كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

فلسطين عند مفترق وجودي: المسار والخيار


لم يعد النقاش الفلسطيني يحتمل مزيداً من الدوران في الحلقة نفسها. ما يجري اليوم ليس خلافاً حول تفاصيل “مرحلة ثانية”، ولا جدلاً تقنياً بشأن شروط اتفاق أو آليات تنفيذ قرار دولي. نحن أمام لحظة مفصلية تتقاطع فيها حرب الإلغاء في غزة مع مشروع الحسم في الضفة الغربية، وتتداخل فيها إرادة الاحتلال مع حسابات إقليمية ودولية مضطربة، بينما يغيب النقاش الوطني المنهجي القادر على إنتاج تقدير موقف جامع.

المعضلة الأساسية لا تكمن فقط في اختلال موازين القوى، بل في غياب حسم فكري وسياسي لطبيعة المرحلة. قبل أن نسأل: كيف ننجح؟ علينا أن نسأل: ماذا نواجه؟ هل نحن أمام تحدٍ عابر يمكن احتواؤه بأدوات سياسية تقليدية؟ أم تهديد استراتيجي طويل الأمد يعيد تشكيل بنية الصراع؟ أم أننا دخلنا طور خطر وجودي يستهدف الكيانية السياسية الفلسطينية في غزة والضفة معاً؟

هذا السؤال ليس ترفاً نظرياً، بل شرط لأي فعل عقلاني. التشخيص الخاطئ يقود إلى خيارات خاطئة، والالتباس في تعريف المرحلة ينعكس ارتباكاً في القرار والأولويات. التجربة الفلسطينية أظهرت أن الإخفاق في مقاربة الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون، أنتج حالة من التكرار والاستنزاف: إعادة طرح الأسئلة نفسها، واستحضار السجالات نفسها، دون انتقال فعلي إلى مستوى الفعل المؤثر.

لفهم اللحظة الراهنة، لا يكفي توصيف الوقائع اليومية. المطلوب قراءة الاتجاه العام للأحداث منذ الإعلان عن خطة دونالد ترامب، مروراً بمرحلة التطبيع الإقليمي، وصولاً إلى حرب الابادة وتداعياتها السياسية والأمنية.

المسار العام يشير إلى تقليص تدريجي للحيز السياسي والجغرافي الفلسطيني، ومحاولات إعادة تعريف المرجعيات القانونية والالتزامات الدولية، بالتوازي مع تسارع مشاريع فرض السيادة في الضفة الغربية، توسيع الاستيطان، وفرض القوانين الإسرائيلية تدريجياً، ومصادرة الأراضي، وخلق واقع يضعف قدرة السلطة على التحكم في الأرض والمجتمع. في الوقت ذاته، يُنظر إلى غزة بوصفها ساحة لإعادة ترتيب الواقع السياسي بما يقوّض بنيتها المؤسسية ويضعف قدرتها على التمثيل الوطني.

هذه المؤشرات لا تعكس مجرد ضغط مرحلي لتحسين شروط تفاوض، بل تشير إلى مشروع إعادة صياغة طويل الأمد للمسألة الفلسطينية برمتها، عبر تفكيك عناصر القوة السياسية والمؤسسية، ودفع الكيانية الفلسطينية نحو حالة هشاشة دائمة. الوضع في غزة تجاوز مرحلة الحصار ليصبح أزمة وجودية حقيقية، تهدد البنية التحتية والمجتمع المدني، ولا ينتظر منا أي مناورة أو تردد.

لسنوات طويلة، قامت المقاربة الإسرائيلية على مبدأ “إدارة الصراع”: منع قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة، مع الإبقاء على بنية سياسية فلسطينية محدودة الوظيفة تتحمل أعباء الإدارة المدنية والأمنية دون أدوات سيادية فعلية. هذه المعادلة سمحت بتجنب الانفجار الشامل، ومنعت الوصول إلى تسوية سياسية حقيقية. لكن التطورات الأخيرة، خاصة في الضفة الغربية، تشير إلى تحوّل نوعي: الهدف لم يعد إدارة أزمة، بل دفع الفلسطينيين نحو تفكك بنيوي يهدد الإطار المؤسسي للمشروع الوطني.

إذا كان هذا التقدير صحيحاً، فنحن لا نواجه مجرد تضييق مرحلي، بل تهديداً وجودياً طويل الأمد قد ينهي الإطار الجامع الذي يقوم عليه المشروع الوطني. الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في مشاريع الآخرين، بل في عجزنا عن نقد الذات: الانقسام المستمر، تآكل الشرعيات، غياب النقاش المؤسسي الرسمي بين مكونات النظام السياسي، وتقدّم الحسابات الفئوية على المصلحة الوطنية، كلها عوامل تضعف القدرة على مواجهة المسار الجاري.  

المشكلة لا تكمن في تعدد الآراء، بل في غياب إطار جامع لإدارة الاختلاف. حين يغيب التقدير المشترك لطبيعة المرحلة، تتحول الخلافات إلى حالة شلل، ويُستنزف الجهد في سجالات داخلية، بينما تتقدم الوقائع على الأرض بخطى ثابتة.

رغم قتامة المشهد، فإن توصيف الخطر لا يعني التسليم به. السؤال الحاسم هو: ما هو هامش الفعل المتاح؟ هل نحن مجرد متلقين لمسار يُفرض علينا، أم ما زال لدينا القدرة على التأثير فيه؟  

الإجابة الواقعية تفيد بأن الهوامش ضيقة، لكنها لم تنعدم. إعادة بناء تقدير موقف وطني شامل، توحيد الأولويات حول حماية الكيانية السياسية أولاً، إعادة ترتيب البيت الداخلي، وتحديد استراتيجية سياسية واضحة في التعامل مع المجتمع الدولي، كلها خطوات يمكن أن تعيد جزءاً من المبادرة. المطلوب ليس خطاباً تعبويّاً جديداً، ولا إعادة إنتاج الانقسامات القديمة، بل شجاعة الاعتراف بحجم التحول الجاري.  

حين تصبح الأولوية حماية الإطار السياسي الجامع من التفكك، تتغير الحسابات، وتُعاد صياغة الأدوات، وتُرتب الأولويات وفق معيار البقاء الوطني لا وفق حسابات الربح الفئوي. نحن أمام محنة تاريخية معقدة قد تكون قابلة للاحتواء إذا أُحسن التعامل معها، وقد تنزلق إلى مستوى خطر وجودي إذا استمرت حالة الإنكار والتردد. القرارات التي تُتخذ اليوم—أو يُحجم عن اتخاذها، ستسهم إما في تقليص كلفة المرحلة وتفكيك عناصرها الأخطر، أو في تعميقها وترسيخ آثارها على المدى البعيد.  

الوضوح في الرؤية، حتى في ظل اختلال موازين القوى، هو الخطوة الأولى لاستعادة المبادرة. قد لا نملك القدرة على تغيير كل المعادلات، لكننا نملك القدرة على تحديد موقعنا داخلها. وبين أن نكون فاعلين في مسار يتشكل، أو مجرد موضوع له، يتحدد الفارق بين أزمة عابرة وخطر وجودي يعيد تشكيل مصيرنا السياسي. غزة، في قلب هذا المسار، لا تنتظر مزيداً من الوقت، بل وضوحاً في الرؤية وجرأة في القرار، فالقرار الذي يُتخذ اليوم، أو يُؤجل، سيحدد ما إذا كنا سننجح في حماية الكيانية الوطنية، أم سنصبح مجرد شاهد على تفكيك مشروعنا السياسي.

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط