كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

فلسطين في ضمير الحاج صالح

فلسطين في ضمير الحاج صالح

تاريخ النشر: 2025-03-03 | 12:16

وحدي والليل..
وهذا الحارس الكردي السبعيني الطيب، وحقلنا الثاوي على تخوم الوطن، الساهر ليلاً كناطور، والكادحُ نهاراً كأجير.

ليلٌ شتويًّ كليلِ العاشقين طويل، لا يقف على مسرحه، سواي ، والحارسُ العجوزُ ومذياعٌ صغيرٌ صادِح ، يَصْحَبُنا في كل مكانٍٍ سِرْنا، وأيّ محلٍّ حللنا على مساحة الحقل الفسيح، لا يكفّ طوال الليل عن بث أخباره المتباينة، المتنوعة نثاً على مسامعنا، ونثراً في قلوبنا..
بعض تلك الأخبار لم تكن تتجاوز صوان الأذن الخارجي، وبعضها كان يتجاوز إلى الأذن الوسطى، قبل أن يرتد خاسئاً إلى حيث كان، والكثير من الأخبار كانت تتعدى إلى الأُذُنِ الأُخرى؛ في طريقها للخروج ثانيةً عبر الأثير!.

لم يكن يَعْلَقُ بآذاننا ـ أنا والعجوز - من كل تلك، سوى الأخبارُ التي تَخُصُّ أنباءَ الانتفاضة، وعددُ ـ وربما أسماءُ ـ الذين قُتِلوا، وجُرِحوا من المقاومين الفلسطينيين المجاهدين، ومن النساء والأطفال العزل المسالمين، على أيدي المحتلين الصهاينة المغتصبين، في كل يوم، وليلةٍ، وكلّ ساعةٍ ولحظة.

وكان العجوز الطيب المتحمس لا يَكـُفُّ عن السؤالِ عقب كل نشرة أخبار :
محمد يا بني (أنا لا أفهم العربية سوى بلسانك أنت) قل لي ـ بالله عليك ـ : كم قتلوا من الفلسطينيين هذه الليلة؟
ــ قتلوا الليلة خمسة يا حاج صالح .
س : وكم تبقى منهم أحياء حتى الآن؟!
ــ الفلسطينيون يا حاج صالح عددهم الآن تقريباً أربعة ملايين (قدّرتُ للرجل رقماً جاء، على طرف لساني، فالرجل يثق بي ويظنني أعرف كل شيء!) ولم يكن حَرِيّاً بي أن أُدْخِلَ الرجلَ معي في حِسْبةِ ومتاهةِ أيِّ فلسطينيين يقصد؟
فلسطينيي المهجر، أم فلسطينيي المخفر؟!
فلسطينيي الشتات، أم فلسطينيي الموات ؟
فلسطينيي الأردن ، أم فلسطينيي فلسطين ؟
فلسطينيي الفردوس والنعيم المقيم، أم المتدنيين من عملاء المحتل أصحاب الدَركِ الأسفل من الجحيم ؟!.

يردفُ الرجلُ مستفسراً: وبعد إذاعة هذه النشرة الأخيرة كم تبقى منهم؟
ـ أردّ عليه (بابتسامة شفقة لا تظهر على شفتي) : بالتأكيد أصبحوا أربعة ملايين إلا خَمس فلسطينيين يا عمّنا الكريم!.

وفي الليلة التالية يُبادرني .. بنفس السؤال: كم أصبح العدد المتبقي الآن يا محمد يا بني؟!
ـ أسأله بِوُدّ : كم قتلوا منهم طوال هذا اليوم يا حاج صالح؟
يرد الرجل (بعد تدبر ومراجعة وتمتمة): 6 + 3 قبل أذان العشاء + اثنين في نشرة الأخبار الأخيرة ..
وينطق العجوز بلسان كرديّ نصف مُبين ولكنه على كل حالٍ مفهوم ٌ ـ من قِبَلِي على الأقل:
قتلوا 11 فلسطينيا منذ آخر مرة أحصيناهم يا محمد وحتى النشرة الأخيرة التي أذاعوها قبل قليل .. إذن: كم يتبقى منهم الآن يا ابني؟!.

وينتهي دوامنا الأسبوعي ونذهب (إلى عطلة نهاية الفترة).
فإذا ما عدنا ـ كلٌّ من بيته ـ إلى مقر عملنا، بتلك البقعة المثلثة الغنّاء المأهولة كواحةٍ في صحراء الربع الخالي ، نكون أول ما نكون على الموعد ذاته وأسئلة الرجل العجولة الشغوفة ذاتها..
و كالعادة يبادرني كما في كل مرة بلسانٍ عربيّ ولكْنَةٍ فيها عُجْمةٌ اعتدتُ عليها: محمد لا أعرف كم قتلوا منهم طوال هذه الأيام الثلاثة، أنا يا ابني وإنْ كنتُ قد فهمت قليلاً من لغة الراديو أو التلفاز، إلا أني لا أفهم في الجمع والطرح والحساب ، هلا أخبرتني ـ أكرمك الله ـ كم تبقى منهم الآن ؟!.
ــ وكالعادة أبْتَسِمُ مُشفِقا على العجوز(وبابتسامة معلنة هذه المرة) وأقول له : البركة في المتبقي منهم يا حاج .. هَوِّنْ عليك!.

يَصْمُتُ الرجلُ ويَظلُّ يتفكـَّر ويعودُ يقولُ : أخشى أن يظل الصهاينة يقتلونهم واحداً واحداً يا وليدي، حتى يقضُوا عليهم ، ولا يتبقى منهم أحدٌ يُحَرّر فلسطين!.

هكذا دائما كان حالي مع الرجل، وحاله معي ..
وفي صبيحة كل يوم؛ لا ينام ولا يدع عينيّ تكتحل بمنام ـ بعد ليل السهر الطويل ـ إلا إذا طمأنته على الشهداء والمتبقين من الفلسطينيين بعد كل حصاد جديد على يد طواغيت العصر، شياطين الجن، الملعونين!.

حتى جاءت لحظة مفاجئة، عبقرية، واعدة؛ أعلن فيها مذيعُ نشرة الأخبار في لندن عن عملية استشهادية نوعيّةٍ فريدة، أسقطت عدداً لا بأس به من الصهاينة، فضلاً عن الخسائر المادية، وأهم منها: النفسية، والمعنوية!.

اسْتبشَرَ العجوزُ كثيراً، واطمأنّ قلبه، وأراحني في تلك الليلة من سؤاله المزمن المتكرر عن تعداد القتلى الجُدُدِ مِنْ اخواننا الفلسطينيين، وعمّن جُرِحَ و مَنْ تَبَقّى منهم على قَيدِ الحياة، عقبَ كلِّ إذاعةٍ جديدة لنشرةِ أخبار جديدة!.

وتمُرُّ الأيامُ والليالي على تلك الشاكلة ونفس المنوال ، حتى انتقل العجوز إلي موقع آخر من مواقع الشركة غير موقعنا الذي لمّا يزل يسعني والليل والمذياع الصغير، فيما ضاق برابعنا الذي أمسيتُ لا أراه إلا مصادفة كلّ أسبوع ، أو أُسبوعين ربما، ونحن ذاهبون أو آيبون ، بسيارة الشركة ـ من وإلى ـ بيوتنا في فترات الإجازة الدورية.
وكان سؤالُه المعتاد لمـّا يزل كما في كل مرة : هل لا زال متبقيا منهم كثير يا محمد يابني ؟!.
ــ لا حول ولا قوة إلا بالله ! لسه برضه يا حاج صالح شاغل بالك بالموضوع؟ : لا تَحْمِلْ هَمّ يا عمِّي "البركة دائما موجودة وحاصلة في مَنْ تَبَقَّى ، ولا تنس أنَّه إن يكن منّا مئة صابرة، يغلبوا ألفاً ".

شهورٌ طويلةٌ والرجلُ ـ لا يَكِلُّ ولا يَمِلّ ـ يُسائلنِي ذات السؤالِ وأنا أُجِيـْبُهُ بما سمعت من أخبار وما تعلمت من قواعد حساب الجمع والطرح ..
حتى جاء وقتٌ حاولتُ فيه جدِّيَِّّاً البحث عن إجابةٍ مثاليةٍ يرتاحُ لها العجوزُ ويَطْمَئنُّ إليها قلبُه، أُرَدِّدُها عليه، في كلِّ مَرّةٍ يُسائلني!.

ومن وَحْي العملية الفدائية الفلسطينية المباركة الأخيرة، فكرتُ كثيراً في أن أُوَلـِّد منها عملياتٍ، وعملياتٍ فدائيةً استشهاديةً أخرى ، مستنسخة، و متخيَّلَةًً ، في مقابل العمليات الإجرامية، المتكررةِ للصهاينة ..

وبالفعلِ استَطَعْتُ أنْ أحقق بعض الراحةِ، والتوازنِ النفسيّ في قلب ونفس الرجل ولو لبعض الوقت، وعلى فترات حيث كان العجوز الطيب يتسمع للأخبار من هنا وهناك عن مذابحنا في فلسطين، وأنا بين فترة وأخرى أرتب له في مخيلتي قصة عملية فدائية جديدة، أشنف بها آذانه، وهكذا نجحت في تحقيق التوازن النفسي المعهود عند الرجل ؛عِوَضا عن التوازن الاستراتيجي المفقود على الأرض، ولكن هل العمليات الاستشهادية الدورية تلك مهما بلغت من تكرار ومن شدّة ، هل ستحمي الفلسطينيين الأبرياء المتبقين من انتقام الطغاة الغادرين؟! (سألني العجوز الصالح وكأنه يُسائل نفسه، قبل أن يعلو صوته ويسألني سؤاله الأزليّ، بصياغة مختلفةٍ، وبنبرةٍ جديدة ) :
وهل لا زال يتبقى من هؤلاء الفدائيين الكثير يا محمد يا بني، بعد كل تلك العمليات الاستشهادية ؟ أرجوك أصدقني القول ولا تستغفل كِبَرَ سني وقلةَ فهمي للُّغة!.

ـ والله يا حاج صالح، أنا على وعدي معك ألا أقول لكَ سوى الصدق والحقيقة ..(قلتها للرجل في لحظة شهامةٍ، وضعفٍ إنسانيًّ في آن !).
وبقيت حائراً كيف يمكنني (بحقّ السماء) الوفاءَ بهذا الوعدِ؟! وأنـَّىَ يتأتـَّى لي مصارحةَُ الرجلِِ الذي لا يَكـُفُّ عن السؤالِ الحائرِ الشائك القلِق الذي لا يلائمه سِوى المراوغةُ والردودُ التكتيكيةُ
وإلا اكتأب العجوز و انقهر، وقضى عليه الضغط ، و السكر أو طقَّ قلبه الكبير الغضّ !.

شهراً كاملاً لم أصادف الرجلَ بحُكمِ افتراقِنا، كلٌّ في موقع مُغايِر...
قبل أن أقابله تلك المرةٍ صُدْفةً بالباص "خاصة الشركة" الذي ينقل كل منا ـ كالعادة ـ من قلب المدينة إلى آخر نقطة على حدود الوطن، وما أن رآني العجوز الصالح حتى بادرني في لهفة وقلق أكثر من ذي قبل، ليس بالسؤال عن أحوالي، ولا بحديث يطمئنني به عن أحواله، ولكنه بادرني بسؤاله التقليديّ الدائم، هل لا زال يتبقى من الفلسطينيين المقاومين الكثير يا محمد يا بنيّ ؟!

فكرتُ طويلاً.. وقد رَنّ في أُذني وعدي للرجل بمصارحته بالحقائق دون مواربة أو تجميل ...
سَرَحْتُ بفكري بعيداً قبل أن أنتبه على سؤاله يتكرر على مسامعي للمرة الـ ...
وفى حِدَّةٍ لم تَخْلُ من ودٍّ قلتُ للعجوز: لا يهمّ كمْ تبقـَّى منهم يا حاج صالح..!
حتى لو استشهد كلُّ أهلِ فلسطين ـ المقاومون ـ جميعاً وقضى الصهاينة عليهم واحداً تلو الآخر ..
فلن ينتهي بالتأكيد المدافعون عن القدس وفلسطين يا عمّنا الكريم، فلا زالت البركة باقية فيّ، وفيك يا رجل يا طيب!.

تَهَلَّلَ وَجْهُ الرجلِ وعَلَتْ مَلامِحَه السكينةُ وهو يُؤَمِّنُ على كلامي بالقول وبالإماءةِ، والابتسامةِ، وعَمَّ البِشـْرُ على كاملِ صفحةِ وجهه، أكثر بكثير مما توقعتُ لكلماتي من تأثير!.

وهكذا وأخيراً ..
نجحْتُ في الردّ على العجوزِ بما تَطِيْبُ له نفسه، وبما يزرعُ في قلبه الرضا والسَكينةَ، والطمأنينةَ، إلى الأبد! رغم أنـِّي لم أكن أدري بالتأكيد أنّ هذا هو آخر عهدٍ لي معه
قبل أن يغادرنا إلى عالمٍ آخرَ أكثرَ أمناً، وعدلاً، وسلامًا، ورحمة..
عالمٍ كانَ الرجلُ ـ دَرَى أو لمْ يَدْرِ ـ على موعدٍ معه..
في صبيحةِ اليومِ التالي!.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط