كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

فلسطين والدرس التونسي

فلسطين والدرس التونسي

تاريخ النشر: 2021-08-03 | 11:59

مما لا شكّ فيه أن ما أقدم عليه الرئيس التونسي يمكن اعتباره مسًا خطيرًا بالديمقراطية التي جاءت بمجلس النواب، تمامًا كما جاءت بالرئيس نفسه الذي أقدم ضمن إجراءات أخرى على تجميد عمل هذا البرلمان. ويبقى السؤال المطروح حول حالة الديمقراطية بعد الربيع العربي، هو تساؤل العديد من قصيري النظر أو أصحاب الرؤية الدونية لمكانة الشعوب العربية في حاضر ومستقبل الديمقراطية، والذين يتجرأون على القول بأن الديمقراطية كممارسة لما أنتجته تجارب الشعوب في إدارة تطوير حياتها ليست صالحة لشعوب المنطقة العربية! نعم، إنها الدونية والتي لا يُرَد عليها سوى بأن الارتدادات السلبية للديمقراطية لا يمكن علاجها سوى بمزيد من هذه الديمقراطية؛ فالديمقراطية تظل في كل الأحوال ومع كل عيوبها أقل أنظمة الحكم سوءًا. بهذا المعنى فإن القرارات التي أقدم عليها الرئيس قيس سعيّد، ومهما كانت مبرراتها، يجب أن تثير الكثير من القلق إزاء إمكانية انحراف الحالة التونسية نحو نظام حكم الفرد، والذي قد ينزلق بسهولة الى نظام ديكتاتوري، حتى لو تم ذلك بمساندة شعبية.

من الناحية الأخرى فإن جوهر الديمقراطية، سيّما في جانبها الاجتماعي، يستهدف معالجة ظواهر الاحتكار وسيطرة فئات اجتماعية ضيقة على موارد البلاد وسوء توزيع هذه الموارد؛ الأمر يُفضى في كثير من الأحيان إلى اتّساع وتعمّق ظواهر الفساد والفقر والجهل والمرض وما تولّده هذه الظواهر من تغييبٍ للعدالة الاجتماعية التي تُشكّل السبب الرئيسي لظاهرتيّ التطرف والإرهاب.

إذا سلّمنا بادعاء عدم جدوى الديمقراطية في معالجة واقع المجتمعات العربية المتخلفة اقتصادياً ومدى حاجتها للتنمية، وهذا بحد ذاته يستدعي ثورة اجتماعية ديمقراطية، نكون في الواقع نُمهّد الطريق لتأسيس النظام الشمولي وحُكم الفرد، والذي لا يمكن في نهاية المطاف أن يحقق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، سيّما في ظل تغييب المساءلة وإحكام السيطرة على الثروة.

صحيح أن الشعب التونسي قد سئِم الأحزاب التي شكّلت حاضنة الفساد في تونس، بما فيها حزب النهضة نفسه، بعد أن راهنت عليه فئات واسعة في البلاد لإنقاذها من تُخمة الفاسدين في مرحلة ما قبل الثورة، إلا أنه وغيره من الأحزاب والقوى السياسية لم يكونوا أفضل حالًا من القوى السياسية والاجتماعية التي سبق أن هيمنت على السلطة وثروات البلاد قبل الثورة، ويبدو أن هذا الانسداد السياسي شكّل الركيزة الجوهرية التي أمدَّت قرارات الرئيس بالشعبية والحياة، مع أن ذلك لوحده لم ولن يكون كافيًا.

من الواضح تمامًا أن الرئيس التونسي ومستشاريه المقربين التقطوا نقطة تقاطع لحظة الانهيار الصحي والاقتصادي وغياب الشعور بالأمن والأمان على الصعيد الداخلي، مع لحظة التغيير الاستراتيجية في سياسة الولايات المتحدة إزاء الإسلام السياسي، والتي يبدو أنها بدأت تتضح تدريجيًا في عهد إدارة (بايدن)، وتحاول التمايز عن رؤية (أوباما) التي كانت قد فتحت فرصًا وآفاقًا إزاء ما كان يُسمى بالإسلام المعتدل، بل وراهنت على التغيير في المنطقة عبر قاطرته، إلى أن جاءت إدارة (بايدن) الديمقراطية، كما يبدو، بتوجهات مختلفة، مستفيدة بالتأكيد من فشل تلك الرؤية ونتائجها الوخيمة على المنطقة.

في توازن العلاقة بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية سيختار الناس ما يخفف من أوجاعهم، والتي لن تشفى تمامًا دون الوصول لنظام سياسي ديمقراطي قادر على إعادة بناء علاقات المجتمع وتوزيع موارده في إطار من المساءلة والشفافية التي تضمن تحقيق العدالة بكل أركانها.

إن دروس الحالة التونسية تؤشر بكل صراحة أن استخدام "بعبع انقلاب حماس" لاستمرار الانقضاض على الديمقراطية البرلمانية، بما في ذلك إلغاء الانتخابات لأجلٍ غير مسمى، لم يُفضي حتى الآن سوى إلى تكريس سلطة الفرد التي تجاوزت سلطة الحزب الواحد، وأصبحت مثقلة بالعديد من مظاهر الدكتاتورية، بما فيها تفكيك المؤسسات المنقسمة بفعل الانقسام واحتكار السلطة على ضفتيه، سيّما سلطة القضاء وما ولّده ذلك من مَسٍّ خطير بالعدالة والحريات العامة ومصادر الرزق ذاتها، والتي تتناقض بمجملها مع استراتيجية تنمية القدرة على الصمود في مواجهة مخططات الاحتلال عبر مقولتيّ "بدكو وطن أكثر ولّا مصاري أكثر؟!" و"الجوع ولا الركوع!"، واللتان تُظهران مدى عمق أزمة فشل إدارة الحكم، ناهيك عن غياب فلسفة لهذا الحكم في ظروف تداخل البناء الديمقراطي مع مهمات إنهاء الاحتلال وما تواجهه متطلبات صمود الناس وصوْن كرامتها من مخاطر حقيقية.

من ناحية أخرى، فإنّ على حماس أن تدرك جيدًا أن من يراهن بمستقبل حكمه على استراتيجية (اسرائيل والولايات المتحدة) إزاء مستقبل حكم الحركة، سواء لجهة مصلحة اسرائيل بإدامة الانقسام، وما يتطلبه إبقاء حكم حماس لغزة، أو تمكينها وترويضها لحين قبولها بما لم تستطع سلطة فتح قبوله حتى الآن، وإن لم تواجهه فعلياً؛ فهذا الموقف قد يتبدل في أي لحظة سيّما في ظل التغيير في رؤية واستراتيجية الولايات المتحدة. فصحيح أن إدارة (بايدن) قد لا تُعارض مشاركة حماس في الحكم، ولكن التجربة التونسية تقول أنها بالقطع لن تُسَّلِم للإسلام السياسي الانفراد به.

ذلك كله يُملي على القوى الحية والناهضة في الشعب الفلسطيني أن تستخلص مجددًا دروس كارثة الانقسام والأزمة الوطنية الناجمة عنه منذ خمسة عشر عامًا، وما واكبها من تقويضٍ لمكانة القضية الفلسطينية وحقوق شعبنا الوطنية، بضرورة الحذر من الاستقطاب حول ما يجرى في تونس، بقدر ما يستدعي تَعلّم دروس هذه التجربة واستخلاص العبر منها، وذلك بعدم الانجرار نحو احتكار السلطة من خلال الديمقراطية دون الأخذ بالاعتبار تعقيدات الحالة الاجتماعية في تونس ومدى تطورها وخطورة النكوص عن منجزاتها البورقيبية، كذلك متطلبات الوحدة وتنمية القدرة على الصمود في الحالة الوطنية لتعزيز ركائز مواجهة الاحتلال في فلسطين، هذا من ناحية، والتغول في استثمار خطايا قوى الإسلام السياسي للانقضاض على الديمقراطية برمّتها، حتى لو تم التضحية بوحدة الوطن، وبالتالي قدرته على التحرر من الناحية الأخرى. فكلا النهجين لن يقودا سوى إلى مزيدٍ من التدمير الذاتي، وهذا ما يستدعي الحذر وحشد القوى الحيّة لمواجهته ومنع الانزلاق نحوه. هذا ما يمكن اعتباره قراءة أوليّة في الحالة التونسية، والنصيحة التي يمكن من خلال تجربتنا المؤلمة أن نقدّمها للأشقاء في تونس. هنا يقع على عاتق القوى الاجتماعية والنقابية، بمن فيها الاتحاد التونسي للشغل ومؤسسات المجتمع المدني، والتي انحازت ولو ضمنيًا لصالح مكافحة الفساد والتكلّس، أن تشكل الضامن الفعلي لاستعادة وصَوْن المسار الديمقراطي. لأنه في كل الأحوال فإن احتمال الانزلاق نحو الديكتاتورية ليس أقل خطرًا من الأصولية الإسلامية، فكلاهما وجهان لعملة واحدة، سيّما اذا استفرد أيّ منهما بالحكم.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط