كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

فلسطين والتحولات الإقليمية: هل يُعاد تشكيل الشرق الأوسط على حساب القضية الفلسطينية؟

فلسطين والتحولات الإقليمية: هل يُعاد تشكيل الشرق الأوسط على حساب القضية الفلسطينية؟

تاريخ النشر: 2026-05-30 | 07:46

د. عبد الرحيم جاموس
د. عبد الرحيم جاموس

في خضم التحولات السياسية والأمنية المتسارعة التي تشهدها المنطقة العربية، تبدو القضية الفلسطينية اليوم أمام واحدة من أخطر مراحلها التاريخية، ليس فقط بسبب استمرار الاحتلال الإسرائيلي وعدوانه المتواصل على الشعب الفلسطيني، بل أيضًا بسبب محاولات إعادة تشكيل الإقليم سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا بطريقة تُخرج فلسطين من مركز الصراع، وتُعيد تعريف أولويات المنطقة وفق رؤية أمريكية ـ إسرائيلية جديدة.
لقد شهد الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة بدأت بالغزو الأمريكي للعراق، مرورًا بتفكك عدد من الدول العربية، وصعود النفوذ الإيراني، وانفجارات الربيع العربي، وما تبعها من حروب وانقسامات وصراعات إقليمية حادة. وفي ظل هذا المشهد المضطرب، نجحت إسرائيل إلى حد بعيد في استثمار حالة الضعف والانقسام العربي لإعادة تموضعها داخل المنطقة باعتبارها “شريكًا أمنيًا” لبعض الدول العربية، وخاصة الخليجية، تحت عنوان مواجهة “الخطر الإيراني”.
وهنا تكمن الخطورة الاستراتيجية الحقيقية.
فبعد أن كان الصراع العربي ـ الإسرائيلي يمثل القضية المركزية للأمة العربية لعقود طويلة، بدأت ملامح تحول تدريجي تظهر في الخطاب السياسي والإعلامي الإقليمي، يقوم على نقل مركز الصراع من الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين إلى الصراع مع إيران.
ولا يمكن إنكار أن بعض السياسات الإيرانية، بما شملته من تدخلات في الشؤون العربية، ودعم جماعات مسلحة خارج إطار الدولة الوطنية، ومحاولات توسيع النفوذ الإقليمي، قد ساهمت في خلق مخاوف عربية حقيقية، خاصة لدى دول الخليج العربي. وقد استثمرت الولايات المتحدة وإسرائيل هذه المخاوف بذكاء، لتسويق فكرة أن إسرائيل يمكن أن تكون حليفًا طبيعيًا وشريكًا استراتيجيًا في مواجهة إيران.
وفي عهد الرئيس الأمريكي Donald Trump، أخذ هذا المشروع أبعادًا أكثر وضوحًا من خلال ما عُرف بـ”صفقة القرن”، واتفاقات التطبيع، ومحاولات بناء تحالف إقليمي جديد تكون إسرائيل أحد أعمدته الرئيسية.
لقد تحولت القضية الفلسطينية، في الرؤية الأمريكية الجديدة، من قضية تحرر وطني وحق تاريخي وقانوني، إلى “ملف يمكن تأجيله”، بينما أصبح المطلوب عربيًا هو الانخراط في ترتيبات أمنية وسياسية جديدة تحت عنوان: الأمن مقابل التطبيع.
أي أن بعض الدول العربية تُدفع نحو التطبيع مع إسرائيل مقابل:
ضمانات أمنية أمريكية،
وصفقات تسلح،
وحماية سياسية،
واحتواء النفوذ الإيراني.
لكن هذا المسار يتجاهل حقيقة أساسية لا يمكن القفز فوقها، وهي أن إسرائيل ما تزال دولة احتلال تمارس:
الاستيطان،
والحصار،
وتهويد القدس،
والتمييز العنصري،
وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه المشروع في إقامة دولته المستقلة.
ومن الناحية القانونية، تبقى القضية الفلسطينية واحدة من أوضح قضايا الاحتلال في القانون الدولي المعاصر. فقرارات الأمم المتحدة، واتفاقيات جنيف، والرأي العام الدولي، كلها تؤكد عدم شرعية الاحتلال والاستيطان، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وعودة لاجئيه.
غير أن المشكلة الكبرى تكمن في ازدواجية المعايير الدولية، حيث يتم تعطيل القانون الدولي كلما تعلق الأمر بإسرائيل، بفعل الحماية الأمريكية والغربية المستمرة.
إن أخطر ما في التحولات الجارية ليس فقط التطبيع بحد ذاته، بل محاولة إعادة تشكيل الوعي السياسي العربي، بحيث تصبح إسرائيل “شريكًا في الأمن والاستقرار”، بينما يجري التعامل مع مقاومة الاحتلال وكأنها عبء على المنطقة.
وفي هذا السياق، يجري الحديث عن “شرق أوسط جديد” تكون فيه إسرائيل مركزًا للتكنولوجيا والاقتصاد والأمن، بينما يتم تهميش الحقوق الفلسطينية أو تأجيلها إلى أجل غير معلوم.
لكن التاريخ يؤكد أن أي مشروع إقليمي لا يقوم على العدالة واحترام حقوق الشعوب سيبقى مشروعًا هشًا وقابلًا للانفجار. فالتحالف مع الاحتلال، ولا على تجاوز القضية الفلسطينية، بل على:
إنهاء الاحتلال،
واحترام القانون الدولي،
وبناء نظام إقليمي قائم على التوازن والتعاون واحترام سيادة الدول.
كما أن مواجهة التحديات الإقليمية، بما فيها السياسات الإيرانية، لا ينبغي أن تتحول إلى بوابة لشرعنة الاحتلال الإسرائيلي أو تسليم المنطقة لمعادلات الهيمنة الجديدة.
إن الأمن القومي العربي لا يمكن أن يتحقق عبر الارتهان للقوى الخارجية، بل عبر مشروع عربي مستقل يعيد بناء الدولة الوطنية، ويحقق التنمية والاستقرار، ويحفظ الحقوق العربية وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال.
لقد أثبتت التجارب أن تجاهل القضية الفلسطينية لا يلغيها، بل يؤجل انفجارها. ففلسطين لم تكن يومًا قضية حدود فقط، بل قضية عدالة وكرامة وهوية وحق تاريخي.
ولهذا، فإن كل محاولات إعادة تشكيل المنطقة على حساب فلسطين ستظل عاجزة عن إنتاج سلام حقيقي أو استقرار دائم.
ويبقى السؤال الكبير المطروح على العرب اليوم: هل يُعاد بناء النظام الإقليمي العربي على أساس المصالح الآنية والتحالفات المؤقتة، أم على أساس مشروع عربي مستقل يحفظ الأمن القومي العربي ويصون الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني؟

×
أخبار
وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط