد، التي حوّلها الاستبداد حتى قبل الثورات إلى أرض مدمّرة أو مدمرة ومحروقة، حتى أن حزب البعث فعل ما لم يفعله أي من الغزاة عبر التاريخ، ألا وهو تدمير وحرق بغداد والشام معاً.

مع بدايات المشروع الصهيوني قام العرب بعاصفة حزم أولى في فلسطين، وأرسلوا جيوشهم إلى هناك من أجل مناصرة أهلها ومنع المشروع الاستعماري من النجاح والنتيجة كانت نكبة أولى في أيار/مايو 48 عندما هزمت العصابات الصهيونية  تلك الجيوش ، واحتلت ثلاثة أرباع فلسطين مهجرة مليون مواطن تقريباً من أهلها.

كانت الدول العربية آنذاك في معظمها مدنيات ديموقراطية شبه مستقلة، وكانت فى طور الانعتاق من  الانتداب الأجنبي، ولم تكن  قد تحولت بعد  إلى دول مستقلة قوية بالمعنى الحقيقى للكلمة، إلا أنه وبنظرة إلى الوراء كانت المرحلة آنذاك أفضل حالاً بكثير  من كل المراحل التي تلتها، وعلى كل المستويات ويمكن فقط الإشارة إلى دستور 1923 المدنى الديموقراطي في مصر الذي كان يحتاج إلى بعض الإصلاحات من أجل التطبيق الكامل لفكرة الملكية الدستورية، وهو أفضل جوهرياً من معظم الدساتير التي سبقته حتى اندلاع ثورة يناير/2011 نفس الأمر يمكن قوله عن دستور 1950 في سورية الذي كرّس فكرة الدولة المدنية الديموقراطية لكل مواطنيها أو دستور 1921 في العراق، علماً أن حواضرنا التاريخية الكبرى الثلاث كانت ناهضة على كل المستويات تعج بالحياة والحيوية، وكان يحتاج الأمر فقط إلى إصلاحات لسد الثغرات واستكمال عملية الاستقلال والنهوض، ولكن هذا لم يمنع اثنتين منها من إرسال الجيوش لمواجهة المشروع الصهيوني لاغتصاب فلسطين.

بعد النكبة الأولى وضياع فلسطين اهتز العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه ما هيىء الظروف أمام حقبة الانقلابات العسكرية التي بدأت في القاهرة مع انقلاب 52، وامتدت كما هي العادة في هزات ارتدادية  إلى دولنا وحواضرنا الكبرى، وحطم الانقلابيون كل ما كان موجوداً قبلهم بما في ذلك فكرة الدولة المدنية الديموقراطية، وأسسوا بدلاً منها فكرة الدولة العسكرية الاستبدادية مؤممين كل شيء لصالح السلطة أو السلطات الحاكمة، وكانت الحجة الأساس في كل ما فعلوه إزالة أثار النكبة الأولى وتحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي.

عقدين تقريباً على عاصفة الحزم العربية الأولى والنكبة الأولى شن العرب أو بالأحرى اضطروا للقيام بعاصفة حزم ثانية في حزيران/يونيو 1967 انتهت بنكبة ثانية أدت إلى ضياع كل فلسطين، واحتلال إسرائيل كذلك لشبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان بعد هزيمتها لثلاث، بل أربع جيوش عربية في ستة أيام بل ست ساعات في الحقيقة.

أنظمة الاستبداد العسكرية التي فهمت مغزى ما جرى هربت من مواجهة الحقيقة أو تسمية الأشياء بأسمائها وخففت من وقع النكبة بإطلاق صفة النكسة عليها، فقط كي لا تدفع الثمن أو تقوم الثورات ضدها خاصة أنها بررت كل تصرفاتها وقمعها ومصادرتها لحريات الشعوب المختلفة بذريعة تحرير فلسطين.

هنا حصل أمر مهم جداً، وفي سياق الهرب المنهجي والمتعمد إلى الأمام ورفض مواجهة الواقع المستجد اعترفت قاهرة ناصر أولا ثم دمشق حافظ الأسد بقرار 242 الذي قزّم فلسطين إلى الضفة الغربية، والقدس، وربط أي تسوية أو أي انسحاب من الأراضي العربية المحتلة بالاعتراف بإسرائيل والإقرار بوجودها أي ببساطة لم يتغير الحكام، وإنما جرى تغيير القضية.

بعد النكبة الثانية ومع استقلال معظم دول الخليج وبداية الثورة النفطية بدأت السعودية ودول خليجية أخرى مثل الكويت في لعب أدوار مهمة على الساحة العربية. وهكذا جرى توحيد الصفوف في قمة الخرطوم وإبداع اللاءات الثلاث الشهيرة ، ردّاً على النكبة، ثم بدأ ضخ المساعدات بالمليارات إلى دول الطوق لمساعدتها على إزالة أثار النكبتين، وبالتالي تحرير فلسطين أو جزء منها على الأقل.

وهكذا تم القيام بعاصفة حزم عربية ثالثة ضد إسرائيل في تشرين أول/اكتوبر 1973 ولم يكن العالم العربي موحّدًا يوماً كما كان آنذاك، خاصة مع استخدام سلاح النفط الذي حسن ميزان القوى لصالحنا، ولكنه للأسف لم يمنع النكبة الثالثة التي جاءت سياسية هذه المرة.

بعد الحرب استمرت الدعم الخليجي السنوي بالمليارات طبعاً لدول الطوق الثلاث، التي كانت في  حالة حرب مع إسرائيل، كما لمنظمة التحرير الفلسطينية بصفتها القوة الصاعدة آنذاك غير أن الانتصار العسكري المحدود أدى مباشرة إلى نكبة سياسية ثالثة بالمعنى الدقيق للكلمة، حيث استغل الرئيس المصري الراحل أنور السادات الانتصار للذهاب إلى التسوية، والاعتراف والصلح مع إسرائيل وبالتالي انطلاق عملية التسوية كما عشناها  في السنوات الماضية، بينما استغله حافظ الأسد لبناء الدولة العائلية الطائفية المتوحشة والبشعة. كما لاجتياح لبنان وتدمير النموذج العربي الديموقراطي الوحيد وصولاً إلى تدمير البلد بكامله وتسليمه إلى الحشد الشعبي الطائفى التابع للمشروع الامبراطوري الفارسي.

دول الخليج التي قامت بما عليها وفق طبائع الأشياء وحقائق التاريخ والجغرافيا، نقلت دعمها بعد ذلك إلى منظمة التحرير الفلسطينية التي وإنْ أخفقت في القيام بمهام التحرير الكامل، بعدما استنسخت منظومة الاستبداد العربية لو بشكل محدث وملطف، إلا أنها حققت إنجازات لا يستهان ولا يمكن أن يستهان بها فيما يتعلق بفرض القضية على جدول الأعمال الإقليمي والدولي، كما بتوحيد الشعب في أماكن تواجده ليس كلاجئين وانما كثوار  من اجل قضية عادلة، وهي إنجازات كان من  الصعوبة بمكان تصور تحقيقها لولا الدعم الخليجي الهائل سياسياً ومادياً أيضاً.

وللأمانة أيضاً لم يكن الدور الخليجي ضارّاً يوماً تجاه القضية الفلسطينية ومنظمة التحرير كما كان الحال مع سورية الأسد – الأب الابن – مثلاً، وحتى ليبيا القذافي - وبدرجة أقل عراق صدام حسين - التي فعلت كل ما تستطيع من أجل إضعاف منظمة التحرير واحتكار القضية الفلسطينية والقضايا العربية الأخرى من أجل المساومة عليها لحفظ الدولة المتوحشة ونظامها الطائفي البشع.

اذن من السذاجة او بالاحرى الديماغوجية وسوء النوايا ،مطالبة السعودية بقيادة عاصفة حزم عربية فى فلسطين، فهى لا تستطيع القيام بذلك  حتى لو ارادت ،كون المهة ملقاة منطقيا  تاريخيا  وجيوسياسيا   على عاتق الحواضر الكبرى الثلاث المدمرة او المدمرة  والمحروقة، علما ان  الثورات    العربية اوجدت   بيئة   مناسبة   و مهمة، لاعادة بنائها على اسس متينة نزيهة وديموقراطية ،غير ان الثورات المضادة اعادتنا للاسف  سنوات وربما عقود الى الوراء، الى زمن النكبات زمن  الحزب الواحد الزعيم الواحد وذهنية بالروح بالدم  العدمية ، وبالتالى فان ومواجهتها وهزيمتها خطوة لازمة وضرورية  لتهيئة الظروف امام عاصفة حزم عربية فلسطينية ناجحة ومظفرة ،لان من فشل فى امتحان امتحانات الخبز الحرية الكرامة، لا يمكن ان ينجح فى امتحان فلسطين ، ووحدها شعوب انظمة ودول حرة يمكن ان توفر او تساهم فى توفير الحرية لها  .

  • كاتب فلسطيني

 

×
أخبار
السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط